- هل يمكن لجماعة الإخوان أن يقيموا دولة الإسلام وأعداء الله لهم بالمرصاد ؟
- لماذا لا يلجئون لأساليب الأحزاب السياسية لعلهم يصلون أسرع ؟
هل من الممكن أن يقيم الإخوان بناء الدولة الإسلامية وأعداء الله لهم بالمرصاد ، يضربونهم ويهدمون ما ينون أولاً بأول ؟ فهل يتنازلون بعض الشىء عن أسلوب التربية ويلجئون الى أسلوب الأحزاب السياسية فقد يسرع بهم الوصول الى الحكم وإقامة الدولة الإسلامية ؟ .
ارجعوا الى الأصول ...فهناك الحل
ارجعوا الى الأصول ... فهى مفتاح الحل .
لعله من المفيد للإجابة على هذا التساؤل الرجوع الى السيرة العطرة عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته يتعرضون للمحن و الضربات والإيذاء من أعداء الله ، وكان ظاهر الأمر أن حجم الشرك و الكفر كبير ، وقوة أعداء الله عظيمة ، وأن حجم المؤمنين صغير وقوتهم بسيطة ، ولكن رغم استمرار الإيذاء و المحن قامت دولة الإسلام وتطهرت الجزيرة العربية من الشرك والأصنام وفتحت الفرس وأجلى اليهود ، وعم النور وتبدد الظلام واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول يوم بإعداد المؤمنين وتربيتهم واستمر على ذلك رغم المحن بل وحرص على ذلك حتى بعد النصر و التمكين .
الأمر ف الواقع له مقاييس وموازين أخرى غير مقاييس وموازين البشر المادية ، إنه الحق و الباطل ، إنه تأييد الله ونصره لعباده المؤمنين أمام كيد الشيطان وأعوانه من أعداء الله ، إن القضية ليست بين أعداء الله وأشخاص الدعاة الى الله ، إنها بينهم وبين الله ودعوة الله :{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، إن الدعاة الى الله العاملين فى حقل الدعوة باعوا أنفسهم لله ولم يعد لهم حظ فى دنيا الناس ولا مطمع لهم دنيوى يتنافسونه مع أعداء الله ، وتجد سنة الله التى لا تتبدل بين أهل الحق وأهل الباطل أن يحدث الصراع ، وتكون النتيجة فى النهاية لأهل الحق مهما انتفش الباطل أمامهم :{ كذلك يضرب الله الحق و الباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } { بل نقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق } ،{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز } .
ولكنه الامتحان والابتلاء من الله :{ ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض } .ويوضح لنا الله سبحانه هذه المقاييس فى مجال الحرب و القتال فيقول :{ الذين آمنوا يقاتلون ف سبيل الله و الذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً } ، ويقول :{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } . والله سبحانه وعد بالنصر عباده المؤمنين ، لذلك وجب علينا أن نكون مؤمنين حقاً ، لنكون أهلاً لتحقيق وعد الله بالنصر على أعداء الله ، وهنا تظهر أهمية الجانب التربوى و التكوين على مدى الطريق وعدم التهوين من شأنها أو الإقلال منها ، فالإيمان هو السلاح القوى الذى نواجه به قوى الأرض جميعاً ، والإيمان هو الذى يفجر فى أصحابه كل طاقات الصبر و التحمل و الثبات و الجهاد و التضحية و الفداء ، وليست السياسة وأساليبها ، إن أسلوب الأحزاب السياسية لا يصلح فى معركتنا هذه مع أعداء الله ، خاصة إذا كان ذلك على حساب التربية والإعداد وتقوية الإيمان ، ولا يعنى ذلك أننا نرفض السياسة على الإطلاق ولكننا نتعامل معها كجزء من الدين نضبطها بضوابطه ونوائم بينها وبين التربية و التكوين خاصة فى مرحلة وضع الأساس وإيجاد القاعدة الصلبة التى يقوم عليها البناء مستقراً إن شاء الله .
ليس هدماً لبناء أقيم ......
وقد يلتبس الأمر على البعض ويظنون أن ما يتعرض له الإخوان من محن أو ضربات من أداء الله هى هدم لبناء أقيم ، وهكذا يتكرر الهدم فى كل مرة ، والحقيقة غير ذلك فإن المحن التى هى سنة الله فى الدعوات ليست هدماً ولكنها صقل وتمحيص لتلك اللبنات التى سيقوم بها البناء القوى بإذن الله .
وإن ابتعاد البعض عن الصف نتيجة هذه المحن ليس هدماً ولا إضعافاً للصف ، ولكنه تطهير للصف من نقاط الضعف ، والله يعوض الصف بغيرهم ثم لايكونوا أمثالهم .
ولو كان الهدف إيجاد حكم إسلامى مستقل فى بلد من هذه البلاد البلاد الإسلامية التى مزقها أعداء الله لكان الحال غير الحال ، ولما احتاج الأمر الى جهد كثير وأساس عميق ، ولكن حينما يكون هذا البلد إسلامى جزءاً من كيان ضخم هو الدولة الإسلامية العالمية فالأمر يختلف وعمق الأساس ومتانته تختلف ، ففرق بين وضع أساس لمجموعة من المنازل المتجاورة كل منها من طابق واحد وبين وضع أساس لناطحة سحاب على نفس المساحة هذه المنازل .
إن أسلوب الأحزاب السياسية فى الاهتمام بالحكم وعدد الأصوات فى الانتخابات دون اهتمام بالكيف لايصلح معنا ولا نؤمن عواقبه ، إننا لانريد من يعطينا صوته فقط ، ولكن نريد من يقدم نفسه وماله وكل ما يملك ويتحمل ويثبت فى مواجهة الشدائد ، ولايجوز أن تدفعنا الرغبة الملحة فى رؤية البناء يظهر من فوق السطح الى التعجل فى إقامة الأساس دون إتقان له ، فالزمن يقاس بعمر الدعوات والأمم وليس بأعمار الأفراد ، وقبل أن تستبطىء النصر يلزم أن نسأل أنفسنا : هل قمنا بكل مقدماته ومتطلباته وأدينا واجبنا على الوجه الأكمل ؟ ثم هل صرنا حقاً أهلاً لهذا النصر الذى وعد الله به عباده المؤمنين :{ وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } أم أننا لا زلنا أدعياء على الإيمان ومحسوبين على المؤمنين ؟ .
نحن لا نقلل من شأن المعركة بين الحق و الباطل ، ونعلم أن الطريق وعر وملىء بالأشواك و الدماء والأشلاء ، وأن الباطل سيظل يقاتلنا حتى يلفظ آخر أنفاسه ، ولكننا نستعين بالله واهب القوى ونأخذ بأسباب القوة ما استطعنا امتثالاً لأمره تعالى :{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } ونؤمن بقوله الله تعالى :{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم } ، ونعقد الصفقة الرابحة مع الله :{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً فى التوراة والإنجيل و القرآن } ونطمئن الى تحقيق وعد الله :{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى ارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدوننى لايشركون بى شيئاً } .
هكذا نكون على مستوى المهمة العظيمة التى نتصدى لها ، وعلى مستوى الإعداد لها ، والأمل يملأ قلوبنا ، و الثقة بالله وتأييده تغمرنا ، ولا يخالجنا خوف أو ضعف عندما نرى قوة الأعداء ولا نهن ولا نستكين ولا نضعف بسبب ما يصيبنا من محن وضربات فى سبيل الله و الله المستعان .