إذا تعلّق المربّي بمتربّيه بانت لذلك علامات وأماراتº وليس ذلك بالغريب فاللحبّ آيات وعليه دلائل، وإن كان لا يلزم أن تظهر كلّ هذه العلامات بل قد يظهر معظمها أو بعضهاº وذلك بحسب درجة التّعلّق وتمكّنه من القلب، وقد قيل:
دلائل الحبّ لا تخفى على أحدٍ كحامل المسك لا يخلو من العبق
ومن هذه العلامات:
(1) إدمان النّظر إلى المتربّي º فترى المربّي كثير النّظر إلى متربّيه، مشغولة عيناهº تنتقل بتنقّل المتربّي وكأنّه شَرَك الأبصار وفتنة النّظّار، والعين باب من أبواب النّفس ودليل من أدلّة القلب، فتراه يعطي من النّظر إلى من يتعلّق به أكثر مما يعطي بقيّة المتربّين، كان ذلك في مسجد أو شارع أو درس أو ملتقى. وممّا يؤثر عن الحكماء قولهم: العين باب القلب، فما كان في القلب ظهر في العين. ويصوّر الشّاعر هذه العلامةº فيقول:
فليس لعيني عند غيرك موقِف كأنك ما يحكون من حجِر البهت
أصرّفها حيث انصرفت وكيفما تقلّبت كالمنعوت في النحو والنعت.
بل إنّ العين قد تكون أبلغ دالّة على ما في القلب، متجاوزة اللسان ومدحه، واليد وعطائها. وقديماً قيل: العينان أنمّ من اللسان.
وقال آخر:
كلّ ما تطوي جوانحه فهو في الِعِينين مِكتوب.
وفي بداية الأمر ينظر المربّي إلى متربّيه فإذا لاحظ أنّ الحاضرين انتبهوا من كثرة نظره و طول تحديقه صرف نظره منتظراً السّوانح. أمّا إن تمكّن التّعلّق فإن العين لا تستطيع مفارقة المتربّي حتى لو لاحظ الحاضرون وليس سهلاً صرف الطّرف عن الحبيبº ولذا نجد أنّ المربّي لا يطيق فراق متربّيه وقلة لقياه –كما سيأتي ذكره-.
(2) الإقبال بالحديث واستنطاق المتربّيº فما يكاد يقبل إلاّ على ما يتعلق به، وما أن يراه ويلتقيه لم يدع سؤالاً إلا سأله ولا طرفة إلا حدّث بهاº رغبة بالأنس باستماع المتربّي وإنصاتهº وطمعاً بحديثه و تعليقه.
وهذا يقود المربّي إلى حسن انتقاء العبارة والحرص على تخيّرها وجاذبيتها. و التّكلّف بالحديث واستنطاق المتربّيº ذا إذا تعلّق المربّي بمتربّيه نجد أنّ حديثه معه يخرج من حديث الخير والنّصح إلى اللغو والسّفاسف. ومن الإقبال على المتربّي بالحديث كثرة الاتصال به بالهاتف أو بأيّ شكلٍ من أشكال التّواصل المختلفة .
وللجعد بن ضمام بيت يقول فيه:
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً.
بل إنّ كثيراً من السّؤال يبعث عليه شدّة الشّوق والتّعلّق، ويقود إليه استحكام التطلّع والتّوق، دون جهالة توجب القول به، وقلّة معرفة تحمل على الاستعمال له. وكثيرñ من الجواب تعليل للسّائل، دون جهالة بحقيقة ما يطلبه، وتأنيس له، فالإنسان إذا اشتاق إلى شيء سأل عنه مع علمه به، وهذا من تمام الإقبال بالحديث.
(3) الإنصات لحديث المتربّي إذا حدّث إنصاتاً لا يكون لغيره مثله º فترى أنّ الحواسّ مشدودة إليه تنتظر اللسان ليجود بالكلمات، وحتى لو كان من عادة المربّي وطبعه مقاطعة المتحدّث أو كثرة الحديث فتراه هنا مستمعاً جيداً. فالأذن يطربها سماع صوت المتربّي ويسعدها حديثه.
(4) بهتñ يقع وروعةñ تبدو على المربيّ عند رؤية متربّيه فجأة، وطلوعه بغتة º ويظهر تبدّل شكل المربّي، وقد يكون على حالةٍ من غمٍّ وحزنٍ فينقلب مسروراً جذلاً عند رؤية متربّيه. ولا يخفى أنّ المربّي النّاجح هو أولى النّاس أن يلقى متربّيه بوجهٍ طليقٍ باسمٍ، إلاّ أنّ المتعلّق يبدو على غير سجيته وطبيعته.
و يصف أبو العلاء المعرّي هذا الحال فيقول:
علامة من كان الهوى في فؤاده إذا لقي المحبوب أن يتغيرا.
وأبلغ ما تتجلّى به هذه الصّفة حينما يكون اللقاء بعد انقطاعٍ وامتناعٍ، وللأديب الرّافعي – رحمه الله تعالى - وصفñ جميلñ لحال من لقي حبيبه بعد انقطاع وامتناع يقول فيه: (( أرأيت مرّة عاشقاً جفاه الحبيب وامتنع عليه دهراً لا يراه، وصارمه مدّة لا يكلمه، فتر عنه نومه من ليله، وراحته من نهاره، ودنياه من يده، وبلغ به ما بلغ من السّقم والضنى، ثمّ بينا هو يمشي إذ باغته ذلك الحبيب منحدراً من الطريق؟. إنّك لو أبصرت حينئذٍ قلب هذا المسكين لرأيته على زلزلة من شدّة الخفقان …، ولو نفذت إلى حسّ هذا البائس لرأيته يشعر مثل شعور المحتضر أنّ هذه الدنيا قد نفته منها!.ولو اطّلعت على دمه في عروقه لأبصرته مخذولاً يتراجع كأنّ الدّم الآخر يطرده.
إنها لحظة يرى فيها المهجور بعينيه أنّ كلّ شهواته في خيبة، فيردّ عليه الحبّ مع كلّ شهوة نوعاً من الذّل، فيكون بإزاء الحبيب كالمنهزم مائة مرّة أمام الذي هزمه مائة مرّة. لحظة لا يشعر فيها المسكين فيها من البغتة والتّخاذل والاضطراب والخوف إلاّ أنّ روحه وثبتْ إلى رأسه ثم هوت فجأةً إلى قدميه. )) 10.
(5) الإسراع بالمسير نحو المكان الذي يكون فيه º والتّعمّد للقعود والدّنو منه، واطراح الأشغال الموجبة للزّوال عنه والزّهد فيها والرّغبة عنها، والتّباطؤ في المشي عند القيام عنه، وإذا استحكم التّعلّق قد يصل الأمر إلى الاستهانة بكلّ خطبٍ جليلٍ داعٍ إلى مفارقته. والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها: أن يحرص المربّي على الصّلاة قريباً من موضع صلاة المتربّي في المسجد –إن كانا يصلّيان في نفس المسجد-، أو أن يُكثر من الصّلاة في مسجد متربّيه وإن لحقه الجهد والمشقّة، وتقصّد ملاقاة المتربّي وهو عائدñ من مدرسته أو جامعته أو عمله أو زيارته، وهو في ذلك يحاول أن يُبدي التّلاقي محض صدفةٍ11 وما هو بذلكº ولذا يحرص المربّي على معرفة أماكن تواجد المتربّي مع الأوقات.
وفي هذا يقول الشّاعر:
نعم، أسعى إليك على جفوني تدانى الحيّ أو بعد الطّريِق
إذا كِانِت تحنّ لك المطايا فماذا يفعل الصبّ المشوق.
(6) الاهتمام الزّائد بشؤون المتربّي الخاصّة º اهتماماً يُخرج المربّي عن همّه الأصيل وواجبه النّبيلº حتى يصل إلى التّدخّل في الطّعام والشّراب والرّغبات تدخّلاً يبلغ حدّ الإملاء والإجبار. ولاحظ ذلك الإمام أبو حامد الغزاليّ – رحمه الله تعالى - فقال: (( فإنّ المشاهدة تدلّ على أنّ الحبّ يتعدّى من ذات المحبوب إلى ما يُحيط به ويتعلّق بأسبابه ويناسبه ولو كان من بعد، ولكنّ ذلك من خاصيّة فرط المحبّة فأصل المحبّة لا يكفي فيه، ويكون اتّساع الحبّ في تعديه من المحبوب إلى ما يكتنفه ويحيط به ويتعلّق بأسبابه بحسب إفراط المحبة وقوّتها ))12.
(7) كثرة لقيا المربّي بالمتربّي والقرب منه وزيارته وضرب مواعيد إضافيّة º يبرّرها بأنّها مهمّة لحلّ مشكلةٍ خاصّةٍ أو ما شابه، ولكنّها في الحقيقة ليست لحاجات التّربية وإنّما لرؤية المتربّي وحده والحديث معه. و المشي معه و لساعاتٍ طويلةٍ وفي أوقاتٍ غير مناسبة. وممّا يؤسف القول إنّ بعض المربّين لا يكاد يفارق متربّيه إلا قليلاً، وفي ذلك يُقال:
ولي فؤادñ إذا لجّ الغِِرام بِِِه هِام اشِتياقاً إلى لقيا معذّبه
وقد قال الشّاعر في زيارة المحبوب :
فما زرتك عمداً ولكن ذا الهوى إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرّجل.13
ويؤكد أنّ المحبّ يزور من يهواه وإن كان بعيداً منه قولُ المتنّبي في رثاءö محمّد بن إسحاق التنوخيّ:
يممت شاسع دارهم عن نيّة إنّ المحبّ على البعاد يزور.14
وبعض المربّين يصطنع الأسباب لرؤية المتربّي وملاقاته، ويختلق الحجج والعلل لتبدو اللقيا أنّها شرعيّة ولحاجة تربويّة، ويعبّر عن ذلك يزيد بن الطّثرية فيقول:
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّةٍ فأفنيت علاّتي فكيف أقول.
وهذه الخلطة الزّائدة عن الحاجة تؤدّي إلى اللهو غير المباح، فتضيع الأوقات، وتهدر الطّاقات، ويتشتّت الخير15، وهذا غالب الحال، فمتحدّث الخير والنّصح يمسي متحدّث اللهو والسّقط.
(8) الانشغال في المسجد بالحديث مع المترّبيº ولو كان ذلك عقب الصّلاة مباشرةً، ولو كان على حساب التّسبيح وقراءة الأدعية المأثورة. والمسجد هو المحضن الأساس للتّربيةº لذا يقضي المربّي مع المتربّيين فيه وقتاً كبيراً. والانشغال مع المتربّي علامة بيّنة، ما أسهل أن يلحظها المراقب. وقد قال بعض البلغاء: إنّ القلب إذا عَلöقَ، كالرّهن إذا غَلöق16.
(9) كثرة ذكر اسم المترّبي واللهج به باللسان ومدحه في حضرته وغيبتهº فترى المربّي كثير الذّكر لمتربّيه، عظيم المدح له، دوماً يتحدّث عن محاسنه وفضائله، ويسترسل في الكلام عن صفاته ومكارمهº ومن أحبّ شيئاً أكثَرَ من ذكره بقلبه ولسانه، ولهذا أَمَرَ الله سبحانه وتعالى عباده بذكرهö على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوفَ ما يكونون، فقال تعالى: } يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تُفلحون{ 18.
وسرائر القلب يظهرها حديث الفم، وما الألسن إلاّ مغارف للأفئدة، تماماً كما رآها يحيى بن معاذ – رحمه الله تعالى - على حقيقتها، فوصفها، ونبّه إلى أنّ: ((القلوب كالقدور في الصّدورº تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها. فانتظر الرّجل حتى يتكلم، فإنّ لسانه يغترف لك ما في قلبه، من بين حلو وحامض، وعذبٍ وأجاج، يُخبرك عن طعم قلبه: اغتراف لسانه)). تشبيه قد يبدو ساذجاً لأول وهلةٍ، لكنّ فيه روعة حقيقية وصدق الوصفº اغتراف اللسان يذيق طعم القلب ، وقد قال أبو تمّام الطّائي :
ومما كانت الحكماء قالت لسان المرء تِبِع للفِؤاد.
وفي ذكر المحبوب يقول القائل:
إن كنت لست معي فالذّكر منك معي يرعاك قلبي وإن غُيّبت عن بصري
العِين تُِبصِِِِِر من تهِِوى وتِفقِده ونِِِاظر القلب لا يخِلِو مِن النّظر.
ومن الرّقيق قول من قال في ذكر المحبوب والثّناء عليه بظهر الغيب:
فإن يك عن لقائك غاب وجهي فلِِِم تغب المودة والإخِاء
ولم يِغب الِثِّناء علِِيك مِنّي بظِهر الغيب يتبعه الدّعِاء
وما زالِت تِتوق إليِك نفسِي على الحالات يحدوها الوفاء.20
والحقّ أنّ اللسان يظهر ما في القلب، ويكشف السّر والسّرائر، وصدق الشّاعر حين قال:
فمّي تحدّث عن سرّي فما ظهرت سرائر القلب إلا من حديث فمي
(10) اضطراب المربّي وضجره عند غياب متربّيه º وبالأخصّ حينما يتكرر التغيّب، فقلبه موصول به مشغول، وينفد التعلّقُ الصبورَ صبره عن الحبيب، ويُقال في هذا:
والصبر يُحمد في المواطن كلّها ونحو الحبيب فإنّه لا يُحمد.
و قد يبدو حال المربّي غريباً غير مألوف أو مفهوم من انزعاجه واضطرابهº فيعذره في ذلك الأبله البغدادي إذ يقول :
لا يعرف الشّوق إلاّ من يكابده ولا الصّبابة إلاّ من يُعانيها.21
ويروي ابن رشيق القيرواني في زهرالآداب وثمر الألباب أنّ أبا العبّاس قال: دخل رجل على الحسن بن سهل بعد أن تأخّر عنه أياماً، فقال: ما ينقضي يوم من عمري لا أراك فيه إلاّ علمت أنّه مبتورُ القَدْر، منحوس الحظّ، مغبون الأيام. فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إليّ بحضورك سرور لا أجده عند غيرك، وأتنسّم من أرواح عشرتك ما تجد به الحواس به بغيتها، وتستوفي منه لذّتها، فنفسك تألف منّي مثل ما آلفه منك.
قال مخارق: لقيَني أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله صبّñ بك، ولوعñ إليك، معمور القلب بشكرك، واللسان بذكرك، متشوّفñ إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالت الأيّام على ما أعدّ به نفسي من الاجتماع معك، ومن قضاء الوطر منك. فما عندك؟ أنا الفداء لك! وتزورني أم أزورك!
قلت: جعلني الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحلّ إلاّ الانقياد إلى أمرك، والسّمع والطّاعة لك، ولولا أن أسيءَ الأدب في أمرٍ بدأت فيه بالفضل لقلت إنّ كثير ما ابتدأت به من القول يقلّ فيما عندي من الشّوق إليك، والشّغف بك، دون ما حرّك هذا القول منّي، فوجبت لك به من المنّة عليّ، وأنا بين يديَك، فاثنö عناني إلى ما أردت، وقدني كيف شئتَ تجدني، كما قال القائل:
ما تشتهيه فإنّي اليوم فاعله والقلب صبّ فما جشّمته جشما. 22.
ويصف المتنبّي شدّة الهجر على نفسهº فيقول:
والهجر أقتل لي مما أراقبه أنا الغريق فما خوفي من البلل.23
ولله درّ أقوام قلوبهم معمورةñ بذكر الحبيب، ليس فيها لغيره حظّ ولا نصيب، إن نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فبقربه، وإن ترحوا فبعتبه، أقواتهم ذكر الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة، وأنشدوا:
حياتي منك في روح الوصال وصبري عنك من طلب المحال
وكيف الصّبر عنك وأيّ صبِر لِعطشِان عِِن الِِماء الِِزّلال
إذا لعب الرّجِال بكلّ شِيء رأيِت الحبّ يلعب بالرّجال24
ويصف الشّاعر أنّ شدّة الصّبر لا طاقة للحبيب عليهº فيقول:
ذُكöرَ الهوى فتنفّس المشتاق وبِدا عليِه الِذل والإطِِراق
يِا مِن يصبّرني لأصبر بعِده الصبر ليس يُطيقه العشّاق.
(11) تغيّب المربّي عن مواعيدهº حتى ما كان منها مهماً لانشغاله أشدّ الانشغال بمتربّيه، والاعتذار عن ذلك بوجود مشاكل مثلاً لا بدّ من حلّها، وعقباتٍ قد تضطره للتّأخّر والتغيّب، وحواراً لا بدّ من استكماله حرصاً على المصلحة، ويُجري أعذاره على سبيل التّورية. وقد ينخدع المربّي ذاته بأوهامه ويخيّل إليه أنّ هناك من الأمور المتعلّقة بالمتربّي ما يستوجب أن تُلغى لأجلها المواعيد، ويجب على الآخرين ممّن هم حوله أن يقتنعوا بذلك ولا يستهجنوه، وهو في هذا مثله مثل صاحب الثّوب الذي لا يراه إلاّ العقلاء25، وهومستعدّñ للتّضحية بأيّ شيء في سبيل البقاء مع متربّيه، حتّى لو كان ذلك لأتفه الأسباب وأوهى الدّواعي. بل إنّ المربّي قد ينشغل عن ما هو أعظم من مواعيده والتزاماته، كانشغاله عن عبادته أو عمله أو أهله، ويقول الشّاعر في ذلك:
شغلت نفسي وقلبي في مودّتكم لا خلّص الله روحي من محبتكم
ما قد غضبت على نفسي لأجلكم حتى جفوت حياتي بعد جفوتكم.
(12) الاعتراض وعدم الرّضا إلى وضعٍ قد يصل إلى الاحتداد إذا شعر المربّي أنّ أحد المربّين الآخرين قد أظهر اهتماماً –حتى لو كان عادياً- بمتربّيه º كسؤاله عن درسه أو أحواله الخاصة مثلاً، وقد يرتبط مربيّ آخر بالمتربّي بصلة من قربة أو جوار أو غيرهما من الصّلات، فيكون من المألوف أن يظهر هذا المربّي اهتماماًَ بالمتربّي، وجزى الله خيراً من قال:
إذا رأيتَ الهوى في أمّةٍ فاحكم هنالك أنّ العقل قد ذهبا.
(13) استشاطته غضباً إذا عوقب المتربّي ولو على خطأ فعله º أو إذا انتقده أحدñ على تصرّفٍ ما. وتأوّله لأسباب الخطأ تأوّلاً بعيداً غير مقبول بحالº فهو يرى أنّ العقاب والنّقد في حقّ متربّيه انتقاصñ من شأنه لا تربيةً له وتقويماً. وإن طُلب إليه مراجعة المتربّي أو معاتبته لسببٍ ما، تلقاه يلاحي ويماطل، وإن راجعه أو عاتبه فما يقوم بذلك إلا رفعاً للعتب وقضاءً للمهمّة ومن دون رضا، وقد قال ابن الرّوميّ:
فِعذرك مِبسِوط لِذنبٍ مِقدّöمٍ وودّك مقبولñ بأهِلٍ ومرحبö
ولو بلّغتِني عنك أذني أقمتها لِديّ مُقام الكاشح المتكذّب
فلست بتقليب اللسان مصارماً خليلاً إذا ما القلب لم يتقلّب.27
(14) حديث المربّي عن نفسه وتجاربه وماضيه لمتربّيه والبوح له بأسراره الخاصّةº مع أنّه لا غضاضة أن يتحدّث المربّي أحياناً عن نفسه وتجربته، بل قد يُستحسن أو يتوجّب28º إذ في ذلك التّوريث والنّصح والتّوجيه، مع التّنبيه إلى أنّ الأولى أن يختفي شخص المربّي وراء التّجربةº حتى يتأثّر المتربّي بالحدث والتّجربة، وحرصاً أن لا يرتبط المترّبي ارتباطاً سلبيّاً بشخص المربّي. وهناك آداب وقواعد يجب أن يُعنى بها حين الحديث عن النّفس والتّجارب ليس المقام لتفصيلها.
(15) التّضايق والضّجر إذا قطع أحدñ خلوة المربّي بالمتربّي º فلا شيء أحلى للمربّي المتعلّق من الخلوة والتفرّد بمتربّيهº ليجالسه وينظر إليه ويحادثه، فهو مذهب قلبه ووجهة نفسه. و للإمام ابن القيّم – رحمه الله تعالى – إشارة لطيفة لمعنى جليل إذ يقول في روضة المحبّين ونزهة المشتاقين: (( ومنها: حبّ الوحدة والأنس بالخلوة والتفرّد عن الناس، وكأنّ المحبة قد ثبتت على ذلك، فلا شيء أحلى للمحبّ الصّادق من خلوته وتفرّده، فإنه إن ظَفر بمحبوبه أحبّ خلوته به وكره من يدخل بينهما غاية الكراهية، ولهذا السرّ – والله أعلم- أمر النّبيّ – صلى الله عليه وسلّم - بردّ المارّ بين يديّ المصلّي حتى أمر بقتاله، وأخبر أنّه لو يدري ما عليه من الإثم لكان وقوفه أربعين خيراً من مروره بين يديه، ولا يجد ألم المرور وشدّته إلاّ قلبñ حاضرñ بين يديّ محبوبه مقبل، قد ارتفعت الأغيار بينه وبينه، فمرور المارّ بينه وبين ربّه بمنزلة دخول البغيض بين المحبّ ومحبوبه. فهذا أمرñ الحاكم فيه الذّوق، فلا ينكره إلاّ من لم يذُق. ))29.
(16) المبالغة في قراءة الشّعر والقصص، والمطالعة في كتب الحبّ والألفة وسماع النّشيد على وجهٍ يُخالف المعتاد. ومردّ هذه العلامة إلى أنّ المتعلّق يحتاج دوماً لتغذية ميله وعاطفته، والدّفاع عن تعلّقه وحبّه، وليجد ما يداعب ويمازح به متربّيه من جميل النّثر والشّعر.
(17) غمّ المربّي وحزنه وبكاؤه إذا رحل متربّيه وفارقه أو انتقل إلى منطقةٍ أخرى أو مسجدٍ آخر. فالفراق له ترحة، كما التّلاقي له فرحة، وهذا الغمّ يزداد كلّما كان الفراق أطول والتّواصل أعسر، وحاله حال المتنبّي حينما عاتب سيف الدّولة، فقال:
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم وجداننا كلّ شيءٍ بعدكم عدم.30
ويكشف شدّة فرقة الأحباب على النّفس قول قيس بن ذُرَيح:
وكلّ مصيبات الزّمان رأيتها سوى فرقة الأحباب هيّنةَ الخطْبö.31
وهذا عبد العزيز الماجشون - وهو من فقهاء المدينة المنوّرة - يقول: (( قال لي المهدي: يا ماجشون، ما قلت حين فارقت أحبابك؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين:
لله بِاكٍ عِِلى أحِبابِِه جِزعِِِاً قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا
ما كِان والله شؤم الدهر يتركني حتى يجرّ عني من بعدهم جرعا
إنّ الزمان رأى إلف السرور لنِِا فِدبّ بالبين فيما بيننا وسِِعى
فليصنع الدّهر بنا ما شاء مجتهداً فلا زيادة شيءٍ فوق ما صنعا 32
و الفراق مرّ، وقد قيل في قول الله – سبحانه وتعالى – على لسان سيّدنا سليمان – عليه السّلام - متوعداً الهدهد: }لأعذّبنّه عذاباً شديداً{ 33º أي لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وهذا أشدّ العذاب34.
ويقول أبو الطّيّب المتنبّي:
ماذا الوداع وداع الوامق الكمد هِذا الوداع وداع الرّوح للجسد
إذا السّحاب زفته الريح مرتفعاً فِلا عدا الرّحلة البيضاء من بلد.35
ومن أرقّ ما وَصف حال المفارق ابن المعتزّº إذ قال:
ومتيّم جرح الفراق فؤاده فالدّمع من أجفانه يترقرق.
(18) الجزع الشّديد، والحُمرة المقطّعة تغلب عندما يرى المربّي إعراض متربّيه أو انشغاله عنه º إذ قلبه لا يحتمل إعراض الحبيبº فصورته لا تفارقه، وابتسامته تلازمه، وطيفه يناجيه ويسامره، والشّوق إلى المحبوب يسابقه. وأحياناً بدافع الذّوق والأدب لا يكثر المتربّي من التردّد على مربّيه، أو أنّه لا يشعر بما في قلب مربّيه وأستاذه من الوجد والشّوق، فيكون بابتعاده أشدّ الألم وأوجعه والذي يظهر على الوجه والجوارح حمرةً وجزعاً، والشّاعر يقول:
جميل الصّبر مسجونñ ودمع العين مسفوح.
(19) احتكار المتربّي والتشبّث به º أي محاولة الاستئثار به لنفسهº حتى يبقى قرير العين طَرöبَ الفؤاد أَنöسَ الوجد بمتربّيهº وذلك على نحوٍ من التّالي :
الأوّل: محاولة تأخيره في الانتقال من مرحلةٍ تربويّةٍ إلى أخرى.
الثّاني: التّضييق وعدم السّماح بالعمل في المواقع التي لا تكون تحت إشرافه أو أنّ له عضويةً فيها.
الثّالث: محاولة إعاقة نقل المتربّي إلى مربٍّ آخر بحججٍ أوهى من بيت العنكبوت.
(20) تعلّق المربّي بأهل المتربّي وحبّهم، وحبّ قرابته وخاصّته وكثرة السّؤال عنهم وزيارتهم والاتّصال بهم ، حتّى يكونوا أحظى لديه من نفسه وأهله وإخوانه، والمبالغة في خدمتهم وقضاء حوائجهمº فلأجل عينٍ ألف عينٍ تكرم، حتّى يبلغ ذلك بأهل المتربّي إذا احتاجوا إلى المحقّرات من الحاجات والخدمات أن يسألوا مربّي ابنهم قضاءها.
ويصبح المربّي يهتمّ بما لا يهمّ من أحوال وأخبار المتربّين وذويهم عادةً، وتدقيقه على معرفة كلّ جديدٍ بشأن الأهل، والعُتبى الشّديدة إذا لم يُعْلَمْ بمستجدات متربّيه وأهله وإقحام نفسه بذلك. وهذا الحال قد يجرّ المربّي إلى أمورٍ أخرى أخطر، لا يحسب لها حساباً ولا يلقي لها بالاًº إذ هو يلقي بنفسه في مرامي الشيطان الذي وعد باستزلال الإنسان وإضلاله.
ويصدق فيه قول المتنبّي في قصيدته التي مدح فيها كافوراً سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمئة حين قال :
فؤاد كلّ محبّ في بيوتهم ومال كلّ أخيذ المال محروب.36
وهنا أودّ الإشارة إلى قصةٍ طويلةٍ إلاّ أنّي أراها أصلñ في هذا المقامº إذ توضّح جليّاً كيف أنّ الاهتمام البرئ بالمتربّي وأهله حين لا يوزن جيّداً يمكن أن يورد صاحبه المزالق. وأحداث هذه القصّة حدثت في بدايات أربعينات القرن الماضي، وتعدّ في سياق الفتنة الدّاخليّة الثّانية في دعوة الإخوان المسلمين حينما زوّج الإمام حسن البنّا – رحمه الله تعالى - شقيقته الكبرى لعبد الحكيم عابدين.
وأنقل القصّة من كتاب الأستاذ محمود عبد الحليم الإخوان المسلمون أحداثñ صنعت التّاريخº إذ كتب جزاه الله خيراً : (( وسأعرض الآن لواحدةٍ من هذه المحاولات، كان مبعثها مبعثاً شخصيّاً، وقد بدأت هذه المحاولة منذ كانت الدعوة في ميدان العتبة وبدأ الطّلبة يُقبلون علينا وكنّا نُحسن استقبالهم ونوليهم كلّ ما نستطيع من اهتمامٍ وعنايةٍ، وكان من هؤلاء الطلبة طالبñ في كليّة الآداب اسمه (ع.س.أ.)...، استقبلناه كغيره من الطّلبة، ولكنّي رأيته مقبلاً بشكلٍ ملحوظٍ على عبد الحكيم عابدين ممّا جعلني أرتاب فيه، ولكنّ هذا الشعور لم يجعلني أُقصّر في حقّه، فكنت أعامله كما أُعامل زملاءه.
غير أنّي رأيت عبد الحكيم يوليه من العناية أضعاف ما يولي زملاءه –وعبد الحكيم كما قدّمت كله عاطفة-37، فما كاد يشعر بإقبال هذا الطّالب عليه حتى غمره بسيلٍ من عواطفه، فكان كلّما قابله قابله بالعناق، وكنت أفتقد عبد الحكيم فإذا لقيته سأتله أين كنتَ بالأمس، فيقول لي كنت عند الأخ (ع) في بيتهم. وقد أوسع عبد الحكيم له في مجلة النّذير فكان يكتب المقالات تمجيداً في الإخوان المسلمين وإشادةً بهم.
لم يكتفö عبد الحكيم بأسلوبه العاطفيّ الذي يتعامل به مع هذا الأخ، بل جاء يُعاتبني في عدم إقبالي عليه بنفس أسلوبه وأخَذ يذكر لي مزايا هذا الأخ الأدبيّة وحماسه المُتأجج للدّعوة وأسلوبه في الكتابة، وأخذت أُذكّره بما سبق أن قلته له من قبل منذ كنّا في دار شارع الناصرية، وبما حذّرته منه من شعور البداوة الذي نشأ عليه، والمبنيّ على حسن الظنّ المُطلق بكل النّاس وفي كلّ الظروف، ومن مظهر هذا الشّعور من البدوي التّغالي في الحبّ والعناق في كلّ لقاء، وإباحة بيتك لكلّ من أحببته يدخله في غيابك وحضورك، ودخولك بيوتهم كأنّها بيتك، ومعاملتك أهليهم كأنّهم أهلك، وقلت له: كلّ ذلك لا أرضاه، وقد أرضاه إذا ضمنتَ لي أنّك تعيش في بيئةٍ أو مجتمعٍ من الملائكة المنزّهين عن الأهواء، المطهّرين من كلّ سوء الظنّ أو سوء النيّة...، أمّا المجتمع الدنيوي الذي نعيش فيه فهو يضمّ الطّيّب والخبيث، وقد ينقلب الطّيّب خبيثاً، وقد ينقلب الخبيث طيّباً، فلا ينبغي أن ننطلق في عواطفنا انطلاقاً لا حدود له مهما سمت هذه العواطف، وذكّرته بوصيّة رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - في ذلك: } أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما {38.
واشتدّ الحوار بيني وبين عبد الحكيم ورماني في نهايته بأنّ معاملتي (الرّسميّة) للإخوان لا سيما الجدد منهم -من أمثال هذا الأخ- تنفّرهم من الدّعوة، فقلت له: إنّني لا أعامل أحداً معاملةً رسميّةً كما تدّعي بل إنّني أُعطي كلّ إنسانٍ حقّه من حسن اللقاء، وكلّ ما أحاوله هو أن أقتصد في عواطفي، فالمصافحة عند اللقاء تكفي، والعناق عند الرّجوع من السّفر أو بعد الغياب الطّويل لا بأس به، والزّيارة في البيوت بدعوةٍ ملحّةٍ من صاحب البيت، كما يقولون:} زُرْ غöبّاً، تَزْدَدْ حُبّاً {39، وكرّرت تحذيري متمسّكاً بطريقتي في المعاملة .
وغادر عبد الحكيم الغرفة التي كنا نتلاوم فيها في المركز العام، وهو مصرّñ على أنّه يسلك الطّريق الإسلاميّ الأقوم...، وشابّñ ذو نفسٍ شاعرة نشأ في بيئة بدويّة، ثم تلقّفته الصّوفيّة بأشدّ طرقها تصفيةً للنّفس، ثم اتّصل بدعوة الإخوان المسلمين التي تضع مرتبة الأخوّة في الدّعوة فوق مرتبة الأخوّة في الدّم، شابñ كهذا قلّما يعدل عن خطته في الاندفاع بعواطف الأخوّة والحبّ التي تتأجّج بين جوانحه إلاّ بكارثة.
وانتقلت الدّعوة إلى الحلمية الجديدة، واستمرّ عبد الحكيم في اندفاعه الذي كان يجد له تجاوباً من الطّرف الآخر، ولا أدري لöمَ كان هذا التّجاوب الذي لا أجد له مبرراته متوفّرةً في هذا الطّرف، بل كنت أرى فيه معنى التصنّع وأشمّ منه رائحة الاستدراج، وظللت كعادتي أسأل عن عبد الحكيم في بيته فلا أجده المرّة تلو المرّة، ثم أقابله فيخبرني بأنه كان في بيت هذا الأخ.
ومرّت الأيام وأُعلنت خطوبة عبد الحكيم لشقيقة الأستاذ المرشد، فكان هذا الإعلان بمثابة إعلان حربٍ لا هوادة فيها على عبد الحكيم أو قُلْ في الحقيقة على الدّعوة نفسها، ولكن اتُخذ عبد الحكيم قميصَ عثمان، وانقلب هذا الأخ الذي أشرت إليه انقلاباً فجائياً على عبد الحكيم وخاصمه بغير مقدماتٍ، واتّهمه بأنّه اتّخذ صداقته له وأخوّته معه وسيلة إلى مداعبة شقيقته... .
وبغير مقدّمات أيضاً، هذا الأخ يُعلن مقاطعته للمركز العام وتبرّؤه من الدّعوة ما لم يُبتر منها عبد الحكيم... ، جاءني عبد الحكيم وهو يكاد يموت غمّاً وقال لي: لقد فهمت الآن أنّك كنت على حقٍّ، وأنّك كنت أبعد منّي نظراً، وإنّني لم أكن إلاّ أبله لا أدري ما يُراد بي ولا ما يُدبّر لي، لقد خالفتك وأخلصت لهذا الأخ وجعلت له من نفسي وقلبي ما لم أجعله لأشقّائي، فكان يدعوني إلى منزلهم وعرّفني بوالده ووالدته وإخوته وأخواته، كما دعوته إلى بيتي كما تعلم، وتوالت دعواتهم لي حتى إنّ والديه يدعوانني دونه، وكنت أعتبر والديه والديَّ وإخوته وأخواته إخوتي وأخواتي... ومرضت شقيقته الكبرى مرضاً خطيراً، ولمّا كانوا يعرفون عن صلتي بالأطباء –كان لعبد الحكيم صداقة وطيدة مع أشهر أطباء القاهرة وكان محبّباً إلى نفوسهم إلى الحدّ الذي كانوا يستجيبون له إذا طلبهم بليلٍ أو نهارٍ حيث كان، وإنّما كان يطلبهم لعلاج من يلجأ إليه من الإخوان-، استغاثوا بي وطلبوا إليّ أن أستدعي لهم طبيباً كبيراً معيّناً ففعلت.
واستمرّ العلاج ولكن المرض قد استفحل حتى صارت الفتاة هيكلاً عظميّاً بلا لحمٍ ولا دمٍ، وعلا وجهها شحوب الموت حتى أنّ أمّها وأخواتها عافوها وابتعدوا عنها، وشعرت الفتاة بذلك فصارت تبكي وتنعي نفسها، وهنا اضطررت أن أجلس بجانبها، مع أنّني كنت أحاول أن أرفع من روحها، وأعيد إليها ثقتها في الحياة، ولقد كان والداها وإخوتها وأخواتها –ومنهم هذا الأخ- يشكرونني على هذه الخدمات الإنسانيّة التي عجزوا هم عن أدائها.
قال عبد الحكيم: وبتفاني أصدقائي الأطباء في علاجها، وبما اتّبعته من أساليب لرفع معنويّاتها تحسّنت حالتها، ودبّت فيها الحياة من جديد. وحتى آخر يومٍ كنت موضع إجلالهم جميعاً، ولا حديث لهم إلاّ حول اعترافهم بجميلي عليهم، وبإنسانيتي التي فاقت ما عرفوه من إنسانيّة.
قال: وفي اليوم التّالي ذهبت كالمعتاد لزيارتهم فرأيت وجوماً على وجوههم حتى خُيّöلَ إليّ أنّ الفتاة ماتت، ولكنّني رأيتها بخير، وحاولت أن أعرف سبب الوجوم فلم أستطع، فخرجت وأنا في حيرةٍ من هذا التبدّل المفاجئ، واستعرضت كلّ تصرفاتي معهم لعلي أذكر شيئاً بدر مني فأغضبهم فلم أجد إلاّ تقديراً منهم لكلّ كلمةٍ قلتها أو تصرّفٍ أتيته، فعزمت أن أسأل نجلهم الأخ (ع) حين ألقاه ليلاً بالمركز العام كالمعتاد فلم أجده حضر، ولكنّني سمعت قالةَ سوءٍ توجّه إليّ منسوبة إليه، ولا يرددّ هذه القالة شخص واحدñ بل تردّدها مجموعة معيّنة بطريقةٍ تشعر بأنّها مبيّتةñ ومدبّرةñ... .
ولم أُصدّق أنّه هو قائلها في أول الأمر لكنّني تبيّنت أنّه هو مصدرها وأنه هو الذي باء بإثمها، وإنّني لم أكن حتى تلك اللحظة إلاّ سادراً في حسن ظنّي متجللاً برداء غفلتي ولم أتنبّه من غفلتي إلاّ الآن، فإنّ اليوم الذي مساؤه قلبوا لي ظهر المجنّ هو نفس اليوم الذي أُعلن في صباحه نبأ خطوبتي لشقيقة الأستاذ المرشد، وما كنت منتظراً منهم إلاّ أن يقابلوني بالبöشر والتّهاني والتّبريك... .
وعبد الحكيم المشبوب العاطفة، المتصوّف، البدويّº لم تكن هذه الصّدمة قذفت به على الطّرف الآخر البعيدº فإذا به يقرّر أن يعتزل النّاس لأنّه فقَد الثّقة فيهمº فانقطع عن المركز العام وعن غشيان أيّ مكانٍ آخر ما سوى بيته وعمله، وهجر أصدقاءه وأحبّاءه ومعارفه حتّى أهله، وعكف على الصّيام المتّصل والقيام بالليل تكفيراً عن زلّته بإفراطه في حسن ظنّه بالنّاس.
ولمّا طال انقطاعه ومضى أكثر من شهرٍ زرته في بيته أو بمعنى أدقّ في معتكفه، وعاتبته على هذا الأسلوب، فقال لي: ما كنت أعتقد إلاّ أنّك آخر من يعاتبني في ذلكº فالذي أفعله الآن ما هو إلاّ تكفيرñ لمخالفتي نصيحتك. قلت: ولكنّ التّكفير لا يكون بالانتقال من النّقيض إلى النّقيض، وانقطاعك عن المجتمع لا يقلّ ضرراً عن انهماكك فيه مندفعاً بلا حدود، ولكنّ المطلوب هو التزام الوسط في كلّ الأمور… وما زلت به حتى أنهى اعتكافه وصومه ورجع إلى المجتمع ولكن بعد بضعة أشهرٍ قطع خلالها شوطاً بعيداً في حفظ القرآن أو لعلّه أتمّ حفظه.))40.
ومع أنّ عبد الحكيم عابدين منارةñ من منارات الدّعوة الإسلاميّة المعاصرة إلاّ أنّ الأسلوب أخطأه، والعاطفة أودت به في تلك الحادثة. ولنتنبّه إلى أنّ التّعلّق بالمتربّي قد يُطمع أهله بالمربّي خصوصاً إن كان مميّزاºً كطمعهم بتزويجه بنتاً من بناتهم، أو مشاركته في عملٍ أو غير ذلك. وقد يبني أهل المتربّي على ذلك آمالاً وأحلاماً عراضاً والمربّي لا يشعر بذلك أو يعبأ بهº فإن عُرöضَ عليه ورفضº تكن القطيعة والبغض، وهذا ما أثبتته القصّة السّابقة.
(21) أن يجود ببذل كلّ ما كان يقدر عليه ممّا كان ممتنعاً به قبل تعلّقه º كأنّه هو الموهوب له والمسعيّ في حظّه. ومن هذا البذل تقديم الجهد العظيم لإنجاز حاجات المتربّي والإكثار من الهديّة ودعوات الطّعام والشّراب والحلوى على حالٍ لم يكن من قبل، والتّكلّف بالعطاء ولو فيه مشقّة ظاهرة كدعوته إلى مطعمٍ أسعاره مرتفعةñ أو إهدائه هدايا غالية، ومنحه هباتٍ نفيسةٍ مع فقر المربّي أو إعدامه، وكإباحة البيت للمتربّي يدخله متى شاء في حضوره وغيبته، والإذن له بالزّيارة في أيّ وقتٍ أراد، وإباحته مكتبته الخاصّة يستعير منها ما اشتهى من كتبٍ وأبحاثٍ وأشرطة وغيرها وبكمّيات كبيرةٍ.
وإذا تمكّن التعلّق من قلب المربّي يصبح البذل سؤالاً وتضرعاً كأنّه يأخذه من المتربّي، حتى إنه يبذل ماله وحظّه ونفسه دون متربّيه. ويصوّر هذا الحال الشّاعر بقوله:
ولي فِِؤادñ إذا لِجّ الِغِرام بِِه هام اشِتياقِاً إلى لِقيا معذّبه
يفديك بالنفس صبّ لو يكون به أعزّ من نفسه شيءñ فداك به.
وفي هذا المعنى يُقال:(( إنّ يد الأنس طويلة بكلّ ما بلغت، منبسطةً بكلّ ما أدركت، من حيث يد الحشمة قصيرة عن كلّ ما حمت، مقبوضة دون ما أمّلتº لأنّ باب القول مطلق لذوي الخصوص، محظور عند ذوي الهموم، ولتمكّöن ما بيننا عاطيتك من لطفي ما لا دونه قلّة، ثقة منك بأنّه يردّ على ما لا فوقه كثرة.))41. وللأمام أبي حامدٍ الغزاليّ –رحمه الله تعالى- في إحيائه إشارةñ فريدةñ في البذل والعطاء للمحبوب إذ يقول: (( وقد يكون الحبّ بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعضٍ، كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثöلثه أو في عöشره، فمقادير الأموال موازين المحبّة إذ لا تعرف درجة المحبوب إلاّ بمحبوبٍ يترك في مقابلته، فمن استغرق الحبّ جميع قلبه لم يبقَ له محبوبñ سواه فلا يمسك لنفسه شيئاً ))42.
(22) تغيّر أحوال المربّي، وبالأخصّ ما كانت من طبائعه تغيّراً ملفتاًº كأن يكون بخيلاً فيكرم، وقطوباً فيطلق، وغليظ الطّبع فيضحى ليّن الجانب، إلى غير ذلك من تحوّلات، ويبلغ التحوّل ذروته في حضرة المتربّي أو في حدود ما يمكن أن يعلم المتربّي عن حال مربّيه.
ويشير الشّاعر إلى شدّة تأثير الهوى عليه واصفاً أنّه غيّر فيه مالم تغييره الأيّام أو السّيف أو القلمº فيقول:
ألآن مني الهوى ما لا يليّنه صرف الليالي وبأس السّيف والقلم.
ويشتدّ التّأثير ويبلغ منتهاه حتى إنّ الأمور المختلفة من الجمادات والأحياء تتساوى مع المتربّيº فيمكنه أن يحبّ دياراً لم يكن يحبّها من قبل، وعلى استعداد أن يعتبر كلّ النّاس إخوانه ما دام في رفقة حبيبه ومتربّيه، وقد قيل:
كلّ الديار إذا فكرت واحدة مع الحبيب وكلّ الناس إخوان.
ويقرّر مصطفى الرّافعي في وحي القلم قوّة الحبّ ويده الطّولى على نفس المحبّ ونظرته إلى الأمور، وقابليّته للتغيير بالتّاليº فيقول: (( إنّ في هذا القلب الإنساني شرارة كهربائيّة متى انقدحت زادت في العين ألحاظاً كشّافة، وزادت في الحواسّ أضواءً مدركةº فينفذ العاشق بنظره وحواسّه جميعاً إلى حقائق الأشياء، فتكون له على النّاس زيادة في الرّؤية وزيادة في الإدراك يعمل بها عملاً فيما يراه وما يدركه، وبهذه الزّيادة الجديدة على النّفس تكون للدّنيا حالة جديدة في هذه النّفس،ويأتي السّرور جديداً، ويأتي الحزن جديداً أيضاً. ))43.
(23) تصديقه وإن كذَبº وهذه من العلامات البارزة والأمارات البيّنة، وبالأخصّ حينما يسمع دعواه مع غيره من المتربين في خصومةٍ أو شهادةٍ أو …غيره، فيحكم القلب ويسدر العقل في غيّهº ومردّ ذلك أنّ المتعلّق لا يرى عيوب من يتعلّق به. و لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبياتñ تفضح حكم الودّ والحبّº فيقول:
ولِست براء عِيب ذي الودّ كله ولا بِعض مِا فيه إذا كنِت راضيا
وعين الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةñ ولكنّ عين السخط تُبدي المساويا
إذا كِِِان الِمِِحبّ قلِِيِِل حِِِظٍّ فِِمِا حِِسِنِاتِه إلاّ عِِيِوبِِِِِِِِا.
وشبيه منه قول القائل:
وعين البغض تبرز كلّ عيبٍ وعين الحبّ لا تجد العيوبا.
ومما قاله المتنبّي موضحاً أنّ الهوى يتفرّد بالأحكام عند المحبّيين، حتّى إنّ المحبّ يستحسن كذب محبوبه:
تفرّد بالأحكام في أهله الهوى فأنت جميل الخُلْف مستحسن الكذب.44
(24) موافقته والدّفاع عنه إن ظَلَمَ أو أخطأº وهذه من أخطر العلامات وأوضحها، والظّلم فاضحñ لأهله، و الله عزّ وجلّ حرّمه على نفسه وعلى جميع مخلوقاته عامةً عاقلها وبهيمها. فنجد المربّي يحكم جوراً إن كان ذلك بقضاءٍ أو رأي مُغَيّباً العدالة والإنصاف، ناظراً بعين الرّضا والحبّ لا غير، ويبرّر لمتربّيه الأخطاء الجليّة ويتغاضى عنها حتى ما ظهر منها عياناً، فهو لا يرى ولا يسمع إلاّ من قلبه، وحتى لو كان الظّلم والخطأ في حقّ المربّي ذاتهº فالعذر مبسوط والذّنب مغفور. وممّا يؤثر عن العرب قولها: إنّ الهوى شريك العمى45.
ويؤكد هذه العلامة قول بشّار بن برد:
وما تُبصر العينان في موضع الهوى ولا تسمع الأذنان إلاّ من القلب.
وحال المربّي هنا يصوّرها الشّاعر بقوله:
أأتركِه والِقلب من فِرط حبّه أسيرñ بما تطوي عليه الأضالع
أأسمع فيه العذل والوجد حاكمñ فما يغنيني بالعذل ما أنا سامع
(25) الشّهادة له وإن جارº وهذه الشّهادة هي وليدة الظّلم وتغييب العقل وهيمنة العواطفº فترى المربّي يحابي متربّيه بالشّهادة حتى لو كان محقوقاً ظالماً، وهذه علامة تكشف المتعلّق وتسفر عن مكنونات النّفس والوجد.
(26) تمييزه تمييزاً واضحاً بتقليده الأعمال والمناصب التي ليس أهلاً لها و مع وجود الأكفياءº أو كتعينه أميراً على مجموعة أو نائباً عنه عند غيبته مع وجود الأكفاء مثله، و الإسراع في نقله من مرحلةٍ إلى التي بعدها، أو إعلامه بما لا يجب أن يعلمه من معلومات خاصّة، والإسرار له برأيه عن بعض المتربّين، وأخذ رأيه دون غيره، أو ككتابة الرّسائل والعبارات الخاصّة له، واستحسانه فعلاً يقبح من غيره، وصدق القائل:
ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا46
وصور التّمييز متنوعة ولعلّ جميع علامات التّعلّق السّابقة هي صور من صور التمييز. ولله درّ الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى -فمع صدق مودّته لتلميذه محمد بن عبدالحكم إلا أنّه آثر العدل على الهوىº فقد كان الإمام الشّافعي –رحمه الله تعالى- آخى محمّد بن عبد الحكم وكان يقرّبه ويُقبل عليه، ويقول: ما يُقيمني بمصر غيره. فاعتلّ محمّد فعاده الإمام الشّافعي -رحمه الله تعالى-، فقال:
مِرض الحبِيِب فعِدته فمرضت من حذري عليه
وأتِى الِحبيب يِعِودني فِبِرئِت من نِظري إليِه.
وظنّ النّاس لصدق مودتهما أنه يفوّض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشّافعي في علّته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمّد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال الشّافعي: سبحان الله أَيُشكُّ في هذا، أبو يعقوب البويطي؟! فانكسر لها محمّد ومال أصحابه إلى البويطي مع أنّ محمّداً كان قد حمل عنه مذهبه كلّه، لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع. فنصح الشّافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة ولم يؤثر رöضى الخلق على رضا الله تعالى 47.
وصدق الشّاعر حين قال:
صَرْفُ الهوى عن ذي الهوى عزيز إنّ الهوى ليس له تمييزُ.48
وفيه دلالة على أنّ وفرة الحبّ في القلب تبدّلها ليس بالأمر الهيّن.
والعلامات الأربع السّابقة من أوضح العلامات وأكثرها دلالة على وجود التّعلّق، وهي سلوكñ سلبيّñ جليّñ خطير، ونتيجة حتميّة لطاعة الهوى والانقياد لحكمه، وللفقيه الوزير العبّاسي ابن هبيرة الدوريّ نصيحة جليلة يؤكّد فيها خطر الشّهوات عموماًº فيقول: (( احذروا مصارع العقول عند التهاب الشّهوات ))49. وسُئöل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليسñ ممتعñ، وأليفñ مؤنسñ، أحكامه جائزة50، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنّفوس وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه.
وسُئلت أعرابيّة عن الهوى، فقالت: لا مُتّöع الهوى بملكه، ولا مُلّöي بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضدهº فإنه جائرñ لا يُنصف في حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصد في ظلم، ولا يرعوي للوم، ولا ينقاد لحقّ، ولا يُبقي على عقلٍ ولا فهمٍ، لو ملك الهوى وأُطيع لردّ الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها 51.
ويقول أبو الفتح البستيّ منبّهاً إلى نتيجة تحكّم الهوى بالإنسان:
من مدّ طرفاً لفرط الجهل نحو هوى أغضى عن الحقّ يوماً وهو خزيان.
وقد قال أحد الشّعراء عن شدّة بأس الحبّ:
ذو العشق يعميه الهوى ويُصمّه فيصير فيه العبد وهو السيّد.
وقال سعيد بن حميد في حكم الحبّ:
ولم أرَ مثل الحبّ أسقم ذا الهوى ولا مثل حكم الحبّ كيف يجور.52
ومن أروع ما يحتجّ به لذنب الحبيب قول القائل:
وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيعö.
وأبدع الإمام ابن القيّم – رحمه الله تعالى - حين قال: (( إنّ القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسناً منه ومن معشوقه، كما في (المسند) مرفوعاً: }حبّك الشيء يعمي ويُصمّ {53، فهو يُعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، والرّغبات تستر العيوب، فالرّاغب في الشّيء لا يرى عيوبه، حتّى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه، فشدّة الرّغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشّيء على ما هو به، كما قيل:
هويتك إذ عيني عليها غشاوة فلمّا انجلت قطّعت نفسي ألومها.
والدّاخل في الشّيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه، ولا يرى عيوبه إلاّ من دخل فيه ثمّ خرج منه، ولهذا كان الصّحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيراً من الذين وُلدوا في الإسلام. قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: (( إنّما تنتقض عُرى الإسلام عروة عروة، إذا وُلد في الإسلام من لم يعرف الجاهليّة)).(54)
ومن لطيف ما قيل أيضاً في تأثير الحبّ، قول الشّاعر:
أبِِى حِبِِّكِم إلاّ مِلازمِة الِقِلِِِِب فِأهِلاً بِه يِا حِبِّذا هِو مِن حِِبّ
رمِيِت لِكِم نفِسِي فِهِذا زمِامها خِذوه إليكم واحملِوهِا مع الركب
مِحاسِنكِم غطّت على بصري فِمِا أمِيِل بِنِفِسي نحو لوم ولا عتب
إذا لِم يِِكِن ذنبي سِوى أنِّني لِكم محبّ ومشتاق فلا تبت من ذنبي.55
ويروى أنّه كتب رجلñ إلى صديقٍ له: الله يعلم أنّي أحبّك لنفسك فوق محبّتي إياك لنفسي، ولو أنّي خيّرت بين أمرين: أحدهما لي وعليك والآخر لك وعليّ، لآثرت المروءة وحسن الأحدوثة بإيثار حظّك على حظّي، وإنّي أحبّ وأبغض لك، وأوالي وأعادي فيك 56.
· وإذا استحكم سلطان التعلّق وتمكّنº فقد نجد من العلامات:
(27) غلبة الشّرود الذّهني (السّرحان) وحديث النّفس (أحلام اليقظة )º إذ يكون للمربّي عالمه الفكريّ والنّفسيّ الخاصّ الذي يختلي فيه باستمرار، فغالباً ما يُرى مطرقاً منهمك التّفكير شارد الذّهن، ويقضي في ذلك الوقت الطّويل، ومن يتأمله يظنّ أنّ هموماً طباقاً نزلت قلبه حتى لا يستطيع لها فكاكاً.
كما أنّه يطيل التّأمّل بالمتربّي وأحواله وصفاته أو لقاءاتهما السّابقة وما جرى فيها من أحاديث وتقييمه لها، والتّحضير للقاءات القادمةº فيتخيّل وكأنّه يجلس اللحظة مع متربّيه ويحدّثه ويناجيه ويسامره ويتصوّر المتربّي وابتسامته وأدبه، أو استحظاره لذكرياتهما بما فيها من عذبٍ وأجاجٍ.
إنّها خلوة عزيزة على نفس المربّي، فكلّما حيل بينه وبين الظّفر بمتربّيه وجد في حديثه مع نفسه والإبحار مع الأحلام والذّكريات نعم الملجأ والعوض. والبعض لا ينام الليل وهو يحدّث نفسه وحديثñ يفضي لآخر.
(28) البكاء º والبكاء من علامات التّعلّق بالآخر، والنّاس يتفاضلون بهº فمنهم غزير الدّمع ومنهم عزيزه. وهو تعبيرñ لا يسلكه الجميع، ومع أنّه رسالة بادية الضّعف إلا أنّه أمارة حبٍّ لا مراء فيها. ويكون البكاء غالباً حين يختلي المربّي بنفسه وذكرياتهº فيتذكّر متربّيه وصفاته السّنيّة وكلامه وحركاته والأنس به وعذب حديثهº فتجود العينان بالعبرات، وإن بلغ التّعلّق مبلغه فيمكن أن يكون البكاء في حضرة الغير، وكما قيل: إذا قرح الجنان بكت العينان57، وفي ذلك يُقال:
|
دليل الأسى نارñ على القلب تلفح |
|
ودمعñ على الخدّين يحمي ويسفح |
|
إذا كِتِم المشِغِوف سِرّ ضِلِوعِه |
|
فإنّ دموع العين تُبدي وتفضح |
|
إذا ما جنون العين سالت شؤونها |
|
فِفِي القِلِب داءñ للغِرام مبرّح. |
ويقول الإمام ابن القيّم الجوزيّة مقرراً أنّ الحبّ يُبكّي العين ((إنّ من أحبّ شيئاً غير الله عُذّöبَ به، كما قيل:
فما في الأرض أشقى من محبّ وإن وُجد الهوى حلوَ المذاق
تِراه بِاكِيِِاً فِي كِِلّ حِِِيِِِِنٍ مخِِافِة فِرقِة أو لاشِتِيِاق
فِيِبِكي إن نِأوا شِوقِِاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق
فِتِسخن عِيِنِه عِنِد الِِفِراق وتسِخن عينِِه عند التّلاقي.
والعشق وإن استعذبه صاحبه، فهو من أعظم عذاب القلب. حتّى أنّه يبدّل الحال ويبكي العين خوفاً وشوقاً))58.
ووافقه الشّاعر حين قال:
شِوقñ أضِرّ بمهِجِة الأشِواق فجرت سوابق عبرة الأشواق
لِعبت يد العِِبرات في وجِناته وكِذا به لعبِت يد الأشِواق.59
ومن جميل ما يُقال في أنّ البكاء يفضح ما في القلب ويظهره:
ظهر الهوى مني، وكنت أُسرّه والِحبّ يكتمِه المِحبّ فيظهر
زعمت دموعي أنّها لا تنقضي حتى تبوح بما أُسِرّ وأُضِمِِر.60
(29) الانشغال والإعراض عن بقيّة المترّبين والضّيق بهمº فإنّك تلمس أنّ اهتمامه منصبّñ على متربّيه منشغل به معرض عن غيره، فهو جمامة البال وراحة النّفس وسلو اليوم، فإن حضر ما فقد من غاب عنه، وصوّر الطّائيّ هذه العلامة فقال:
إذا جئِت لِم أحِزن لبعِد مفِارق وإن غبت لم أفرح بقرب مقيم
فيا ليتني أفديك من غربة النّوى بكِِلّ أخ لِِي واصِِل وحِمِيِم.
وأصل هذا – والله أعلم - من قول مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: (( ما أشتاق للغائب إذا حضرت، ولا أنتفع بالحاضر إذا غبت. ))61.
ويشعر بقيّة المتربّين بأنّ شيخهم يميّز ذلك المتربّي عنهم، و أنّه بوجود الحبيب لا يحفل بهم ولا يأنس بوجودهم ويعاملهم بلا روحٍº فيغدو التّناجي فيما بينهم ديدنهم ، والشّكوى لغيرهم من متربّين ومربّيين سلاحهم، ولسان حالهم هو قول الشّاعر:
فيالك بحراً لم أجد فيه مشرباً على أنّ غيري واجدñ فيه مسبحاً62
(30) استدعاء سماع اسم المتربّي، واستلذاذ الكلام في أخباره وعن ذكرياتهماº فمن أحبّ شيئاً أطال ذكره، كما يذكر المؤمن ربّه سبحانه وتعالى في كلّ حالٍ، وصدق القائل:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب.
وترى المربّي مستلذّاً مستمتعاًً بالحديث عن المتربّي وصفاته وإيجابيّاته، بل هو يطلب الحديث عن المحبوب طلباًº إذ الحديث عنه هدفñ يرتجى للمربّي، ويقول عمر بن الفارض:
أدöرْ ذكِِر مِن أهِِوى ولِِو بملام فِإنّ أحِاديِث الحبِيِب مرامي.
ومن أشهى الحديث وأعذبه عند المربّي الكلام عن ذكرياته مع المتربّيº ففي ذلك تجديدñ للهوى، وأشار إلى ذلك أبو الطّيّب المتنبّي حين مدح الحسين بن علي الهمدانيº فقال:
أُسرُّ بتجديد الهوى ذكر ما مضى وإن كان لا يبقى له الحجر الصّلد.63
(31) ومنها علاماتñ متضادةñ، وهي تحتاج للخبير والمتفحصّº إذ لا تبدو للوهلة الأولى أنّها علامة حبٍّ وتعلّق، بل نفورٍ وصدودٍ، وهي على قدر الدّواعي والعوارض الباعثة، والأسباب المحرّكة، والخواطر المهيّجة، والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادّها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها، تشابهت، قدرةñ من الله تضلّ فيها الأوهامº فهذا الثّلج إذا أُمن حبسه في اليد فَعَلَ فöعْلَ النّار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغمّ إذا أفرط قتل، والضّحك إذا كثُر واشتدّ سال الدّمع من العينين، وهذا في العالم كثير.
فنجد المحبّين إذا تكافيا في المحبّة وتأكّدت بينهما تأكّداً شديداً، أكثر بهما جدّهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمّداً، وخروج بعضهما على بعضٍ في كلّ يسيرٍ من الأمور، وتتّبع كلّ منهما لفظةً تقع من صاحبه، وتأولها على غير معناها، كلّ هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كلّ واحدٍ منهما لصاحبه.
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادّة المتولّدة عن الشّحناء و التّشاجر سرعة الرّضاº فإنّك بينما ترى المحبيّن قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا يُقدّر أبداً، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصّحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت الواحد مراراً.
وإذا رأيت هذا من اثنين، فلا يخالجك شكّñ ولا يدخلنَّك ريبñ البتّة، ولا تتمار في أنّ بينهما سرّاً من الحبّ دفيناً، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف. ودونكها تجربة صحيحة وجيزة صادقة، هذا لا يكون إلاّ عن تكلّفٍ في المودّة وائتلافٍ صحيحٍ، وقد رأيته كثيراً 64.
ويؤيّده قول علي بن عبيدة الرّيحاني: العتاب حدائق المتحابّين، وثمار الأودّاء، ودليل الظنّ، وحركات الشّوق، وراحة الواجد، ولسان المشفق. وقال بعض الكتّاب: العتاب علامة الوفاء، وخاصة الجفاء، وسلاح الأكفاء 65.
(32) ومن أشدّ العلامات: الجهر بحّبه والمرض لمرضه والفرح لفرحه وحبّ من يحبّ وبغض من يبغضº بحيث يوافقه موافقةً، ولو بلغ ذلك التطبّع بخلاف الطّباع. وقلّة النّوم، والتوجّع وعدم الاهتمام بالعذول والنّاصحين. وفي وصف حال من استحكم سلطان التعلّق في نفوسهم يقول الشّاعر:
فِمِنِِهِِم كِِاتِِم مِحِبِتِِِِِِه قِد كفّ شِكِوى لسِانِه وقِطع
ومِِنِهِِم بِِائِحñ يِقِِِِِول إذا لام عِِِِِذول ذرö الِِِِمِلام ودع
أليِِس قِلِبي مِحِلّ مِحِنِتِه وكِيف يخفِى ما فيه وهِو قِطع
أيِن المحِبِّون والمحِِِب لهم وأيِن مِن شِتِّت الهِوى وجمع
لِهِم عيِون تبِكي فوا عِِجباً لِجِفِِن صِِبّ إذا هِمِِا ودمِع
قِد حِِرّمِوا النوم والِمتيّم لا هجِوعِِاً إذا الِِخِِلِِِيّ هِِجِِع
بِالِبِاب يبِِكِون والبِِكاء إذا كِِِان خِِلِيِِاً مِن النّفِاق نفِع
تشِفِع فِيهِم دمِوعِهِم وإذا شِِفِع دمِع المتِيِمِِيِن شفع.66
ومن هذه العلامات – أيضاً- اضطرابñ يبدو على المربّي عند رؤية من يشبه متربّيه، أو عند سماع اسمه فجأةً. والانبساط الكثير الزّائد، والتّضايق الزّائد لغير سبب جديرٍ بذلك. والميل بالاتّكاء، وتعمّد لمس اليد عند المحادثة أو لمس ما أمكن من الأعضاء الظّاهرة، أو إظهار أنّ اللمس غير مقصود إنّما هي زلقة يدٍ على غير انتباهٍ، ومنها الضمّ والتّقبيل، أو القرب الزّائدº فترى المربّي يتعمّد الدّنو من المتربّي بجسمه أو وجهه حتّى إنّه ليسمع لسع أنفاسهº وطلباً لذلك يمكن أن يطلب المربّي من متربّيه إعانةً في رفع منضدةٍ أو تسوية كرسيٍّº فيدنو بذلك منه حتى يكاد يلمسه. وشمّ رائحة جسمه، وإنّها لأفتن من كلّ عطور الدّنيا وطيبها، واستلام ولمس وشمّ كلّ ما يلامسه كقلمٍ أو كرسيٍّ وغير ذلك، وقد يصل الأمر إلى الوقوع بالفواحش.
ويُذكر من أشدّها الموت لموته، وممّا يدلّ على هذا ما أثبت في مصارع العشّاق من أنّ أبا حمزة قال: (( رأيت مع محمّد بن قطن الصّوفي غلاماً جميلاً، فكانا لا يفترقان في سفرٍ ولا حضر، فمكثا زمناً طويلاً، فمات الغلام، وكمد عليه محمّد بن قطن حتى عاد جلداً وعظماً. فرأيته يوماً وقد خرج إلى المقابر، فاتّبعته، فوقف على قبره قائماً يبكي، وينظر إليه والسماء تمطر بالمطر، فما زال واقفاً من وقت الضّحى إلى أن غربت الشّمس لم يبرح ولم يجلس ويده على خدّه، فانصرفت عنه، وهو كذلك واقفاً. فلمّا كان من الغدّ، خرجت لأعرف خبره وما كان من أمره، فصرت إلى القبر، فإذا هو مكبوبñ لوجهه ميّت، فدعوت من كان بالحضرة فأعانوني على حمله، فغسّلته وكفّنته في ثيابه ودفنته إلى جانب القبر. ))(67).
وأبلغ العلامات وأشدّها على الإطلاق الموت لفراقه أو بعده، وممّا أثبته مصطفى المنفلوطي في نظراته قوله: (( وشقاء سعد الورّاق بحبّ عيسى النّصرانيّ، حينما علم أنّ أهله قد بنوا له ديراً بنواحي الرقّة، ليترهّب فيه، ويحتجب عن النّاس، فضاقت عليه الدّنيا بما رحبت، وأحرق بيته، وفارق أهله وإخوانه، ولزم صحراء الدّير علّه يجد السّبيل إلى الوصول إليه، فامتنع عليه ذلك بعد ما ذلّ للرّهبان، وتخضّع، وتأتّى لهم بكلّ سبيل فلم يُجدöه ذلك شيئاً، فصار إلى الجنون، وحرق ثيابه، وأصبح عرياناً هائماً لا شأن له إلا أن يقف بكلّ طائرٍ يراه على شجرة، فيناشده الله أن يبلّغ رسائله إلى عيسى، حتى رآه بعض النّاس في بعض الأيام ميّتاً إلى جانب الدّير.))68.