ثم إن نظرة متفحصة للعمل الإسلامي في عصر النبوة تؤكد لنا تكامله وكليته على نطاق الفرد والجماعة ، وفي إطار تنظيم واحد وقيادة واحدة .
فرسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ كان يرعى ويتابع العمل الإسلامي من شتى جوانبه .. ففي نطاق التربية كان مربيًا ، وفي نطاق التعليم كان معلمًا ، وفي نطاق الجهاد كان قائدًا ، وفي نطاق التخطيط والتنظيم كان رائدًا ، وهكذا في كل جانب من جوانب الحياة .
فمن منهجه التربوي قوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ، حذرًا مما به بأس ) رواه الترمذي .
وقوله : ( إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا ) متفق عليه .
وقوله : ( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا ، وخياركم خياركم لنسائهم ) رواه الترمذي .
وقوله : ( إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على ما سواه ) رواه مسلم .
ومن منهجه العسكري قوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : ( علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل ) .
وقوله : ( ألا إن القوة الرمي ) .
وقوله : ( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) .
وقوله : ( من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة ) الترمذي .
ومن منهجه الاجتماعي قوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) متفق عليه .
وقوله : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) متفق عليه .
وقوله : ( من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) .
وقوله : ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، وكالقائم الذي لا يفتر ، وكالصائم الذي لا يفطر ) متفق عليه .
وقوله : ( خير الأصحاب عند الله ِ تعالى ِ خيرهم لصاحبه ، ومن الجيران عند الله ِ تعالى ِ خيرهم لجاره ) رواه الترمذي .
ومن منهجه الاقتصادي قوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : ( الناس شركاء في ثلاث : في الماء والكلأ والنار ) رواه أحمد وأبو داود .
وقوله : ( من كان له أرض فليزرعها ، أو ليمنحها أخاه ولا يكريها ) .
وقوله : ( من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ له منزل ، أو ليست له زوجة فليتزوج ، أو ليس له دابة فليتخذ دابة ) رواه أحمد .
وقد ذهب الإمام ابن حزم ( أنه إذا مات رجل جوعًا في بلد اعتبر أهله قتلة ، وأخذت منهم دية القتيل ) الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية ، للشيخ محمد الغزالي .
وهكذا نجد أن عمل الرسول ِ صلى الله عليه وسلم ِ لم يقتصر على جانب من جوانب الحياة ، ولم ينحصر في شأن من شئونها ، وإنما امتد هنا وهناك وهنالك حتى شمل كل جانب وتعرض لكل شأن .
والعمل الإسلامي في أي زمان ومكان ملزم بأن يقفو أثر الرسول ِ صلى الله عليه وسلم ِ وليس له خيار في أن يتبع هذا الطريق أو ذاك .
إن العمل الإسلامي اليوم يجب أن يكون عملاً متكاملاً ، مربوطًا في كل جزئياته بالهدف المنشود ، وهو إقامة شرع الله في الأرض ، سواء كان هذا العمل ، رياضيًّا ، أو كشفيًّا ، أو خيريًّا ، أو توجيهيًّا ، أو تربويًّا ، أو فكريًّا ، أو سياسيًّا ، أو اقتصاديًّا ، أو عسكريًّا ، وكل عمل في أي مجال من هذه المجالات لا يرتبط بالهدف ، ولا يتصل بالغاية ، يفقد قيمته الإسلامية ، بل يفقد مبرر وجوده .
إن الاهتمامات ( التربوية ) جانب مهم في العمل الإسلامي شريطة ارتباطها بالهدف ، وتلازمها مع الاهتمامات الأخرى .
وإن الاهتمامات ( الفكرية والعلمية والثقافية ) جانب مهم كذلك في العمل الإسلامي شريطة توافقها وتكاملها مع سائر الاهتمامات .
كذلك فإن الاهتمامات الأحرى ( السياسية والعسكرية والحركية والتنظيمية والاجتماعية والخيرية وغيرها ) هي جوانب مهمة شريطة أن تأخذ موضعها وحجمها في العمل الإسلامي المتكامل .
إن قيمة العمل وقوته وعمقه وأصالته إنما هي نتائج ( تكامله وشموله النوعيين ) ولهذا كان التكامل في العمل الإسلامي فريضة شرعية وضرورة حركية .