الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: العوائق
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: سياسي
 

انهيار الضرار

الحرص على نجاة النفس - تمييز الغايات الصدامية في مساجد الضرار - مضاعفة الحذر من فتن آخر الزمان

يروي أن عبدًا مهديا داعيا إلى الله تعالى نظر يوما إلى أصحابه من حوله، فأعجبه الذي هم فيه من جمال التعبد والإخاء.

ثم نظر أخرى، متأملا تقلب القلب، فأطرق، وبشعور مزيج من السرور والتخوف قال لهم:

(يا ملح الأرض لا تفسدوا، فإن الشيء إذا فسد لا يصلحه إلا الملح).

فكانت منه حكمة صادقة، تشهد حروفها أنها من كلام أهل التربية وممارسيها.

وكأنه ما من مصلح مرب إلا وصى بها أصحابه مرارًا وحين موته.

فجراثيم التسمم، وبكتيريا العفونة، لا تنمو في بيئة ملة. وكذلك أهل الفساد، لا يستطيعون رفع رؤوسهم في بيئة يكون فيها الناهون عن المنكر.

إنه تصوير لواقع القلة المؤمنة من دعاة الإسلام بين الكثرة اللاهية المسترسلة مع أمور دنياها.

بهم يصلح الله كل فساد اجتماعي، فيقومونه من بعد الإعوجاج. وهم الذهيرة للأمة يحفظون لها مصالحها كلما ضيعها شهواني ظلوم، فيرجعونها إلى مكانة العز التي تنبغي لها.

فإذا أعوج الدعاة أنفسهم، وضيعوا رابطة إخائهم، وألفوا بعض المنكر، فنم للأمة يصلحها؟ ومن للمجتمع يزكيه؟

لذلك بات النداء إلى التحابب وإيطاء الأكناف، ثم التواصي بإنكار المنكر، ركنين مهمين في التربية الجماعية الإسلامية، يكفلان تمكن الدعاة من أداء دورهم الواجب في مصادمة الفساد.

فالإخاء: يحفظ المجموعة، ويمنع التسيب، ويكسب الإنكار فاعلية تأثيرية.

والتواصي: ينقل المجموعة إلى الشجاعة في المواجهة والصبر عليها، وبهذين الركنين التربويين تمكنت دعوة الإسلام الحديث من إنتاج (جماعة إنكار متآلفة) أحيت سمت إخاء إيماني انقطع لقرون طويلة، وطفقت تضرب في النهي عن الفساد الأمثال، فشدت قلب يوسف القرضاوي إليها، فراح يصف في سنة 1370هِ حسن نماذجها:

أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم

                             والناس تزعم نصر الدين مجانًا

عاشوا على الحب أفواها وأفئدة

                             باتوا على البؤس والنعماء إخوانًا

الله يعرفهم أنصار دعوته

                             والناس تعرفهم للخير أعوانا([1])

هكذا، ليس غير.

أعوان خير، يقدمون ضريبة نصر الدين، على درب من الحب.

فلا عجب أن يكونوا الخط البارز في صورة الإسلام الحديثة.

ولا عجب أن يحرص كل ذي حرص على منع من يريد لهم انفراطًا يحرمهم القدرة على ممارسة الإنكار، ويضع في دربهم أحجار العثرات، فذاك سبب إيقادنا للأنوار.

غيرة على بهاء المنظر ونقاء الصورة من جانب، وكشفا للمتصدي الجريح الضعيف المتكلف لحشر نفسه في فجوات صفوف الصورة من جانب آخر.

فالأعمش تكثر في عينيه أشعة أنوار الفطنة، فتبهره، فيضع كفه على وجهه، ويطلب التواري، والأجهر يكون قريبا من النور وهو لا يبصره.

ولكن سليم العين يلتذ، وربما كان كمن ينظر من خلال عدسة تكبير.

أعمى وأعشى ثم ذو        بصر وزرقاء اليمامة

سبحان من قسم الحظو     ظ فلا عتاب ولا ملامة

قدر وحظ لم يقسما للأعمش والأجهر أن يتمتعا بما سبق أن أوقده فقه الدعوة من أنوار.

أما الموفق فأهل لأن يزداد لذة، وأن نرتقى لأجله ساربة أخرى، لنعلق عليها مصباح:

 

النور الرابع بعد العشرين، فيتألق بوميض:

الحرص على نجاة النفس

فإن الإمارة أمر شديد، من لم يستطع الوفاء بلوازمها قد يتعرض يوم الحساب لنقاش دقيق، وكل إنسان خبير نفسه، ويفترض فيه أن يقدر تقديرًا صحيحًا قدرته الفطرية على قيادة قومه ومدى دخل الظروف المحيطة به وظروفه العائلية والمعاشية والصحية في أدائه لدوره، فمن ساق نفسه إلى رئاسة وهو يعلم أن في الجماعة أفضل منه وأمهر، وأنه سيسبب ضياع فوائد، ويعجز عن سد ثغرات محتملة: فقد ظلم.

ولهذا خاطبك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يسألك الرفق بنفسك من غد لا تدري عظيم غضب الله عليك فيه، فقال:

(نفس تنجيها: خير من إمارة لا تحصيها)([2]).

إذ الإمارة تحتاج إلى إحصاء من أطرافها، ورعاية وحسن أداء، وأنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، ولا يصلح لها من كان على مثل ضعف أبي ذر رضي الله عنه ولو كان على مثل ما كان عليه من صدق اللسان وجمال العبادة.

وهذا المقدار هو من العلم الذي لم نر له في طلاب الرئاسة جاهلا، لكنهم يؤخذون ويفتق عليهم من باب التقليد والمحاكاة، وقول: ليس فلان أفضل مني: فإن أحدهم يرى التنافس في الرئاسة يشغل اقرانه، ويظل يرقب ما يشجر بينهم، حتى ينسى معاني علمه، ويتأثر بمنظر التنازع دون قول فقه الدعوة.

وإنما كان خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يتخوف من مثل هذا، ويعده باب ما بعده من الإرتكاسات، فقال:

(إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون).

هذا من مجرد الرؤية والمراقبة، فكيف إن اجتمع معها ترغيب وتشجيع ووصف لذات وجدوها؟

لا شك أن مخالفة العلم ستكون أسرع، والاستجابة أكثر احتمالا.

ولذلك دعاك الزاهد يحيي بن معاذ إلى الاعتصام بميزان ثالث في هذا الموطن تميز به صدق الخطيب الذي يدعوك فجزم لك بأنه:

(لا ينصحك من خان نفسه).

فالمنازع في الرئاسة، الملحاح في نزاعه، قد ورط نفسه، وأضعف احتمالات نجاتها، وتلك خيانته لها، فكيف يرتاد لك الخير من بعد؟

فانظر ناصحك، وسائل قلبك: هل خان نفسه ثم أتاك، أم لا زال يكتال الحسنات؟

فإن كان ناصحًا لنفسه: عرضت مفاد نصيحته على أنوار الفطنة لتؤيدها أو تكشف سذاجتها. وإن كانت الأخرى: أعرضت.

وإلا، فإن الزيغة الأولى منك تجلب ثانية رغما عنك، فإنها العقوبة الربانية:

(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).

وسعيد بن جبير إمام التابعين ينذرك:

(إن من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، وأن من عقوبة السيئة: السيئة بعدها)([3]).

فالزيغ ولود، كما أن الإحسان ولود ودود.

لابد من ذلك، حتى قال فقيه المدينة عروة بن الزبير بن العوام.

(إذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات. وإذا رأيته يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات) ([4]).

فتتوالي عثرات المصغى لخائن نفسه، حتى لقد رأينا في بعض البلاد رأي العين من طلب ذروة الرئاسة على قوم دعاة قد تراجع إلى الخلف بتدريج لما لم يحصل له مراده، فترك الأمر بالمعروف أول مرة، ثم ترك المسجد، ثم ترك نفس الصلاة واكتفى بالجمعة، ثم ترك الجمعة، ثم أفطر رمضان، ثم أصبح يغيظ في نهار رمضان من يمر أمامه من الصائمين ينفث الدخان قرب وجوههم.

أفغير العقوبة أحاطت به؟

وهذا ما يدعوك إلى أن تفقه بدايات الفتن المقبلة من النظر إلى نهايات الفتن السابقة، فإنه قل من نجا من تراجع بعد الإفتتان.

ولذلك فإننا لا نجد أجمل من حرص الداعية على نجاة نفسه، وإلحاحه في طلب:

 

النور الخامس بعد العشري، المعين على:

تمييز الغايات الصدامية في مساجد الضرار

 كما ميزها الذين سبقونا في الانتماء إلى هذه الدعوة المباركة وعاصروا ذروة نشاطها هقبل أن تمتحن ورأوا كيف يعمل أعداء الإسلام على تسقط أبار المخالفين، فيدسوا إليهم من يؤزهم أزًا  زائدًا، ويعيب عليهم القعود عن الانتقام، ويحملهم على تجميع كل حانق في كيان منافس يرصد نفسه للمناوشة وتثبيط الجدد، ثم يتم اختيار اسم كبير ضخم لكيانهم يحاولون من ورائه تحويل الانتباه إليه.

وإنما هي مساجد الضرار يعاد بناؤها، بهندسة جديدة ولون مبتكر، لها إلى مسجد الضرار الأول نسب، ومع تاريخه ارتباط.

ويسألون: كيف تكون لنا جرأة على هذا الاتهام ودعوة الإسلام ليست حكرًا على أحد، بل لكل مسلم أن يتجمع ويعمل كيف يشاء؟

ولسنا بحمد الله للعمل حاكرين، ولكن يبطل عجب المتسائلين فحصهم لأطوار عمل من ننسبهم إلى الضرار، إن كان تأملهم لواقع المسلمين يحملهم على مصاولة حركات الإلحاد وأحزاب العمالة وتبليغ معاني الإسلام إلى السائلين اللاهين، أم هم قد عافوا أولئك وحاموا حول دعاة الإسلام ومناصريهم يصادمونهم ويثبطون، ويجادلونهم فيلهون؟

إن جماعة تدعي الإسلام، ثم تترك المجتمع الماجن والمنكر المستشري، والشباب الضائع، وتتجه إلى المصلين والملتفين حول دعاة الإسلام تزين لهم الانتساب إليها، وتلح في تهوين أمر الدعاة الآخرين، ورميهم بالاستبداد والافتقار إلى الوعي، لهي أحرى الجماعات باسم مسجد الضرار.

ومن ذا الذي في قلبه ذرة إيمان وألم على المصير الذي آل إليه أمر المسلمين ثم لا يفرح ويهش ويبش لأقوام يعالجون المرض ويستدركون الانفراط، وإن خالفوه في الاسم والأسلوب؟

ولكننا نعيب الصدام، وإلهاء العاملين، وندعو الذي لم يعجبه أسلوبنا واجتهادنا ويحاول العمل في جماعة أخرى إلى أن ينظر: أهي في تبشير وإنذار بمعاني الإسلام في الأوساط العامة وعلى اتصال بأفراد أهملهم الغير، أم تركت أولئك وأوساطهم والتفتت نحو مسلمين يعملون في مقاومة الفساد، تماريهم، وتحصى لممهم وتلبسه لباس الكبائر؟

فإن كان ديدنها الصدام: توقف وأحجم وربأ بنفسه عن أن يشارك في إشغال السائري، وإن وجد خيرًا: نظر الأمر ثانية على أضواء أنوار الفطنة الأخرى، عسى أن يكون الخير مفضولا أو محفوفا بخطر سوء الرؤساء.

إننا نقولها صريحة: إن من الأهمية بمكان أن يعرف كل من يريد المساهمة في النشاط الإسلامي أن المسجد الضرار النفاقي الأول:

(ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين. تتخذ في صورة نشاط ظاهرة للإسلام وباطنة لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترس وراءها وهي ترمي هذا الدين! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير ولا خوف عليه ولا قلق. وتتخذ في صور شتى كثيرة)([5]).

كذلك فإن من الخطورة بمكان أن يعطي المخلص أذنا صاغية منه لمن كان في مسجد ضرار ولم تشتهر له توبة حتى ولو انفرط عقد أصحابه وانهدم بنيانه وظن المخلص أنه سيتعامل مع فرد لا يستطيع الإضرار، فإن النفس تبقي موتورة خانقة غاضبة.

فيومها لما هدم الله الضرار الأول بأيدي المؤمنين: بقيت ريبته في صدورهم، فقال الله تعالى بعد انهياره:

(لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذöي بَنَوْا رöيبَةً فöي قُلُوبöهöمْ إöلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلöيمñ حَكöيمñ).

وهي إشارة إلى طبيعة أصحاب كل ضرار، في كل زمان، بعدما يهدم الله بنيانهم.

فلقد انهار الجرف المنهار، (ولكن ركام البناء بقي في قلوب بناته. بقي فيها ريبة وشكا وقلقا وحيرة. وسيبقى كذلك لا يدع تلك القلوب تطمئن أو تثبت أو تستقر. إلا أن تقطع وتسقط هي الأخرى من الصدور.

وأن صورة البناء المنهار لهي صورة الريبة والقلق وعدم الاستقرار.

تلك صورة مادية، وهذه صورة شعورية، وهما تتقابلان في الواقع البشري المتكر في كل زمان. فما يزال صاحب الكيد الخادع مزعزع العقيدة، حائر الوجدان، لا يطمئن ولا يستقر، وهو من انكشاف ستره في قلق دائم، وريبة لا طمأنينة معها ولا استقرار)([6]).

ومثل هذا العنصر القلق ليس أهلا أن نلتمس عنده النظر العادل حتى نمنحه السمع المصغي، بل نتجاوزه، ونطلب الخير على شعاع.

 

النور السادس بعد العشرين اللامع بمعاني:

مضاعفة الحذر من فتن آخر الزمان

فنحن أقرب إلى الساعة مما كان عليه المسلمون قبل أربعة عشر قرنا حين نزل قول الله تعالى: (اقْتَرَبَتö السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) وهذه علامات تترى، وليس بآخرها، تطال الحفاة العراة في البنيان، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، ولفائف كأسمه البخت المائلة فوق رؤوس الكاسيات العاريات.

وفي الحديث الصحيح أنه:

(لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى) ([7]).

وبصري قرب الجولان جنوب دمشق.

وقد تحدث مؤرخ المدينة السمهودي عن نار عظيمة التهبت من باطن الأرض وسالت أيامًا قرب حرة المدينة الشرقية سنة 654هِ حتى جمدت حجارة سوداء، وكان نورها يشاهد من أطراف الحجاز، وشهد رعاة الإبل ببصري أن إبلهم حصل لها التفات غريب لا يدرونه([8]).

فإن لم تكن هذه النار هي المقصودة في الحديث فإن نارًا وشيكة الخروج بالحجاز ستصاحب اكتشاف حقول النفط فيها بعد العزم على التنقيب وازدياد احتمالات وجود النفط حاليا قد تكون هي النار التي ستمد لها أعناق الإبل ببصرى، والله أعلم.

وللمحدث الهندي صديق حسن خان كتاب (الإذاعة لما كان وسيكون بيدي يدي الساعة)، جمع فيه علاماتها، وقد أعيد طبعه.

وليس للمؤمن إلا أن يصدق ويوقن بقرب الساعة، وإن كان ذلك لا يغنيه عن الأخذ بالأسباب والعمل بظاهر الشرع، فإنه لا يدري ما بين العلامات وبين قيام الساعة من زمن ومدة.

والمهم الذي يجب أن يفطن له الداعية أثناء انتباهه لإحصاء علامات الساعة ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلة الإيمان واضمحلاله عند اقترابها، فيأخذ حذرًا مضاعفًا إزاء كل سبب تواترت عند المؤمنين كثرة تأديته إلى ذاك الاضمحلال.

ومراقبة تواريخ الفتن ومصائر المفتنين يرينا ترديا كثيرًا ما سار فيه الخارج عن الجماعة،  ووصل به أخيرًا إلى ترك الصلاة والتنصل من الالتزامات الإسلامية.

ولذلك وجب أن يجفل الداعية من اسم الفتنة، ويقشعر جلده من كل نداء عصيان لأوامر الجماعة وخطتها، ألا يسير في طريق ضمور والإيمان في ظرف مساعد من طبيعة آخر الزمان، حيث (تكثر الفتن) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كيف لا والنفاق في آخر الزمان يعم الاقطار حتى يغزو نفس المدينة المنورة التي هي معقل الإيمان وداره؟

ففي الحديث الصحيح:

(إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)([9]).

ولكن مع ذلك فإن أهلها لا يستطيعون في آخر الزمان الثبات على إيمانهم، فيتركونها استكبارًا ونفاقًا وهي على أحسن ما تكون من وفرة الثمار والعمران، ويأبون أن يجاوروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يوصفوا بأنهم من سكنة المدينة، والعياذ بالله.

وقد ورد الخبر الصحيح بذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العواف، يريد: عوافي السباع والطير.

وآخر من يحشر: راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع: خروا على وجوههما) ([10]).

(وروى مالك عن ابن حماس عن عمه عن أبي هريرة رفعه: لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد أو على المنبر، قالوا: فلمن تكون ثمارها؟ قال: للعوافي: السباع والطير.

أخرجه معن بن عيسي في الموطأ عن مالك، ورواه جماعة من الثقات خارج الموطأ([11])).

(وروى عمر بن شبة باسناد صحيح عن عوف بن مالك قال: دخل رسول الله المسجد، ثم نظر إلينا فقال: أما والله ليدعنها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي)([12]).

وعمر هذا ثقة، وهو:

(عمر بن شبة بن عبيدة.. البصري، النجوى الأخباري نزل بغداد.

قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق صاحب عربية وأدب.

وقال الدارقطني: ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث)([13]).

أفرأيت؟

أهناك أشنع من هذه الفتنة وأكثرها منها هولا؟

منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الذئب فيعوي عليه! وسواري مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صلى عندها كبار الصحابة وأفذاذ الأعيان يعوي عندها الذئب!

فإذا كانت مثل هذه الفتنة العارمة تحدث في موطن الإيمان ولا يسلم منها مؤمنو المدينة، فكيف بمقدار الخطر الذي تفتحه علينا الفتن في غيرها من البلاد؟

إن الداعية يعتبر، ويدع الكثير مما يراه بعيدًا عن البأس خوفا أن يكون بابًا وذريعة توصله إلى ما به البأس.

ولفؤاد البصير رجفة مميزة عند ذكر هذه الأخبار، تلجئه ولابد إلى حذر مضاعف يحفظ به ثروة الأعمال الصالحة التي حازها من خلال نشاطه غاديا ورائحًا في مصالح الدعوة، ألا يبددها في صفقة غابنة، مع صرخة فاتنة.



([1]  ) مجلة المباحث عدد 30.

([2]  ) الفوائد لابن القيم/145.

([3]  ) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/11.

([4]  ) تهذيب التهذيب 7/183.

([5]  ) في ظلال القرآن 11/37.

([6]  ) المرجع السابق.

([7]  ) صحيح مسلم 8/180.

([8]  ) رسائل في تاريخ المدينة، نشرها حمد الجاسر.

([9]  ) صحيح البخاري 3/26.

|السابق| [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error