إذن فماذا على الدعاة؟:
فإذا كان هذا – كما سبق ذكره – هو حال المجتمعات الإنسانية التي تأثرت بالحضارة المادية، واكتوت بنارها..
وإذا كان هذا هو حال الفكر الإباحي الذي انتشر في ديار الغرب الأوروبي والأمريكي..
وإذا كان هذا هو حال الفكر اللاديني واللاأخلاقي الذي انبعث من ديار الشرق الشيوعي.
وإذا كان هذا هو موقف الشيوعيين من الأديان والإسلام في العالم..
وإذا كان هذا هو طغيان الحكم الشيوعي في عامة العباد، وكافة البلاد..
وإذا كانت هذه هي صيحات الفلاسفة والمصلحين في الآفاق وأرجاء الدنيا..
وإذا كان الإسلام – كما قرر المنصفون – هو صمام الأمان في إنقاذ البشرية من كفرها وإباحيتها.. فالأمر يتطلب من كل داعية يدعو إلى الله على هدىً وبصيرة.. أن يهُبَّ من رقدته، وأن يضاعف من نشاطه، وأن ينهض بمسؤوليته..
ليرد هذا العالم الضائع، والبشرية المنكوبة، والأمم التائهة، والشعوب السادرة في الغي والضلال.. إلى نور الحق، وحقيقة التوحيد، وآفاق المعرفة، وهدى الإسلام..
وهذا لا يتأتى إلا أن يبدأ الداعية بنفسه، فينهاها عن غيها، ويأمرها بالتقوى، ويهذبها بأخلاق الإسلام.. حتى إذا استقامت على الحق، ودرجت على الهدى أمر الداعية من حوله من أهل وعشيرة.. بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وغرس في نفوسهم أصول الإيمان، ومكارم الأخلاق، وعرفهم بحقيقة هذا الدين، وخصائص هذا الإسلام.. حتى إذا قبلوا هدى الله، واستجابوا لدعوة الحق، وآمنوا بحركية التبليغ، وانطلاقة العمل للدين الخالد.. انطلق الداعية مع من هم على شاكلته حركةً ونشاطاً وتبليغاً.. ليقولوا للدنيا: (ابتعثنا الله لنحرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام..).
وقد قال هذا من قبل ربعي بن عامر حين وقف أمام رستم ليعلن له بعزة وإيمان وشموخ.. كرامة المسلم، وعزة الداعية، ومهمة الذين يبلغون رسالات الله، ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله.
ولقد أصبحت هذه الكلمات الخالدات شعاراً يرفعه المجاهدون والدعاة في وجه الطغاة والمعاندين في كل زمان ومكان.. بل أصبح منهجاً خالداً يبين لكل مسلم خلال العصور مهمته الكبرى في حمل رسالة الإسلام إلى الدنيا، وتبليغ مبادئ هذا الدين للإنسانية جمعاء.
من ينقذ المجتمعات الإنسانية من شقاء الحضارة المادية، وجحيم الجاهلية الحديثة غير المسلمين؟
من يحرر الغرب من الفكر الإباحي الآسن، ومن أتون الفوضى الجنسية الآثمة غير المسلمين؟
من يخلص الشرق الشيوعي من براثن الفكر اللاديني، ومن مفاسد المبادئ اللاأخلاقية غير المسلمين؟
من يقف من مبادئ الشيوعية التي تتحدى العالم والأديان والإسلام.. بكفرها وضلالها غير المسلمين؟
من يستطيع أن يقف في وجه الصليبية الحاقدة، واليهودية الماكرة، والاستعمار البغيض غير المسلمين؟
من يقدر أن يواصل طريق الجهاد حتى النصر أو الشهادة.. غير المسلمين؟
تعالوا معي نستقرئ التاريخ، ونسأل ديار الشام، وسواد العراق، ورياض الأندلس، ووادي مصر، وفيافي الجزيرة، وربوع العجم، وبلاد الهند، وأرجاء الصين، وعالم الدنيا.. عن أخبار أولئك الجدود البواسل الأمجاد الذين حملوا في نفوسهم أنبل معاني الكرامة والفداء، وتربوا في مدارس الإيمان والإسلام، وتخرجوا من مساجد المدينة، ومكة، والأقصى، وقرطبة، والأزهر، والأموي.. فإن عندهم جميعاً خبراً أكيداً عن مفاخرهم وأمجادهم، وعلومهم وحضارتهم، وقيمهم ومبادئهم، وتحركهم وانطلاقتهم، وبطولاتهم وتضحياتهم.. فهم الذين هذبوا النفوس، وهدوا القلوب، ونشروا العلم، وفرضوا المعرفة، وكرموا الإنسان، وطمسوا معالم الوثنية، وأضاؤوا في العالمين نور الحق والهداية والعرفان، وأنبتوا الأرض خيراً وعسلاً ولبناً، وطبعوا في ضمير الزمان مبادئ التوحيد والعدل والإخاء.
هل عرفت الدنيا أنبل منهم أو أكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجل أو أعظم، أو أرقى أو أعلم؟!!
- أعلنوا الحرية يوم كانت الأمم ترسف في قيود العبودية، ونشروا التوحيد يوم كانت العقول مصفدة بأغلال الجاهلية، وأقاموا العدل يوم كانت فارس والروم تسخران الشعوب لمطامعها الحربية..
- بذلوا المال في المكارم حين كان يجمعه غيرهم من المظالم، وصانوا الأعراض والحرمات حين كان غيرهم يبيع الأمهات والأخوات..
- جباههم تخضع لله، وتعلوا عمن سواهº وقلوبهم تهوى الجمال، وتنفر من كل قبيح، وعقولهم تؤمن بالحق، وترفض كل باطل، وأيديهم يد مع الله، وأخرى مع الناس..
- آمنوا بالدين ليرفعوا به الدنيا، وعملوا للدنيا ليخدموا بها الدين، وجمعوا بين الدين والدنيا ليكونوا في الحياة أعزاء، وفي الآخرة من الفائزين..
- حكموا الدنيا فملؤوها أمناً وسلاماً، وعصفت بهم النكبات فاستقبلوها صبراً وابتساماً، ومن اعتدى عليهم جعلوا الأرض فوق المعتدين أطلالاً وركاماً..
- دماء الشهداء عندهم عطر الشباب والرجال، وسهام الأعداء في صدورهم أوسمة العزاء والكمال، وخوض المنايا في سبيل دينهم أغنية النساء والأطفال..
- لمواكب الشهداء عندهم أفراح وأعراس، ولصليل السيوف في آذانهم ألحان وأنغام، وللمعارك الحُمر تربيهم أمهاتهم في الأسَّرة والمهود..
إنهم في الحقيقة جيل فريد لا كالأجيال، ورجال متميزون لا كالرجال، وأمة رائدة لا كالأمم..
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
والمسلم الداعية هو الذي يسير في دعوته وجهاده على غرار ما سار عليه الجدود الأمجاد في دعوتهم وجهادهم..º لا يصح في دين الله أن يتغنى المسلم بالأمجاد السالفة، وأن يفتخر بالبطولات الغابرة، ثم يترك أمة الإسلام تمزقها الأحداث، وتهب في أجوائها الأعاصير، وهو لا يعمل عملاً، ولا يقدم لإسلامه شيئاً.. بل من أبسط مقتضيات الإيمان أن يبذل قصارى جهده، وأن يأخذ بكل أسباب القوة معتمداً على الله ثم على نفسه.. حتى يرى هذه الأمة قد استعادت مجدها الغابر، واستردت عزتها السليبة، وأصبح لها تحت الشمس كيان، وفي هذا الوجود مكانة..
كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي
والأن أريد – أخي الداعية – أن أضع بين يديك أحوال أمة الإسلام في المشارق والمغارب، لأضعك تحت مسؤوليتك في تبليغ الدعوة، والعمل دائباً في حمل رسالة الإسلام، ولتعرف كيف تبدأ؟ وإلى أين تنتهي؟ وعلى الله قصد السبيل.