(الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)
طالما ردّدناه وردده معنا على طريق الدعوة أبناء الدعوة أثناء سيرهم وعملهم وجهادهم في سبيل إعلاء كلمة الله والتمكين لدين الله، وقد فاز بهذه الأمنية كثير من الأحباب ومن بينهم منشئ الجماعة الإمام الشهيد حسن البنا، نسأل الله أن يتقبلهم جميعًا وأن يفسح لهم جناته، وأن يلحقنا بهم غير مبدلين ولا مغيرين، وغير فاتنين ولا مفتونين وأن يرزقنا الشهادة مثلهم آمين.
لقد تتابع موكب الشهداء على طريق الدعوة منذ زمن بعيد ففاز بالشهادة على أرض فلسطين الحبيبة عامي(48،47) إخوة كرام في جهادهم ضد عصابات صهيون الآثمة المغتصبة، وقدمت الدعوة نماذج رائعة للجهاد والفداء والاستشهاد في سبيل الله، ولا زالت ذكراها ترعب اليهود حتى اليوم، ولا زال اسم الإخوان المسلمين يفزعهم، وقد تناولت بعض الكتب هذا الجهاد وذكرت تفاصيل عن معاركه وشهدائه، ثم كان التآمر بتخطيط أعداء الله وتنفيذ عملائهم من حكام العرب في تلك الفترة، فصدر قرار حل جماعة الإخوان في مصر في ديسمبر1948م، واعتقالهم ما عدا الإمام البنا حيث دبروا لقتله في فبراير1949م، وكانوا قد أدخلوا الجيوش العربية أو رموز لها إلى فلسطين باسم إنقاذها من اليهود، ولكن حقيقة الأمر لتسليمها لليهود، وذلك بإعلان الهدنة وإيقاف الحرب النظامية والفدائية وأخذ المجاهدون من الإخوان من ساحة الجهاد إلى المعتقلات والسجون، ثم إعلان التقسيم وقيام إسرائيل، لهذا يعتبر الإمام الشهيد حسن البنا هو شهيد فلسطين وإن لم يقتل على أرضها.
وعلى ضفاف قناة السويس قام جهاد للإخوان ضد الإنجليز المحتلين، نال الشهادة خلاله شبان في ريعان شبابهم أمثال عمر شاهين وأحمد المنيسي وغيرهما رحمهم الله جميعًا، وقد ضربوا أيضًا أمثلة رائعة من البطولة والفدائية مما أسرع بجلاء الإنجليز عن مصر.
ثم فرض علينا أعداء الله ميدانًا آخر للشهادة، وهو ميدان الظلم والظالمين وفتنة المؤمنين، تحت التعذيب الشديد في سجون عبد الناصر وعلى أعواد المشانق، وقد أقبلوا على الشهادة بكل رباطة جأش وثبات واحتساب، فكان الشهداء: عبد القادر عودة والشيخ محمد فرغلي ويوسف طلعت-وكانا من قادة الجهاد في فلسطين-وإبراهيم الطيب وهنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف. ثم الشهداء سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل ويوسف هواش وعشرات غيرهم تحت التعذيب، وأخيرًا الشهيد محمد كمال السنانيري في العهد الحاضر وكذا خالد الإسلامبولي وإخوانه رحمهم الله جميعًا.
كما نال الشهادة الكثير من أبناء الدعوة في فلسطين المحتلة وفي لبنان وما زالوا يتعرضون إليها في جهادهم ضد اليهود وكذلك في سوريا قتلاً بالرصاص أو تحت الأنقاض أو من دفنوا أحياء تحت التعذيب أو الشنق في سجون سوريا، وكذا نال الشهادة إخوان في العراق وفي ليبيا والصومال وإندونيسيا وفي ساحات الجهاد وفي أفغانستان والفلبين وإريتيريا وغيرها، وسيظل موكب الشهداء يتتابع في كل منطقة في العالم الإسلامي، يتفجر فيها الصراع بين أعداء الله وأهل الباطل المتسلطين وبين الدعاة إلى الله الذين استيقظت فيهم روح الجهاد وصاروا، يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الله.
سيظل الصراع بين الحق والباطل: تتسع ميادينه وترتفع رايات الجهاد، ويتنزل نصر الله على عباده المؤمنين ويتخذ الله شهداء حتى يتنزل نصر الله، ويمكن لدين الله في الأرض بإذن الله.
يظن البعض أن شهادة هؤلاء الشهداء خسارة لحقت بالجماعة حيث فقدت شخصيات كان لها أثرها وتأثيرها في ساحة العمل والجهاد، وهذا ظن خاطئ، فإن شهادة الشهيد في سبيل دعوته زاد ووقود للأجيال ورمز للتضحية والفداء في سبيل الدعوة، وقدوة لأبناء الدعوة على طريق الدعوة.
ويظن أعداء الله وعملاؤهم أنهم بقتل بعض الدعاة إلى الله سيقضون على دعوتهم وجماعتهم، خاصة لو كانوا من القيادات، وهم في هذا الظن واهمون مخطئون، فإنها ليست دعوة أشخاص أو جماعة أشخاص تنتهي بقتلهم، ولكنها دعوة الله ونور الله ولن يطفئ نور الله بشر، والله سبحانه وتعالى يجمع عليها الصادقين المخلصين يعوض بهم الصف ليواصلوا العمل والجهاد حتى تتحقق الأهداف التي قامت من أجلها الجماعة من إقامة دولة الإسلام وعلى رأسها الخلافة الإسلامية تمكينًا لدين الله في أرض الله(حَتَّى لاَ تَكُونَ فöتْنَةñ وَيَكُونَ الدّöينُ كُلُّهُ لöلّه)(الأنفال:39).
وليعلم شبابنا المسلم أن المعركة بين الحق والباطل معركة شرسة وممتدة زمانًا ومكانًا لتشمل الساحة الإسلامية، وليعلموا أن الجهاد هو السبيل وأن التضحية بالنفس والمال أمر حتمي، وأن فرصة الجهاد والاستشهاد ستزداد خلال عشرات السنين القليلة القابلة كمقدمات لمرحلة الجهاد والتمكين بإذن الله كما حدث في عهد الدولة الإسلامية الأولى بعد مرحلة الإيذاء والتعذيب.
ولا يجوز أن يداخل شبابنا أي يأس في تحقيق النصر والتمكين بسبب كثرة الأعداء وقلة المؤمنين، فقديمًا كان المؤمنون مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قلة في العدد والعدة، والأعداء كثرة في العدد والعدة، ولكن الله أيد رسوله والمؤمنين بجنوده(وَللهö خَزَائöنُ السَّمَاوَاتö وَالأَرْضö وَلَكöنَّ الْمُنَافöقöينَ لاَ يَعْلَمُونَ)،(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّöكَ إöلا هُوَ)(المزمل:33).
حقًا أيها الشباب الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، ولم لا وهذه آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم ترغبنا وتشدنا إلى الاستشهاد في سبيل الله بما ذكرت من منزلة الشهداء، وما يحبوهم الله به من خير وكرامات وفضل.
تعالوا نستعرض بعضها لنزداد شوقًا وسعيًا إلى الاستشهاد في سبيل الله: أول منازل الشهداء أنهم يصيرون أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله.
تعالى:(وَلاَ تَقُولُوا لöمَنْ يُقْتَلُ فöي سَبيلö اللّهö أَمْوَاتñ بَلْ أَحْيَاء وَلَكöن لاَّ تَشْعُرُونَ) (البقرة:154)، (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذöينَ قُتöلُوا فöي سَبöيلö اللّهö أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عöندَ رَبّöهöمْ يُرْزَقُونَ فَرöحöينَ بöمَا آتَاهُمُ اللّهُ مöن فَضْلöهö وَيَسْتَبْشöرُونَ بöالَّذöينَ لَمْ يَلْحَقُوا بöهöم مّöنْ خَلْفöهöمْ أَلاَّ خَوْفñ عَلَيْهöمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشöرُونَ بöنöعْمَةٍ مّöنَ اللّهö وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضöيعُ أَجْرَ الْمُؤْمöنöينَ)(آل عمران/171:169)، (وَالشُّهَدَاءُ عöنْدَ رَبّöهöمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).تذوق معي يا أخي عبارة(عöنْدَ رَبّöهöمْ)، (وَالَّذöينَ قُتöلُوا فöي سَبöيلö اللَّهö فَلَن يُضöلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدöيهöمْ وَيُصْلöحُ بَالَهُمْ وَيُدْخöلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد:6،5)، (فَلْيُقَاتöلْ فöي سَبöيلö اللّهö الَّذöينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بöالآخöرَةö وَمَن يُقَاتöلْ فöي سَبöيلö اللّهö فَيُقْتَلْ أَو يَغْلöبْ فَسَوْفَ نُؤْتöيهö أَجْرًا عَظöيمًا) (النساء:74)، (فَالَّذöينَ هَاجَرُوا وَأُخْرöجُوا مöن دöيَارöهöمْ وَأُوذُوا فöي سَبöيلöي وَقَاتَلُوا وَقُتöلُوا لأُكَفّöرَنَّ عَنْهُمْ سَيّöئَاتöهöمْ وَلأُدْخöلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöن تَحْتöهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مّöن عöندö اللّهö وَاللّهُ عöندَهُ حُسْنُ الثَّوَابö)(آل عمران:195)، (لَِكöنö الرَّسُولُ وَالَّذöينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بöأَمْوَالöهöمْ وَأَنفُسöهöمْ وَأُوْلَِئöكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَِئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöن تَحْتöهَا الأَنْهَارُ خَالöدöينَ فöيهَا ذَلöكَ الْفَوْزُ الْعَظöيمُ)(التوبة:89،88)، (يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تöجَارَةٍ تُنجöيكُم مّöنْ عَذَابٍ أَلöيمٍ تُؤْمöنُونَ بöاللَّهö وَرَسُولöهö وَتُجَاهöدُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö بöأَمْوَالöكُمْ وَأَنفُسöكُمْ ذَلöكُمْ خَيْرñ لَّكُمْ إöن كُنتُمْ تَعْلَمُون يَغْفöرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخöلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöن تَحْتöهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكöنَ طَيّöبَةً فöي جَنَّاتö عَدْنٍ ذَلöكَ الْفَوْزُ الْعَظöيمُ وَأُخْرَى تُحöبُّونَهَا نَصْرñ مّöنَ اللَّهö وَفَتْحñ قَرöيبñ وَبَشّöرö الْمُؤْمöنöينَ) (الصف/13:10).
ننتقل إلى روضة أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-حول الجهاد والاستشهاد: فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: "قيل يا رسول الله: ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه. فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال:"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد".
رواه الستة إلا أبو داود، وعن أنس- رضي الله عنه-أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة، وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة" متفق عليه.
وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه". رواه الترمذي وابن ماجه.
وعن أنس-رضي الله عنه-أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بنت سراقة أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت يا رسول الله: ألا تحدثني عن حارثة-وكان قتل يوم بدر-فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. فقال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" رواه البخاري.
وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة". رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
هذه بعض الآيات والأحاديث التي تشوقنا إلى الجهاد والاستشهاد وما أردنا الإحاطة والاستقصاء، فليس هذا مجاله، ولكنها ومضات من النور تبصرنا، وتوضح لنا منزلة الشهداء عند ربهم.
أخي على طريق الدعوة، يا من اخترت سبيل المؤمنين الصادقين الذين عاهدوا الله على العمل والجهاد لإعلاء كلمة الله وللتمكين لدين الله في الأرض، يا من تعرف على مكانة الجهاد في سبيل الله وعلى منزلة الشهداء فصرت تتشوق إلى نيل تلك المنزلة، وتهتف من أعماق قلبك(الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)يا أخي إنها أمنية سامية حقًا ولكن لابد لنيلها من تهيؤ وإعداد ودقة والتزام، فلا يتصور أحد أنه إذا أقدم على أي عمل في أي وقت بتقديره الخاص ثم تعرض فيه للقتل أنه بذلك نال الشهادة ولكن هناك أمور يلزم مراعاتها والالتزام بها نذكر منها:
أولاً:
تعقد الصفقة الرابحة مع الله سبحانه وتعالى:(إöنَّ اللّهَ اشْتَرَى مöنَ الْمُؤْمöنöينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بöأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللّهö فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهö حَقًّا فöي التَّوْرَاةö وَالإöنجöيلö وَالْقُرْآنö وَمَنْ أَوْفَى بöعَهْدöهö مöنَ اللّهö فَاسْتَبْشöرُوا بöبَيْعöكُمُ الَّذöي بَايَعْتُم بöهö وَذَلöكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظöيمُ)(التوبة:111).
تكون على استعداد كامل لتقديم نفسك ومالك وكل ما تملك في سبيل الله عندما يستدعي الأمر ذلك.
ثانيًا:
تتم الصفقة ويقبل البيع عليك أن تلزم نفسك صفات المؤمنينº لأن الله تعالى قال:(إöنَّ اللّهَ اشْتَرَى مöنَ الْمُؤْمöنöينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بöأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ). ولعل الآية التالية لهذه الآية وما فيها من صفات للمؤمنين تؤكد هذا المعنى حيث قال تعالى:(التَّائöبُونَ الْعَابöدُونَ الْحَامöدُونَ السَّائöحُونَ الرَّاكöعُونَ السَّاجöدونَ الآمöرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَالنَّاهُونَ عَنö الْمُنكَرö وَالْحَافöظُونَ لöحُدُودö اللّهö وَبَشّöرö الْمُؤْمöنöينَ)(التوبة:112).
أن هناك صفات أخرى للمؤمنين وردت في سورة(المؤمنون) وفي غيرها، وكذا في أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يلزم التعرف عليها ومجاهدة النفس للالتزام بها، ثم إن الإيمان القوي مطلوب على طريق الدعوةº لأنه يعين على الصبر والتحمل والثبات على الحق عند تعرض صاحبه إلى المشاق أو إلى الإيذاء والتعذيب كما لمسنا في موقف سمية وزوجها ياسر-رضي الله عنهما- وكذا بلال وغيره، والإيمان بمساعدة صاحبه على الإقدام في القتال ومجالدة الأعداء والصبر والثبات عند الزحف.
ثالثًا:
إخلاص نيتك في الجهاد والاستشهاد فتكون نيتك إعلاء كلمة الله في أرض الله، ولا يخالط هذه النية أي شائبة دنيوية. وهذا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوضح ذلك تمام الوضوح:عن أبي موسى-رضي الله عنه-أن أعرابيًا أتى النبي-صلى الله عليه وسلم-فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه-وفي رواية يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، وفي رواية يقاتل غضبًا- فمن في سبيل الله؟ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" متفق عليه.
رابعًا:
تسأل الله تعالى الشهادة بصدق، فلا يكون الأمر مجرد ترديد باللسان ولكن يصدقه القلب والعزم الصادق وترقب الفرص، وبهذا تنال منزلة الشهداء وأجرها بإذن الله حتى لو مت على فراشك كما هو في حديث رسول الله، فعن سهيل بن حنيف-رضي الله عنه-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال:"من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" رواه مسلم.
وفي مقابل ذلك تحذير لمن لا يغزو أو يفكر في الغزو فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" رواه مسلم.
خامسًا:
تكون مستجيبًا في كل وقت للجهاد بالمال دون شح أو بخل حتى لو لم تتهيأ الظروف للجهاد بالنفس لأن الصفقة الرابحة شملت النفس والمال.(إöنَّ اللّهَ اشْتَرَى مöنَ الْمُؤْمöنöينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بöأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ)، كما يقول تعالى:(انْفöرُوا خöفَافًا وَثöقَالاً وَجَاهöدُوا بöأَمْوَالöكُمْ وَأَنفُسöكُمْ فöي سَبöيلö اللّهö)(التوبة:41).
وهذه أحاديث لرسول الله-صلى الله عليه وسلم- تحث على ذلك:
فعن زيد بن خالد-رضي الله عنه-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا" متفق عليه.
وعن أبي يحيى بن فاتك-رضي الله عنه-قال قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
سادسًا:
تكون متهيئًا لإجابة نداء الجهاد في أي وقت تدعى إليه في أي بقعة من العالم الإسلامي، فإسلامنا عالمي وليس إقليميًا وبلاد المسلمين وطن واحد وعليك أن تتخفف من جواذب الأرض التي تثاقل بصاحبها إلى الأرض فيتعرض إلى عذاب الله كما في الآية الكريمة:(يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إöذَا قöيلَ لَكُمُ انفöرُوا فöي سَبöيلö اللّهö اثَّاقَلْتُمْ إöلَى الأَرْضö أَرَضöيتُم بöالْحَيَاةö الدُّنْيَا مöنَ الآخöرَةö فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةö الدُّنْيَا فöي الآخöرَةö إöلاَّ قَلöيلñ إöلاَّ تَنفöرُوا يُعَذّöبْكُمْ عَذَابًا أَلöيمًا وَيَسْتَبْدöلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ) (التوبة:38،39). وفي معنى قوله تعالى:(انْفöرُوا خöفَافًا وَثöقَالاً)أي اخرجوا للقتال يا معشر المؤمنين شيبًا وشبانًا، مشاة وركبانًا في جميع الظروف والأحوال في العسر واليسر والمنشط والمكره.
ولنحذر أن نقترب من حالة هؤلاء الذين ورد ذكرهم في الآية الكريمة:(فَرöحَ الْمُخَلَّفُونَ بöمَقْعَدöهöمْ خöلاَفَ رَسُولö اللّهö وَكَرöهُوا أَن يُجَاهöدُوا بöأَمْوَالöهöمْ وَأَنفُسöهöمْ فöي سَبöيلö اللّهö وَقَالُوا لاَ تَنفöرُوا فöي الْحَرّö قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ*فَلْيَضْحَكُوا قَلöيلاً وَلْيَبْكُوا كَثöيرًا جَزَاء بöمَا كَانُوا يَكْسöبُونَ)(التوبة:81،82).
سابعًا:
دمت جنديًا في صف فعليك أن تلتزم بما يطلب منك في مجال الجهاد وما يحدد لك فيه وقتًا ومكانًا، ولا تلجأ للتصرفات الفردية أو الاجتهادات الشخصية، وذلك وفاء لبيعتك وتوحيدًا للجهود، وحماية للعمل من سلبيات التصرفات الفردية غير المنضبطة، فكثيرًا ما يدفع الحماس بعض الشباب إلى تصرفات فردية هوجاء تضر بالعمل العام وتورط في مواقف معنتة لم يتم الاستعداد لمواجهتها.
فبسبب النظرة السطحية المحدودة يتصور بعض الشباب أن هذا الصراع المرير بين الحق والباطل يمكن أن ينتهي بقتل بعض الأشخاص وتفجير القنابل أو غير ذلك من التصرفات دون تبصر بالعواقب، في حين أن القضية عميقة في النفوسº لأنها قضية عقيدة، وممتدة على الساحة الإسلامية كلها، وقديمة زمنًا وممتدة في المستقبل إلى ما شاء الله لها.
لم يكن صعبًا أو شاقًا على أحد المسلمين فترة مكة أن يقتل أبا جهل أو أبا لهب أو أن يحطم الأصنام حول الكعبة أو بعضها وهي تعبد من دون الله من قبيل إزالة المنكر، ولكن ما كان لأحد من المسلمين أن يقدم على كل شيء من ذلك لما يترتب عليه من إضرار كبير بالدعوة وتعريض للقضاء عليها وهي ما تزال كالنبتة الضعيفة.
ثامنًا:
يا أخي أن تدرس آداب القتال في الإسلام لكي تلتزم بها كي يكون جهادك صحيحًا مقبولاً ليس فيه ما يشوبه، فالمسلمون حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون ولا يمثلون ولا يسرقون ولا ينتهبون الأموال، ولا ينتهكون الحركات ولا يتقدمون بالأذى فهم في حربهم خير محاربين كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين.
فعن بريدة-رضي الله عنه-قال:" كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرًا. ثم قال: "اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا". رواه مسلم. وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه". أخرجه الشيخان. (كما ورد النهي عن قتل النساء والشيوخ والإجهاز على الجرحى وإهاجة الرهبان والمنعزلين ومن لا يقاتل من الآمنين فأين هذه الرحمة من غارات المتمدينين الخانقة وفظائعهم الشنيعة وأين قانونهم الدولي من هذا العدل الرباني الشامل) من رسالة الجهاد للإمام البنا.
تاسعًا:
يا أخي أن تأخذ بأسباب الإعداد ما تيسر لك ذلك دون إعنات أو مشقة ودون تعريض للأضرار وعلى ضوء التوجيه والظروف، فقد كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يوجه أصحابه في هذا المجال.
فعن أبي حماد عقبة بن عامر الجهني-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وهو على المنبر يقول: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" رواه مسلم. وعنه قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول:"ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" رواه مسلم. وعنه أنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى". رواه مسلم.
وهناك معنى يلزم أن نلفت النظر إليه وهو أن نؤمن أن النصر من عند الله، وأن الإعداد وما يتعلق به من باب الأخذ بالأسباب فقط، فلا ننسب تحقق النصر إلى كفاءة التدريب أو الإعداد، ولكن نرجعه إلى تأييد الله وتثبيته لعباده المؤمنين.(وَمَا النَّصْرُ إöلاَّ مöنْ عöندö اللّهö إöنَّ اللّهَ عَزöيزñ حَكöيمñ)(الأنفال:10)،(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَِكöنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إöذْ رَمَيْتَ وَلَِكöنَّ اللّهَ رَمَى)(الأنفال:17).
عاشرًا:
يا أخي أن ترعى بيتك وأهلك بالتوعية الإسلامية وأن تهيئهم لجو الجهاد والاستشهاد، فلا يكونون مثبطين، بل يعينون ويشجعون على الجهاد، ويستقبلون نبأ استشهادك إذا أذن الله بالرضا والاحتساب والاستبشار وليس بالجزع والانتحاب، ولتضرب لهم الأمثلة من السيرة العطرة للمسلمين الأوائل واستقبال ذنوبهم لنبأ استشهادهم.
أحد عشر:
أن تحرص ألا يكون عليك دين، أو توصي بسداده إن لم يتوفر لك سداده في حياتك. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: "يغفر الله للشهيد كل شيء إلا الدين" رواه مسلم. وفيه رواية له "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين".
حديثنا عن الاستشهاد على طريق الدعوة بكلام للإمام الشهيد ختم به رسالة الجهاد حيث قال:"أيها الإخوان:إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة: واعلموا أن الموت لا بد منه وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وتدبروا جيدًا قول الله تبارك وتعالى:(ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مّöن بَعْدö الْغَمّö أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئöفَةً مّöنكُمْ وَطَآئöفَةñ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بöاللّهö غَيْرَ الْحَقّö ظَنَّ الْجَاهöلöيَّةö يَقُولُونَ هَل لَّنَا مöنَ الأَمْرö مöن شَيْءٍ قُلْ إöنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لöلَّهö يُخْفُونَ فöي أَنفُسöهöم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مöنَ الأَمْرö شَيْءñ مَّا قُتöلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فöي بُيُوتöكُمْ لَبَرَزَ الَّذöينَ كُتöبَ عَلَيْهöمُ الْقَتْلُ إöلَى مَضَاجöعöهöمْ وَلöيَبْتَلöيَ اللّهُ مَا فöي صُدُورöكُمْ)(آل عمران:154).
للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله".
قد استجاب الله دعاؤه ورزقه الشهادة، ونسأل الله أن يرزقنا إياها إنه قريب مجيب.