ومن القواعد التي وضعها الإسلام في تربية الولد اجتماعياً تعويده منذ نعومة أظفاره على آداب اجتماعية عامة، وتخليقه على مبادئ تربوية هامة.. حتى إذا شب الولد عن الطوق، وتدرّج في سني الطفولة. وأصبح يدرك حقائق الأشياء.. كان تعامله مع الآخرين في غاية البر والإحسان. وكان سلوكه في المجتمع في منتهى المحبة والملاطفة، ومكارم الأخلاق..
ولا شك أن هذه الآداب الاجتماعية التي سأفصّöل عنها في هذا المبحث.. مرتبطة كل الارتباط ببحث: (غرس الأصول النفسية) الذي فصلنا عنه في أول هذا الفصل. لأن التعامل الاجتماعي. أو التزام الآداب العامة حينما يقوم على عقيدة الإيمان والتقوى، ومبادئ الأخوة والرحمة، ومكارم الإيثار والحلم.. فإن تربية الولد الاجتماعية تبلغ مراتبها العالية، وغاياتها المثلى.. بل يظهر الولد في سلوكه وأخلاقه وتعامله في المجتمع على أحسن ما يظهر به إنسان سويّ، وعاقل ذكي، وامرؤ حكيم، ورجل متوازن..
وهذا ما حرص عليه الإسلام في وضع المناهج التربوية لتكوين الولد خُلُقياً، وإعداده سلوكياً واجتماعياً.
وإذا كنا نضع لكل مبحث في التربية الاجتماعية خطوطاً عريضة توضح للمربين السبيل، وتنير لهم الطريق.
فإن الخطوط العريضة الهامة لهذا المبحث هي كما يلي:
1- أدب الطعام والشراب. 2- أدب السلام.
3- أدب الاستئذان. 4- أدب المجلس.
5- أدب الحديث. 6- أدب المزاح.
7- أدب التهنئة. 8- أدب عيادة المريض.
9- أدب التعزية. 10- أدب العطاس والتثاؤب.
وإن شاء الله فسأتكلم عن كل أدب من هذه الآداب الاجتماعية بشيء من التفصيل، ليقوم المربي على غرسها وتعميقها في الولد، وعلى الله التكلان، وهو المستعان:
1- أدب الطعام والشراب:
للطعام آداب على المربي أن يعلمها الولد، ويرشده إليها، ويلاحظه في أمر تطبيقها، وهي على الترتيب التالي:
(أ) غسل اليدين قبل الطعام وبعده:
لما روى أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".
(ب) التسمية في أوله والحمد في آخره:
لما روى أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وأخره".
وروى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل وشرب قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين).
(ج) ألاّ يعيب طعاماً قدم إليه:
لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط: إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه".
(د) أن يأكل بيمينه ومما يليه:
لما روى مسلم عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنتُ غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفَة (تتحرك في الإناء)، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام سَمّö الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك".
(هِ) ألا يأكل متكئاً:
لما فيه من الضرر الصحي وظواهر الكöبر، روى البخاري عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا آكل متكئاً".
وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مُقْعöياً يأكل تمراً".
(و) يستحب التحدث على الطعام:
لما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأُدُم، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: نعم الأُدُم الخل، نعم الأدم الخل".
وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتحدث إلى أصحابه وهو يأكل على المائدة في أكثر من مناسبة.
(ز) يستحب أن يدعو لمضيفه إذا فرغ من الطعام:
لما روى أبو داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز زيت فأكل، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة".
(ح) ألاّ يبدأ بالطعام ويوجد من هو أكبر منه:
لما روى مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه قال: "كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده".
(ط) ألاّ يستهتر بالنعمة:
لما روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاماً لَعöقَ أصابعه الثلاث. وقال إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها ولْيُمöطْ عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. وأمرنا أن نسلُت القصعة، وقال: (إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة).
أما آداب الشراب فهو كما يلي:
(أ) استحباب التسمية والحمد والشرب ثلاثا:
لما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا واحداً كشرب البعير. ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدَوا إذا أنتم رفعتم". أي انتهيتم من الشرب.
(ب) كراهية الشرب من فم السقاء:
لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُشْرَب مöنْ فيّ السقاء أو القربة (أي فمها)". لمنافاة الشرب للذوق الاجتماعي، ومخافة أن يكون قد وقع في الماء ما يضر بالصحة.
(ج) كراهية النفخ في الشراب:
لما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُتَنَفَّس في الإناء أو يُنفخ فيه". ولا يخفى ما في هذا النفخ والتنفس من الأضرار الصحّية، والمنافاة للآداب الاجتماعية..
(د) استحباب الشرب والأكل في حال الجلوس:
لما روى مسلم عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً، قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر". وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسيَ فليستقئ" (أي يتقيأ).
وما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه شرب قائماً فلبيان الجواز، كأن يكون الشارب في حالة يكون الشرب فيها قائماً أفضل من الشرب جالساً كشربه عليه الصلاة والسلام من ماء زمزم قائماً تحقيقاً لمبدأ: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".
(هِ) النهي عن الشرب من آنية الذهب والفضة:
لما روى الشيخان عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يشرب في آنية الفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم". وفي رواية لمسلم: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم لما لاستعمال هذه الآنية من مظهر الكبر والاستعلاء، وجرح كرامة الفقير".
(و) النهي عن امتلاء المعدة في الأكل والشرب:
لما روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسöهö".
فعلى المربين أن يتقيدوا بهذه الآداب، وأن يعلّموها أولادهم.. ليعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس.