يردد بعض المستشرقين أن شريعة الإسلام تستضعف غير المسلمين من أهل البلاد ولا تقر لهم بحقوق المواطن ويستدل هؤلاء بقول الله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } التوبة 29 ) وبعض الشباب ممن ظن أنه يصبح مجتهداً إذا حفظ حديثاً نبوياً في هذا الموضوع يجتهد بما يؤيد خصوم الإسلام ويزعم أن هذا هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال .
ولكن هذه الآية نزلت بعد أن تطهرت جزيرة العرب من الشرك ودخل العرب في دين الله أفواجا فخيرت أهل الكتاب بين الدخول في دين الله أو القتال أو الدخول فيعقد صلح مع المسلمين ودفع الجزية قال الإمام الشافعي في كتابه (الأم ) :
( الصغار هو أن ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أخذ ديناراً عن كل شخص أو قيمته من الثياب وذلك في كل عام والجزية تعطى عن يد أي عن قدرة فلا يلزم بها غير القادرين كالنساء والأطفال وناقص الأهلية كالمعتوه ومن في حكمه .
قال الإمام الشافعي : من أصاب عته تسقط عنه الجزية طالما كان معتوهاً فإذا زال عنه العته تؤخذ منه الجزية من يوم إقامته لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران ((من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته أو انتقصه أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة )) .
خلاف الخليفة مع أهل الكتاب
قال الشافعي : (إذا اختلف إمام المسلمين مع الكتابي هل هو غنى مشهور الغنى أو فقير أو وسط فالقول قول الكتابي إلى أن يثبت خلافاً ما قاله ببينة تقام عليه من إمام المسلمين ) .
وقال أيضاً ( إذا كان من أهل الكتاب من هو غائب عند التصالح على الجزية فلا يلزمه ما تراضى عليه قومه حتى يقر ذلك وأيضاً لا يلتزم أطفالهم بالجزية حتى يبلغوا السن فإذا بلغوها لا تجب عليهم إلا برضاهم بما أقر به آباؤهم وإذا أرادوا أن يلتزموا بالصدقة التي يلتزم بها المسلمون لأنهم لا يرضون بمعنى الجزية جاز ذلك لأن الجزية ليست عقد بيع فيفسد بما تفسد به البيوع بل هي شرط يتراضى عليه الطرفان ولهذا عندما أنف العرب من غير المسلمين وطلبوا أن يمضوها على معنى الصدقة صالحهم عمر بن الخطاب على ذلك ).
والجدير بالذكر أن الجزية نظام قائم قبل نزول القرآن مؤداه أن تدفع البلاد المغلوبة ضريبة إلى الدول الغالبة ولكن الإسلام أصلح من هذا النظام وجعل الجزية مقتبل إعفاء غير المسلمين من التجنيد في جيش المسلمين وكذا نظير حمايتهم والدفاع عنهم .
ولهذا عند قتال هؤلاء مع المسلمين تسقط عنهم الجزية وهذا ما فعله أبو عبيدة عامر بن الجراح مع أهل فلسطين حيث دفع عنهم الجزية لقتالهم مع المسلمين .
وأيضاً جعل الإسلام لأهل الجزية وذويهم حقاً في الحصول على الإعانة الاجتماعية من بيت مال المسلمين وذلك على الرغم من أن مقدار الجزية ضئيل فهو دينار ويؤخذ من القادر فقط وعلى الرغم من أن الجزية في الإسلام لا يؤخذ من النساء أو الشيوخ أو الأطفال ولكنهم يستفيدون بالضمان الاجتماعي الإسلامي لدخولهم فيعهد الأمان تبعاً لذويهم من أهل الجزيرة .
مدى التزام أهل الكتاب بالشريعة
ويقول الإمام الشافعي رضى الله عنه ( إذا طلبوا أن يكتب إمام المسلمين لهم كتاباً علي الجزية بشرط معنى الصدقة جاز ذلك إذا كان لهم مال يجب فيه الصدقة بحكم الإسلام فإذا كان لهم زرع فلا تجب فيه الصدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ولاحق في أقل من ذلك ).
وقال أيضاً (الصغار هو أن يجزى عليهم حكم الإسلام لأنه لا يجوز أن تكون دار الإسلام موطنا ودار إقامة لمن يمتنع عن حكم الإسلام ولكن إلى أي مدى نلزمهم بحكم الإسلام؟
قال الإمام الشافعي رضى الله عنه :
(لقد أذن الله بأخذ الجزية منهم مع علمه بشركهم به واستحلالهم محارمه فلا تكشف عن شئ مما استحلوه بينهم فإن جاءت امرأة منهم تريد فساد نكاحها لأنها تزوجت بغير شهود مسلمين أو بغير ولي أو بشيء مما يرد به نكاح المسلم فلا يجوز أن يبطل زواجها إذا كان اسمه عندهم نكاحاً لأن النكاح ماض قبل الإسلام فقد انفذ رسول الله صلي الله عليه وسلم نكاحهم وكانت لهم ذمة وأهل هدنة ويعلم أنهم ينكحون نكاحهم ولم يأمرهم أن ينكحوا غيره ولا أفسد لهم نكاحاً ولا منع أحداً منهم امرأته بعد أن أسلم مع أنه قد عقد عليها بالعقد المتقدم في الشرك بل أقرهم علي ذلك النكاح .
أما إذا جاءت نصرانية قد تزوجها مسلم بلا شهود أفسدنا هذا النكاح لأنه ليس للمسلم أن يتزوج أبداً بغير تزويج الإسلام ) .
حقوق المواطن وأهل الكتاب
قال الشافعي (نحمى أهل الذمة بما نحمى به أنفسنا وأموالنا وإن بغى عدو لهم علينا أن نستنقذهم من عدوهم وأن نستنقذ أموالهم حتى ولو لم يكن فيعقد صلحهم أن يمنعهم مما يمنع منه المسلم وذلك لأن منعهم منه لديار الإسلام فإن أخذ منهم الجزية ولم يمنعهم من عدو لهم أو عدو له حتى نالهم العدو رد عليهم الجزية عن هذه الفترة وعليه الإثم إن كان قد تركهم دون أن يغلبه العدو لأن الصغار أن يجرى عليهم حكم الإسلام والحكم هنا أن يمنع من اعتدى عليهم أو أذاهم ).
والإمام الشافعي في تفسيره معنى الصغار الوارد في قول الله تعالى { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } يأمر المسلمين بمنع أي اعتداء أو إيذاء لأهل الكتاب .
إنه في ذلك يطبق قول النبي صلي الله عليه وسلم (( من آذى ذميا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة )) (الجامع الصغير للسيوطى ).
إن عقد الجزية هو عقد أمان وجوار لله فقد كتب النبي لأهل نجران ((ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله علي أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحب أيديهم )) .
الصلح علي الاختلاف في بلاد المسلمين
ولقد رتب العلماء علي هذا أحكاماً منها أنه إذا اختلف أهل الذمة في بلاد المسلمين فأنكرت منهم طائفة أن تكون صالحت على شئ سوى الجزية لا يلزمها للإمام ما أنكرته ويعرض عليها إحدى خصلتين ذكرهما الإمام الشافعي في كتابه (الأم ) : ألا تأتى بلاد الحجاز بحال أو تأتى الحجاز ويؤخذ منها ما صالح عليه عمر بن الخطاب بن الخطاب ولا يجوز للولاة أن يجبروا بلاد الحجاز إلا بهذا الرضا والأفراد .
قال الشافعي : ( ولا يبين لي أن يمنعهم الوالي بلدا غير الحجاز ولا يأخذ منهم أموالهم وإن اتجروا في بلد غير الحجاز شيئاً ولكن لا يحل لهم أن يأذن لهم في مكة بحال ).
كما قال : ( ولا أحسب عمر بن الخطاب ولا عمر بن عبد العزيز أخذ ذلك منهم إلا عن رضا منهم بما أخذ منهم فأخذه منهم كما تؤخذ الجزية فأما أن يكون قد ألزموهم بغير رضا منهم فلا أحسب كذلك ).
وقال الشافعي :( وإذا امتلك أحدهم داراً فله حقوق المسلم في بنائه من الارتفاع وغيره وإن كانوا في بلد يملكونها لا يمنعهم من إحداث الكنائس ولا ترفع البناء ولا نعرض لهم في خنازيرهم وخمرهم وأعيادهم وجماعتهم ).
فالصغار أن يجرى عليهم حكم الإسلام إلا أن ينالهم أي أذى وإن عرض لهم أحد بأذى منعته فإن عاد حبسته أو عاقبته ولهذا قال الإمام علي بن أبى طالب (إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودمائهم كدمائنا) .
قد تضمن عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى نصارى بيت المقدس أنه أعطاهم أمانا لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم فلا يسكن مسلم كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صلبانهم ولا يكرهون علي دينهم ولا يضاد أحد منهم .
وقد أصدر أمراً إلى خازن بيت مال المسلمين هو بمثابة القانون ونصه (أيما شيخ ضعيف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله)
هذا ما كتبه أيضاً خالد بن الوليد إلى أهل الحيرة .
والفقيه ابن حزم الأندلسى يقول (من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالسلاح ونقاتل دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى ورسوله فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة ).
الأراضي المفتوحة
لقد واجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مشكلة من نوع آخر تتعلق بالأراضي في البلاد المفتوحة وهي مساحات شاسعة يتعلق بها حياة الملايين من أهلي هذه البلاد ترتبط بها معايشهم ومعايش من جاء بعدهم وكان الحكم السائد أن يحصل المجاهدون علي حصة كبيرة من غنائم الحرب باعتبار أنهم قد تطوعوا للحرب فقدموا سلاحهم وأنفسهم وأموالهم وباعتبار أن الغنائم عند العرب كانت أدوات القتال من السيف والرمح والخيل والإبل فهل توزع الأراضي علي المحاربين باعتبار أنها غنائم أم تغلب مصلحة أهل هذه البلاد علي الرغم من أنهم لم يؤمنوا بالله ورسوله .
بعد فتح العراق وفارس والسام ومصر في عهد عمر بن الخطاب نشأت المشكلة وهي حق المحاربين في الغنائم وكانت أراضى شاسعة فطلب المحاربون حصتهم وهي أربعة أخماس هذه الغنائم فكتب سعد بن أبى وقاص بعد فتح العراق وأبو عبيدة عامر بن الجراح بعد فتح الشام يسألان أمير المؤمنين عن تقسيم المدن والأراضي كطلب المحاربين فجمع عمر الفقهاء وأهل الرأي وقادة الجيوش للتشاور في هذا الأمر فهل تقسم طبقاً للحكم الوارد في القرآن الكريم في قول الله تعالى :{ واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل } .
أي أن للمحاربين أربعة أخماس الغنائم فقال عمر :( لو فعلنا ذلك فلا يبقى لمن بعدكم شئ حيث لا يجدون أرضاً ولا بيوتاً إذ ستورث إلى الأبناء والأحفاد فلا يجد المسلمون بعد ذلك ما يسدون به الثغور ولا يجد الأرامل والفقراء من أهل الشام والعراق وغيرهم ما ينفقون منه وقد انضم إلى أمير المؤمنين في هذا الرأي كل من علي بن أبى طالب وعثمان ابن عفان وطلحة بن الزبير ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وعارض بعضهم واستمسكوا بظاهر الآية القرآنية وانتهي الطرفان إلى تحكيم عشرة من الأنصار منهم خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج فوقف أمير المؤمنين أمام هيئة التحكيم وقال ( إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق ) وعرض هذه القضية واستدل علي رأيه بما ورد في سورة الحشر بعد آيات تقسيم الغنائم حيث قال الله تعالى { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } .
وقال أمير المؤمنين (هذه الآية عامة لمن جاء بعد هؤلاء المحاربين فإذا وزعت الغنائم بين الحاضرين فكيف ندع من يجئ بعدهم .
وانتهي القرار بالنزول علي رأي أمير المؤمنين رضى الله عنه .