سبق أن ذكرنا في مبحث "غرس الأصول النفسية النبيلة" أن الإسلام أقام قواعد التربية الفاضلة على أصول نفسية تتصل بالعقيدة، وترتبط بالتقوى.. لتتم التربية الاجتماعية لدى الفرد على أنبل معنى، وأكمل غاية.. حتى ينشأ المجتمع على التعاون المثمر، والترابط الوثيق، والأدب العالي، والمحبة المتبادلة، والنقد الذاتي البنّاء..
وكنا ألمحنا إلى أن من أميز الأصول التي يجب أن يقوم التعامل الاجتماعي على أساسها هي: عقيدة الإيمان والتقوى، وفضيلة الأخوة والمحبة، ومبادئ الرحمة والإيثار والحلم.. وخُلق الإقدام والجرأة في الحق..
وكنا أكدنا أن المربين جميعاً إذا لم يرسخوا هذه الأصول النفسية في نفوس أطفالهم منذ الصغر.. فإنهم – ولا شك – سيسيرون في المجتمع في طريق الشذوذ والانحراف.. بل يكونون أداة هدم وإجرام وتخريب لكيان المجتمع وتماسكه.. وإذا شبّوا على هذا الفساد والانحراف.. لا ينفع معهم توجيه ولا تربية ولا إصلاح!!..
فالذي نخلص إليه بعد هذه التقدمة أن مراعاة حقوق المجتمع متلازمة كل التلازم مع الأصول النفسية النبيلة، بل بعبارة أوضح أن الأصول النفسية معنى، وأن مراعاة حقوق المجتمع مظهر، وإن شئت فقل: الأولى روح، والثانية جسم، فلا يمكن استغناء الأولى عن الثانية بحال.. وإلا كان الخلل والفوضى والاضطراب..
ولكن ما هي أهم هذه الحقوق الاجتماعية التي يجب أن نرشد الولد إليها، وننشئه عليها، ونأمره بها.. حتى يعتاد عليها ويقوم بأدائها خير قيام؟..
أهم هذه الحقوق هي:
1- حق الأبوين. 2- حق الأرحام.
3- حق المعلم. 4- حق الرفيق.
5- حق الكبير.
ولنتكلم عن كل حق من هذه الحقوق بشيء من التفصيل، ليقوم المربي على غرسها وترسيخها في الولد منذ نشأته وعلى الله التكلان، وهو المستعان:
1- حق الأبوين:
إن من أهم ما يجب أن يحرص المربي عليه تعريف الولد بحق والديه عليه، وذلك ببرّهما وطاعتهما والإحسان إليهما والقيام بخدمتهما، ورعاية شيخوختهما، وعدم رفع الصوت فوق صوتهما، والدعاء لهما بعد مماتهما.. إلى غير ذلك من هذه الحقوق الواجبة، والآداب الأبوية اللازمة..
وهذه طائفة من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في برّ الوالدين، فعلى الآباء والمربين أن يعلّموها أولادهم منذ الصغر حتى يأخذوا بها، ويعملوا على إرشاداتها.
(أ) رضى الله في رضاهما: روى البخاري (في الأدب المفرد) عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "ما من مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين – يعني من الجنة – وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه، قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه".
- وجاء في سبُل السلام – عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين".
(ب) برهما مقدم على الجهاد في سبيل الله: روى البخاري عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد، قال: "لك أبوان"؟ قال نعم، قال: ففيهما فجاهد.
- وروى أحمد والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت أستشيرك، فقال: "هل لك من أم"؟ قال نعم، قال: "الزمها فإن الجنة عند رجليها".
- وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: أقبل رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: "فهل من والديك أحد حيّ"؟ قال: بل كلاهما قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما".
(ج) من البر الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما: امتثالا لأمر الله تبارك وتعالى: {واخفضْ لهما جناح الذّل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً} الإسراء: 24.
- وروى البخاري في (الأدب المفرد) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ترفع للميت بعد موته درجته فيقول: أيّ ربيّ أي شيء هذا؟ فيقول له: ولدك استغفر لك".
- وروى أبو داود وابن ماجة والحاكم عن مالك بن ربيعة قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقي علي من برّ أبوي شيء أبرّهما به بعد وفاتهما؟ قال: نعم، "الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما".
هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – يضرب لنا المثل الصالح في الولد الصالح البار، ويروي لنا عبد الله بن دينار ذلك فيقول: - كما روى مسلم في صحيحه – أن عبد الله بن عمر لقيه رجل بطريق مكة فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودّاً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أبرّ البر صلة الرجل أهل ودّ أبيه".
- وجاء في (مجمع الزوائد) عن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من البر أن تصل صديق أبيك".
(د) تقديم الأم بالبرّ على الأب: لما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: "أمك. قال ثم مَنْ؟ قال: أمك. قال: ثم مَنْ، قال: أمك. قال ثم مَنْ؟ قال: أبوك".
- وروى ابن كثير في تفسيره عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها؟ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة".
وجاء في (مجمع الزوائد) عن بريدة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني حملتُ أمي على عنقي فرسخين في رمضاء شديدة لو ألقيت فيها بضعة لحم لنضجت فهل أديت شكرها؟ فقال: "لعله أن يكون لطلقة واحدة".
والإسلام قدم الأم بالبر على الأب لسببين:
الأول: أن الأم تعاني بحمل الولد وولادته وإرضاعه والقيام على أمره وتربيته أكثر مما يعانيه الأب، وجاء ذلك صريحاً في قوله تبارك وتعالى:
{ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهْناً على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير} لقمان: 14.
وقبل قليل سمعنا قول الرجل الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم إني حملت أمي على عنقي.. فهل أديت شكرها؟ وسمعنا – جوابه عليه الصلاة والسلام - :"لعله أن يكون لطلقة واحدة".
ومن طرائف ما يذكر في هذا أن رجلا سمع أعرابيا حاملا أمه في الطواف وهو يقول:
إني لها مطية لا أذعر إذا الركاب نفرت لا أنفر
ما حملَتْ وأرضعتني أكثرُ الله ربي ذو الجلال أكبرُ
ثم التفت إلى ابن عباس وقال: أتراني قضيت حقّها؟
قال: لا والله ولا طلقة من طلقاتها.
الثاني: أن الأم – بما جُبلت عليه من عاطفة وحب وحنان – أكثر رحمة وعناية واهتماماً من الأب .. فالولد قد يتساهل في حق أمه عليه لما يرى من ظواهر عطفها ورحمتها وحنانها.. لهذا جاءت الشريعة الغراء موصية الولد بأن يكون أكثر برّاً بها، وطاعة لها.. حتى لا يتساهل في حقها، ولا يتغاضى عن برها واحترامها وإكرامها..
وما يؤكد حنان الأم وشفقتها أن الولد مهما كان عاقّاً لها، مستهزئاً بها، معرضاً عنها.. فإنها تنسى كل شيء حين يصاب بمصيبة، أو تحل عليه كارثة..
ذكر أبو الليث السمرقندي عن أنس – رضي الله عنه - :"أن شابّاً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمى علقمة، فمرض واشتد مرضه، فقيل له: قل لا إله إلا الله فلم ينطق لسانه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: هل له أبوان؟ فقيل: أما أبوه فقد مات، وله أم كبيرة، فأرسل إليها، فجاءت، فسألها عن حاله فقالت: يا رسول الله كان يصلي كذا وكذا، وكان يصوم كذا وكذا، وكان يتصدق بجملة دراهم ما ندري ما وزنها وما عددها؟ قال: فما حالك وحاله؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة واجدَة، قال لها: ولمَ ذلك؟ قالت: كان يؤثر عليّ امرأته ويطيعها في الأشياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سخط أمه حجب لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله".
ثم قال: يا بلال، انطلق واجمع حطباً كثيراً حتى أحرقه بالنار، فقالت يا رسول الله! ابني وثمرة فؤادي تحرقه بالنار، بين يدي؟! وكيف يحتمل قلبي ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسرّك أن يغفر الله له فارضي عنه؟ فوالذي نفسي بيده لا ينتفع بصلاته ولا بصدقته ما دمتö ساخطة، فرفعت يدها وقالت: أُشهöد الله تعالى في سمائه، وأنت يا رسول الله ومن حضر أني قد رضيت عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال، انطلق فانظر هل يستطيع علقمة أن يقول: لا إله إلا الله فلعل أمه قد تكلمت بما ليس في قلبها حياء من رسول الله، فانطلق بلال، فلما انتهى إلى الباب سمعه يقول: لا إله إلا الله ومات من يومه وغُسّل وكفن، وصلّى النبي عليه الصلاة والسلام عليه، ثم قام على شفير القبر، وقال: يا معشر المهاجرين والأنصار من فَضَّل زوجته على أمه فعليه لعنة الله، ولا يقبل منه صرفأن أن ال
ولا عَدل" وروى الحديث بلفظ آخر الطبراني وأحمد.. لهذين السببين كان بر الأم مقدماً على بر الأب..
ألا فليعلم المربون هذا، ليقوموا بمهمتهم الكبرى في تلقين الولد حقيقة البر، والعطف على الأم، والعناية بها، والقيام بحقها!!..
(هِ) آداب البر بالأبوين: على المربين أن يلقنوا الأولاد هذه الآداب السلوكية مع آبائهم وأمهاتهم وهي مرتبة كما يلي: ألا يمشوا أمامهم، وألا ينادوهم بأسمائهم، وألا يجلسوا قبلهم، وألا يتضجروا من نصائحهم، وألا يأكلوا من طعام ينظرون إليه، وألا يَرقُوا مكاناً عالياً فوقهم، وألا يخالفوا أمرهم..
والأصل في مراعاة هذه الآداب قوله تبارك وتعالى:
{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً} الإسراء: 23-24.
وقوله عليه الصلاة والسلام:
- "ما برّ أباه من سدّد إليه الطرق بالغضب" (مجمع الزوائد ج: 8).
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ومعه شيخ فقال له: يا هذا! من هذا الذي معك؟ قال: أبي، قال: فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، وتَدْعُهُ باسمه، ولا تستسب له (مجمع الزوائد ج: 8).
وهذه طائفة من أخبار السلف في التزام هذه الآداب مع آبائهم:
· ذكر صاحب عيون الأخبار هذا الخبر: قيل لعمر بن زيد: كيف برّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهاراً قط إلاّ وهو خلفي، ولا ليلا إلاّ مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته.
· وذكر صاحب (مجمع الزوائد) هذه القصة: عن أبي غسان الضبيّ قال: خرجت أمشي مع أبي بظهر الحرة، فلقيني أبو هريرة فقال: من هذا؟ قلت: أبي، قال: لا تمش بين يدي أبيك ولكن امش خلفه أو إلى جانبه، ولا تدع أحداً يحول بينك وبينه، ولا تمش فوق أجّار (سطح) أبيك. ولا تأكل عَرْقاً قد نظر أبوك إليه لعلّه اشتهاه.
· ومما جاء في (عيون الأخبار): قال المأمون رحمه الله: لم أر أحداً أبرّ نم الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مسخن، وهما في السجن، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة. فقام الفضل – حيث أخذ أبوه يحيى مضجعه – إلى قمقم كان يسخن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من نار المصباح، فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح. فعل كل هذا برّاً بأبيه ليتوضأ بالماء الساخن.
· وحضر صالح العباسي مجلس المنصور مرة، وكان يحدثه، ويكثر من قوله: (أبي رحمه الله)، فقال له حاجبه الربيع: لا تكثر من الترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين، فقال: لا ألومك فإنك لم تذق حلاوة الآباء، فتبسم المنصور وقال: هذا جزاء من تعرض لبني هاشم.
· وروى ابن حبان في صحيحه: أن رجلا أتى أبا الدرداء، فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوّجني، وإنه الآن يأمرني بطلاقها؟ قال: ما أنا الذي آمرك أن تَعُقّ والديك، ولا بالذي آمرك أن تطلّق امرأتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو دَعْ". قال: فأحسب عطاء قال: فطلّقها.
وفي رواية ابن ماجة والترمذي أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: ان لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها؟، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضعْ هذا الباب أو احفظه.
· وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت، فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلقها".
(و) التحذير من العقوق: العقوق معناه العصيان والمخالفة وعدم أداء الحقوق.. فمن العقوق أن ينظر الولد إلى أبيه نظرة شزر عند الغضب، ومن العقوق أن يعتبر الولد نفسه مساوياً لأبيه.
ومن العقوق أن يتعاظم الولد عن تقبيل يديْ والديه، أو لا ينهض لهما احتراماً وإجلالاً.
ومن العقوق أن يستحوذ الغرور على الولد فيستحي أن يعُرّف بأبيه لا سيما إذا كان الولد في مركز اجتماعي مرموق.
ومن العقوق ألا يقوم الولد بحق النفقة على أبويه الفقيرين فيضطرهما إلى إقامة الدعوى عليه ليلزمه القاضي بالإنفاق عليهما.
ومن أكبر العقوق أن يتأفف الولد من أبويه ويتضجر منهما ويعلو صوته عليهما، ويقرّعهما بكلمات مؤذية جارحة، ويجلب الإهانة لهما، والمسبة لشخصهما.
فلا عجب أن يحذّر عليه الصلاة والسلام من العقوق، وأن يبين ما للعاق من الإثم والوزر وحبوط العمل، والانتقام في العاجلة والآجلة:
- روى البخاري ومسلم عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثاً)؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور.. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت (رحمة به وإشفاقاً عليه)".
- وروى أحمد والنسائي والبزار والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حرّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: "مُدمن الخمر، والعاق لوالديه، والدّيوث الذي يُقّر الخبث في أهله".
- وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قال: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه! قال: نعم يسبّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه".
- وروى أحمد وغيره عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، قال: "لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرّقت، ولا تعُقّنّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك...".
- وروى الحاكم والأصبهاني عن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل الذنوب يؤخر الله ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات".
- وسبق أن ذكرنا حديث علقمة في بحث (تقديم الأم على الأب في البر) فارجع إليه لترى نتيجة من يعق والديه.
- وروى الأصبهاني وغيره عن أبي العباس الأصم عن العوّام بن حوشب رضي الله عنه قال: نزلت مرة حيّاً، وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج رجل رأسه رأس حمار، وجسده جسد إنسان، فنهق ثلاث نهقات، ثم انطبق عليه القبر، فإذا عجوز تغزل شعراً أو صوفاً، فقالت امرأة: ترى تلك العجوز؟ قلت: مالها؟ قالت: تلك أم هذا، قلت: وما كانت قصته؟ قالت: كان يشرب الخمر فإذا راح تقول له أمه: يا بنيّ اتق الله إلى متى تشرب هذه الخمر، فيقول لها: إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار، قالت: فمات بعد العصر، قالت: فهو ينشق عنه القبر بعد العصر كل يوم، فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر.
***
هذه هي أهم الأسس التي يجب على المربي أن ينشّئ ولده عليها، ويلقنه إياها حتى يتدرج الولد على البر، ويفهم منذ نعومة أظفاره حق الأبوين..
وإذا كان الولد منذ الصغر يقوم بهذا الحق على الوجه الصحيح الذي يريده الإسلام، فإن قيامه بالحقوق الأخرى من أرحام وجيران ومعلمين.. يكون أرغب وآكد.. لأن فضيلة بر الوالدين هي منبع الفضائل الاجتماعية جميعاً، فمن السهل على الولد الذي تَربّى على البر واحترام الأبوين.. أن يتربى على احترام الجار، واحترام الكبير، واحترام المعلّم، واحترام الناس جميعاً..
لهذا كله – كان تركيزي في البحث على الوالدين أكثر من أي حق من الحقوق الاجتماعية التي سيأتي التفصيل عنها.. ذلك لأن فضيلة البر بالأبوين هي أُسّ الفضائل جميعاً، بل هي منطلق لكل حق في هذا الوجود!!...
فاستنتاجاً مما ذُكر بين يدي المربي أهم التوجيهات التي يجب أن يلقن عليها الولد:
1- إطاعة الأم والأب في كل ما يأمران به الولد إلا المعصية.
2- مخاطبتهما بلطف وأدب.
3- النهوض لهما إذا دخلا عليه.
4- تقبيل يديهما صباحاً ومساء وفي المناسبات.
5- المحافظة على سمعتهما وشرفهما ومالهما.
6- إكرامهما وإعطاؤهما كل ما يطلبان.
7- مشاورتهما في كل الأعمال والأمور.
8- الإكثار من الدعاءس والاستغفار لهما.
9- إذا كان عندهما ضيف فالجلوس بقرب الباب، ومراقبة نظراتهما لعلهما يأمران بشيء خöفْية.
10- العمل على ما يسرهما من غير أن يأمرا الولد به.
11- عدم رفع الصوت عالياً أمامهما.
12- عدم مقاطعتهما أثناء الكلام.
13- عدم الخروج من الدار إذا لم يأذنا.
14- عدم ازعاجهما إذا كانا نائمين.
15- عدم تفضيل الزوجة والولد عليهما.
16- عدم لومهما إذا عملا عملاً لا يعجبك.
17- عدم الضحك بحضرتهما إذا لم يكن ثمّة موجب للضحك.
18- عدم تناول الطعام مما يليهما.
19- عدم مد اليد إلى الطعام قبلهما.
20- عدم النوم والاضطجاع وهما جالسان إلا إذا أذنا بذلك.
21- عدم مد الرجلين أمامهما.
22- عدم الدخول قبلهما، أو المشي أمامهما.
23- تلبية ندائهما بسرعة في حال ندائهما.
24- إكرام أصحابهما في حياتهما وبعد موتهما.
25- عدم مصاحبة إنسان غير بارّ بوالديه.
الدعاء لهما ولا سيما بعد الموت فإنهما ينتفعان به، والإكثار من قوله تعالى: {رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} الإسراء: 24.