) إنَّ الّذينَ يُنادُونَكَ مöنْ وَراءَ الحُجُراتö أكْثَرُهُمْ لا يَعْقöلُونَ . وَلَوْ أنَّهُم صَبَروا حَتّى تَخْرُجَ إليْهم لَكانَ خَيْراً لَهُم واللهَ غَفور رَحيم( .
روى ابن جرير رحمه الله عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال :
اجتمع أناس من العرب فقالوا : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به ، وإن يك ملكاً نعش بجناحه قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا . فجاءوا إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته يا محمد يا محمد . فأنزل الله تعالى : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " . قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني فمدها فجعل يقول : " لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد ، لقد صدق الله قولك يا زيد " . ابن كثير ج4 : 208 .
وقد تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ندائهم على هذه الصفة المنافية لأبسط قواعد الآداب والأخلاق ، خاصة وكان صلى الله عليه وسلم قد أخذ راحته فنام للقيلولة ، وصحا على أصواتهم وهم ينادون بأعلاها : يا محمد يا محمد أخرج إلينا .
لذا فقد حكم الله عز وجل على أكثرهم بعدم العقل إذ قال : أكثرهم لا يعقلون . وعدم العقل جاء من ناحية الجهل بقانون الأدب في النداء ، والجهل بما ينبغي أن يكون عليه الطالب من تخير الوقت ، تخير المكان ، وتخير الألفاظ في الطلب والنداء . وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يحتجب عن الناس إلا حيث تتقاضاه دواعيه الخاصة في بيته ، فليس من الحق ولا من العدل بل ولا من الدب ألا تترك له لفرصة للاستجمام والراحة إلى نفسه وأهله .
وهذا الأدب الرفيع كما هو أدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أدبنا مع الناس كافة في حياتنا الإجتماعية ، فليس من الأدب ولا من العدل والإنصاف أن تزعج الناس في بيوتهم وقد أووا إليها في أوقات راحتهم وانسهم بلقاء أهلهم وأطفالهم .
وللزيارة أدب ووقت ، وللسؤال كذلك أدب وزمان وباب يفتح في غبان فأت البيوت من أبوابها إذا كنت حريصاً على قضاء حاجتك .
أما هؤلاء الذين جاءوا من وراء الحجرات ، وخاطبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ونادوه من الطرقات فقد استهجن الله عز وجل طريقهم ومقتها ووصف أكثرهم بعدم العقل والإدراك . وهذا يكفي لترك مثل هذه الأخلاق الجافة الفظة الغليظة . والتأدب بأدب الله سبحانه وهو أسمى الآداب .
والحجرات جمع حجرة ، كغرفة وجمعها غرفات . والحجرة هنا هي الغرفة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم .
وأود هنا أن أذكر ما كانت عليه حجرات النبي الأمين صلى الله عليه وسلم الذي هدى أمة ، وكوّن دولة ، وأسس حضارة عظيمة ، وبنى ملكاً ومجداً خالدين على مدى الدهر . وجاء من ربه بأعظم رسالة سماوية .
فقد أخرج البخاري رحمه الله في الأدب عن داؤد بن قيس قال : رأيت الحجرات من جريد النخل مغشاة من خارجها بمسوح الشعر .
وعن الحسن رضي الله عنه قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي ، وقد أدخلت في المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك وبكى الناس لذلك .
وقال سعيد بن المسيب رضي الله عنه إذ ذاك : " والله لوددت أنهم تركوها على حالها ليراها النشء من أهل المدينة ويَقُدُم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فيكون ذلك داعياً إلى ترك التفاخر والتكاثر " .
ولو أن هؤلاء الأعراب صبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيراً لهم وأجدر بأمثالهم . ومع هذا فالله غفور : يغفر مثل هذه الزلات التي لم تصدر عن سوء قصد ولم يكن سببها إلا تلك الطبيعة الجافة التي لم تهذب من قبل بعلم ولا دين ولا تجربة . ورحيم : يرحم مثل هؤلاء . ومن رحمته أنه ينزل من القرآن آيات خالدة يؤدب بها عباده بالآداب السامية الرفيعة التي ترضاها النفوس الكريمة وتتقبلها الطباع الشريفة . ومن رحمته أنه تبارك وتعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، والأنفس ملك يمينه عز وجل وكذا الأموال ومع ذلك فهو المتفضل المتكرم على عباده في كل شيء .
وهكذا نجد القرآن العظيم يدخل في جميع شؤون العباد ، فيعلم عظائم الأمور ، كما يوجه إلى صغائرها ، حتى علمهم طريق النداء وطريق الاستئذان ، بل وطريق دخول البيوت وطريق السؤال في الحاجات والملمات .
وقد حكي عن ابن عبيد قال : ما دققت باباً على عالم حتى يخرج في وقت خروجه .
وكان ابن عباس رضي الله عنهما : يذهب إلى أبي في بيته لأخذ القرآن عنه ، فيقف عند الباب ولا يدق حتى يخرج أُبيّ رضي الله عنه .
هكذا فعل القرآن في نفوسهم ، صقلها ، وهذبها ، وأدبها بأدبه الرفيع ، ورباها على أخلاقه السماوية الطاهرة ، ولن تسمو النفوس حتى تسترشد بالقرآن وتهتدي بهديه المنير .