) يا أيُِّها الّذöينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فاسöقñ بöنَبَأ فَتَبَيَّنُوا . أنْ تُصöيبُوا قَوْماً بöجَهَالةٍ فَتُصْبöحُوا عَلى مَا فَعَلْتُم نَادöمين (
توطئِِِِة
هذه آية كريمة ، تقرر أصلاً عظيماً ، له خطره وأثره في الحياة ، فالتثبت في الأخبار والصدق في نقلها ، من قواعد هذا الدين الذي شاد صرح الخلاق على أمتن القواعد وأقواها ، وثَبّت هذه الأسس وأرساها . رب عظيم في كتاب عظيم ، نزل على نبي عظيم صلوات الله وسلامه عليه .
والصدق دعامة الفضائل ، وعنوان الأخلاق والرقي ، ودليل الكمال ، ومظهر من مظاهر الرجولة والإنسانية والسمر النفسي ، وهو الذي يضمن رد الحقوق ، ويوطد الثقة بين الأفراد والجماعات ، لا يستغني عنه عالم ، ولا حاكم ، ولا قاض ، ولا تاجر ، ولا رجل ، ولا إمرأة . ولا صغير ، ولا كبير ، ما داموا جميعاً يعيشون في مجتمع ، ويتعاملون فيه مع الآخرين .
والصدق من صفات الله عز وجل وهو من صفات الأنبياء والمرسلين .
قال تعالى : ومن أصدق من الله حديثاً .
وقال تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً .
وإذا كان للصدق هذه المنزلة الرفيعة ، وهو من أخلاق الرحيم الرحمن جل وعلا . فإن الكذب ضد هذا تماماً . وهو من صفات الشيطان ، ومن قادهم الشيطان من بني الإنسان ، إلى حزبه وجعلهم من أصحاب الوجوه المُسْوَدَّة . قال تعالى :
" إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون " .
وقال : " ويم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " .
وكم قد فرق الكذب بين المتحابين ! وكم سفك من دماء ، وكم شن من غارات ، وأثار إضاً ونعرات، وكم قد فرق بين الأخ وأخيه ، والولد وأبيه ، والوالد وبنيه ، وكم ورطت العجلة أناساً فأسقطتهم في مهاوي الظلم ، وجعلتهم يندمون ويتأسفون على فرطوا وتعجلوا ولات ساعة مندم . وكم من دم أهريق نتيجة الخبار الكاذبة والتعجل في تصديقها ، وكم من بريئة قد قتلت ، ولا تعلم بأي ذنب قتلت !
فالله تبارك وتعالى يأمرنا بالتثبت في خبر الفاسق . والاحتياط الدقيق في تلقي الأخبار ، لئلا نحكم بقول الفاسق الكاذب ، فنكون كاذبين ومخطئين ، ومتجنين ، على من حكمنا عليه ، قبل التثبت والتأني في خبر ما سمعناه منه ، ونقلناه عنه .
ولما للصدق من أثر في بناء المجتمعات على قواعد سليمة محكمة متينة ، فقد أمر الله بالصدق ونهى عن الكذب فقال تعالى :
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " .
وفي الحديث الشريف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالصدق . فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة " ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق ، حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً " . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اضمنوا لي شيئاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة ، أصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا أؤتمنتم ، وأحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم " . رواه الإمام أحمد وابن حبان .
ورسالة الإسلام كلها الصدق ، ورسول الإسلام عليه الصلاة والسلام جاء بالصدق ، وصدق برسالته المؤمنون . وصَدَقُوا فيما عاهدوا الله عليه فأثنى الله عليهم ، إذ وَفَّوا بما عاهدوا عليه الله . من الصبر في الحرب . والشجاعة في لقاء العدو ، والثبات . ولم يهنوا ولم يستكينوا . وما بدلوا تبديلاً . قال تعالى : " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " .
وقال تعالى : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " .
" أسباب نزول الآية "
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حدثنا محمد بن سابق حدثنا عيسى بن دينار . حدثني أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه يقول :
قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام . فدخلت فيه وأقررت به . ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت : يا رسول الله ارجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي دفعت زكاته وترسل إليّ يا رسول الله رسولاً إبّان كذا وكذا . ليأتيك بما جمعت من الزكاة ، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له ، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه . احتبس عليه الرسول ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله . فدعا سَرَوات قومه فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقّت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله الخلف ، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة . فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحال وهم يتحادثون مجتمعين ويتذاكرون في سبب تأخير المبعوث من قبل رسول الله إلى الحارث وجماعته .
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة ابن أبي معيط إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ، فلما أن سار الوليد بن عقبة ، حتى بلغ بعض الطريق فَرَقَ – أي خاف – فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
" يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي ، فغضب رسول الله وبعث البعث إلى الحارث رضي الله عنه . وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا هذا الحارث ، فلما غشيهم قال لهم إلى من بعثتم ؟ قالوا : إليك . قال : ولم ؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهث الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله . فقال رضي الله عنه : لا ، والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني . فلما دخل الحارث على رسول الله قال : " منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟ " قال : لا . والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله . فنزلت هذه الآية الكريمة من سورة الحجرات : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ، أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " .
وقال مجاهد رضي الله عنه وقتادة في رواية أخرى :
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يتصدقهم فتلقوه بالصدقة فرجع فقال : إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك . زاد قتادة . وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم وأمره أن يتثبت ولا يعجل . فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فلما جاءوا . أخبروا خالداً رضي الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام . وسمعوا أذانهم وصلاتهم . فلما أصبحوا أتاهم خالد بن الوليد فرأى الذي يعجبه ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية :
" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " الآية .
قال الإمام الحسن رضي الله عنه في هذه الآية :
" فوالله لئن كانت الآية نزلت في هؤلاء القوم خاصة، إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء ".
والقاعدة الأصولية المعروفة . أن العبرة في كتاب الله بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
والفساق والكذابون في كل زمان وأوان يملأون أطباق الثرى . فعلى المرء أن يتثبت ، ويتأنى . ولا يتعجل بالحكم على أحد ، وقد أمره الله بهذه الآية بالتثبت والتبين ، فإذا أطاع وتثبت فقد عبد الله وأمن على نفسه من الوقوع في عاقبة الحكم على الناس بالباطل والإفك والبهتان . على أن خطر الأخبار لا يجيء من ناحية الفسق وتعمد الكذب وحده ، بل قد يجيء من نواح أخرى ، فقد يكون الرجل عدلاً أميناً صادقاً . لكنه لا يعرف كيف يسمع الخبار ، ولا كيف ينقلها . فلا يحسن السمع ، ولا يحسن الداء . فيقع تحت طائلة الكذب .
وقد يكون الرجل عدلاً . ولكنه ذو غفلة . فتدس إليه الأخبار من الكاذبين وينقلها إلى الغير عن صفاء نية ، وعلى ظن الصدق فيقع كذلك في أسر الكاذبين .
والتثبت في الأخبار فضيلة ، تدل على الرجولة ، وضبط النفس . ولكنها – مع مر السف – ليست كثيرة عند الناس ، وأكثر الناس يقعون في تصديق الأخبار من حيث لا يشعرون . ولبعض مهرة الكذابين حيل وأساليب قد تخفى على أشد الناس تثبتاً . وعقلاً ، وحكمة ، وإدراكاً . خصوصاً في زماننا هذا . وقد أصبحت أسلحة الدعاية والكذب فيه من أفتك ما نُحارب به ، بل أصبح للكذب معامل ومصانع ومطابخ تهيئ الكذب وتجدمله وتزينه وتصقله ، ثم تدس سمه في الدسم وتقدمه طعماً للغافلين الأبرياء من الناس ، فتوقعهم في شباك الكذب من حيث لا يشعرون ، وإذا كان رجال المس يتثبتون للخبر مرة واحدة ، فيجب علينا نحن اليوم أن نتثبت ألف مرة ومرة ، وقد كثرت بيننا الوشايات وساءت بيننا العلاقات ، وتقرقنا أيدي سبأ ، بفعل الخائنين والكذابين والدساسين ، وبعل المؤامرات والمخططات الجهنمية التي حاكها ضدنا الاستعمار والصهيونية والشيوعية ومن لفّ لفهم من أذنابهم وخدامهم العملاء الخونة . حتى ساد بعضهم المجتمعات الإسلامية ، وحكموا شعوبها بالقسر والقهر وهم العبيد الأذلاء . قال المتنبي:
سادات كل أناس من نفوسهمِوا
وسادة المسلمين الأعبُِدث القُِزُمُ
والناس جميعاً في أشد الحاجة إلى العمل بهذه الآية الكريمة لتستقيم أخلاقهم وترتاح ضمائرهم . والذين هم أشد حاجة من جميع الناس للعمل بهذا الطراز من الخلق الرفيع ، هم الذين بيدهم مقاليد الأمور ، وكثيراً ما يقع عدم التثبت من الكبراء والرؤساء . ويديئهم ذلك من ناحية استبعاد أن تكذب عليهم بطانتهم . وهو مدخل للخطر عظيم ، فقد تكون هذه البطانة من أكذب الناس وأشدهم حقداً وحسداً للآخرين ، فتوقع رئيسها في طائلة الظلم والكذب والتسرع في الأمور ، وتوقع المظلومين فريسة لها .
وفي هذه الآية – إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا – الأدب العظيم الذي لا بد منه لتكميل النفس ، وإعدادها لتعرف الحق وتعمل به ، ولتعرف مواطن الباطل والزلل فتجتنب عنها .
والله تبارك وتعالى يرشد عباده إلى هذا الأدب الكامل ويحذرهم أن يعملوا بالأخبار قبل الكشف عنها، وقبل التثبت منها ، لئلا يصيبوا أقواماً بسبب الجهالة ، وبسبب الأخبار الكاذبة التي لا تفيد علماً عند العقلاء فيصبحوا بعد ذلك آسفين ، نادمين ، يلازمهم الحزن على ما فرط منهم . فيجب الكشف عن الخبر بكل الوسائل المستطاعة ، ويجدر بالمؤمن أن يحذق طرق الكشف عن الأخبار ، ويروض نفسه عليها ويتأنى . ففي التأني السلامة ، وفي العجلة الأسف والندامة .
روي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال : إذا جاءني الخصم وفي يده عينه مفرغة – مخلوعة – لا أحكم له وأقول إنه مظلوم ، حتى أسمع لخصمه وأتثبت منه . فلعل هذا . قد أفرغ وخلع عيني ذاك ؟
والفاسق
في قوله تعالى : إن جاءكم فاسق .
هو الخارج من طاعة الله تعالى إلى معصيته . وقد سمي الحامل للخبر الكاذب فاسقاً لأنه خرج من الصدق الذي فيه طاعة الله عز وجل ، إلى الكذب الذي فيه معصية الله عز وجل ومجانبة أمره .
ويقع الفسق بالقليل من الذنوب وبالكثير ، ولكنه تعورف فيما كان كثيراً ، وهو أعم من الكفر . وأكثر ما يقال لمن التزم حكم الشرع وأقربه ، ثم أخلّ بأحكامه كلها أو بعضها . وقوله تعالى : " أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون " يدل على أن الفسق أعم من الكفر لأنه قابل به الإيمان .
والنبأ
هو الخبر العظيم ، الذي يترتب عليه أمر خطير وكبير .
أما الأخبِار الصغيِرة أو التافهِة التي لا يترتب عليها شيء فهي في غير حاجة إلى التبين والتثبت .
وقد وصف الله سبحانه حادث الرسالة المحمدية بالنبأ العظيم حيث قال تعالى : " عمّ يتساءلون ؟ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون " .
ومع هذا . فمن الحكمة والحيطة ، أن يتثبت المرء في كل شيء ، ويتبين كل خبر ، وأن يكون دائماً على حذر . فإن الله تبارك وتعالى . كما حذرنا من الكذب ، ونهانا عنه . فإنه عز وجل في هذه الآية ، حذرنا من تصديق الكذب والكذابين ، وأمرنا بالتثبت في أنبائهم وأخبارهم ، بقطع النظر عن شكلها وموضوعها . وأطلق عليهم لفظ الفاسقين : إن جاءكم فاسق بنبأ .
نسأل الله السلامة من كل إثم والحمد لله رب العالمين .