لم أقف على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لظاهرة التّعلّق كظاهرة تربويّة،. لذا سأقترح تعريفاً لها وسأجريه محدوداً بجنسٍ وقيودٍ. لكنّي أجد من المناسب قبل أن أعرّف الظّاهرة أن أنقل بعض تعريفات لغويّة للتّعلّق :
فمثلاً يقول الشّيخ أحمد رضا: اعتلقه: أحبّه، وتعلّق الشّيء: علقه من نفسه، وفلانة: أحبّها . ويقول محمد الباشا: عَلöق – عَلَقاً وعُلُوقاً وعلاقَة الشّيء الشّيء وبه: نشب فيه واستمسك به. – فلانñ فلاناً وبه: تمكّن حبّه من قلبه. ويقول حسن سعيد الكرمي: تعلّق يتعلّق تعلّقاً: الولد بأبيه عند الفراق: أمسك به وتشبّث، وتعلّق الرّجل المرأة أو بها: أحبّها، وتعلّق الشّوك بالثّوب: تشبّث، وتعلّق الثّوب على الشّجرة: سقط عليها وعلق.
ويقال: هذا الكلام يتعلّق بما سبق قوله: أي يتّصل بعلاقةٍ ومناسبةٍ، وتعلّق قلبه امرأة: أحبّها، ومنه قول امرئ القيس:
تعلّق قلبي طفلة عربيّة تنعّم بالدّيباج والحليّ والحُلل.
ويقول: التّعلّق: هو النّسبة بين شيء وآخر كالعلاقة بين العالم والمعلوم وبين التّابع والمتبوع في معادلة جبريّة، والتّعلّق في العربيّة: هو نسبة الفعل إلى غير الفاعل. والمتعلّق: هو الذي يتعلّق والمتعلّق هو الذي يأكل اليسير ويكتفي به ولا يتشرّط ومنه قولهم : ليس المتعلّق كالمتأنّق.
أمّا تعريفي لظاهرة التّعلّق فهو: تمكّن الحبّ من القلب، وتأثيره على السّلوك بوجهٍ مخصوصٍ.
فجنس التّعلّق: إنّما هو التّمكّن، وهو الاستحكام والاستحواذ والأخذ بمجامع القلب والسّيطرة عليه. والتّمكّن غير الامتلاءº فبالتّمكّن يخرج غيره كالحبّ القليل أو الكثير غير المسيطر. أمّا قيوده:
فالأوّل: هو الحبّ المتمكّöن من القلب، فخرج بهذا القيد غيره من الأمور التي قد تتمكّن من القلب أيضاً كالرّضا أو الإيمان.
والثّاني: هو القلب المتمكَّن منه، فالحبّ متمكّن من القلب لا من الجوارح أو العقل أو غيرهما.
وأمّا الثّالث: تأثيره على السّلوك، فخرج به الحبّ الذي لا يؤثر على السّلوك وهو كثيرñ.
والأخير: أنّه بوجّهٍ مخصوصٍ، أي أنّ لهذا التّأثير علاماته وأماراته وأسبابه الذّاتية. وغالب التّأثير هو تأثيñر سلبيّñ غير محمودٍ في التّربية .
إذن فتعلّق المربّي بمتربيّه هو تمكّن حبّ المتربّي من قلب المربّي، وتأثيره على سلوك المربّي بوجهٍ مخصوصٍ. وأمّا تعلّق المتربّي بمربّيه فهو تمكّن حبّ المربّي من قلب المتربّي، وتأثيره على سلوك المتربّي بوجهٍ مخصوصٍ.
والتّعلّق ظاهرة سلبيّة - مع أنّه ليس هناك شرّñ محضñ - في التّربية والتّعليمº لأنّه يؤثّر على سلوك الشّخص بوجهٍ سلبيٍّº الأمر الذي يؤثّر على أهداف العمليّة التربويّة ومخرجاتها و على سلوك عنصريها الرّئيسين وهما المربّي والمتربّي.
وهنا أودّ الإشارة إلى الفرق الكبير بين التّعلّق وبين الأخوّة الإسلاميّة، وهو في التّأثير بالوجه المخصوص السّلبيّ. فالأخوة مع ما فيها من تمكّن للحبّ من القلب إلا أنّها يجب ألا تؤثر سلباً على سلوك المربّي أو المتربّي بل إيجاباً بإذن الله تعالى. فالمتعلّق لا يرى إلا بعين حبّه أمّا الأخ المحبّ فيرى بعين الدّين والعدل ويحكم بحكمهما حتى لو اصطدم بحكم هواه وعاطفته .
والأخوّة الإسلاميّة بالغاً ما بلغ عمقها هي علاقةñ مطلوبةñ محمودةñ، وإن كانت قد تبدو في بعض حقوقها وواجباتها تتشابه مع علامات التّعلّق فلا ضير في ذلك.
و لا بدّ أن لا يتوجّس المربّي أو المتربّي من قوّة العلاقة وعمقها ما دامت في سياقها المتّزن الصّحيح، بل إنّ قوّة العلاقة أمرñ مطلوبñ إذ أنّ التّربية لا تنهض إلا على حبّ المربّي لمتربّيه وحبّ المتربّي لمربّيه. بل كيف سيتمكّن المربّي من تغيير المتربّي نحو الأفضل من غير دافعٍ من حبٍّ و ودٍّ !! ، أليس دافعاً مهماً للصّبر والتّعب على المتربّي هو حبّه والحرص عليه؟!. بل كيف سيتقبّل المتربّي ممن لا يحبّه؟! وهل يقدر أن يصارح مربّيه بمشاكله وهمومه من غير حبٍّ؟! .
إنّ صورة الإفراط والتّفريط في العلاقة بين المربّي والمتربّي هي صورة قبيحة، فكم من مربٍّ تراه لا يحرص على توثيق علاقته مع من يربّيهم، بل إنّه يعتبر في سطحيّة العلاقة مغنماً وفي قوتها مغرماًº فلا تراه معهم إلا عابساً واجماً، لا يسأل عن أحوالهم ولا يؤاكلهم أو يمازحهم لأنّ في ذلك إفساداً للتربية ولا بدّ من هالة للمربّي لا يخترقها الحبّ أو يمسّها الودّ. وكم من آخرٍ، يتجاوز في علاقته، حتى لا يبقي حدوداً بينه وبين من يربّيهم، فيهدم بتفريطه شخصيّته وينعدم تأثيره ويقع في التّعلّق المذموم.
ولعلّ الفصول القادمة فيها ما يوضح هذه الظّاهرة بإذن الله تعالى.