|
|
|
|
الموسوعة الحركية
-
عرض حسب اسم الكتاب
-
-
عرض حسب اسم المؤلف -
- عرض حسب التصنيف
-
| الكتاب: | العوائق | | المؤلف: | محمد الراشد | | التصنيف: | سياسي |
الجندية طريق القيادة الإمارة حمل ثقيل - عمر يطور مذهب التأليف - مدرسة الثوري تواصل التربية - تجريب وتدرج - سيد يشرح - الاستثناء لا يقلد - يوسف والخزائن - في التأني السلامة حين تدعي نظرية ما دعواها، فإن اللحظات الحرجة وحرارة التحديات هي التي تكذبها آنذاك أو تصدقها، فيرسخ مدلولها أو يهمل، ويصير أساسا في التعامل والتفاضل أو يعرض عنه.
وحين أدلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بنظريته في الأشكال الروحية المؤتلفة، وجربها في أصحابه وتلامذته: كان عليه أن ينتظر يوم فصل يؤيد مذهبه أو يخونه، فيتكفل بنقله للأجيال اللاحقة، أو يسلمه النسيان.
الإمارة حمل ثقيل
ولقد كان يوم خلافة تلميذه عمر بن عبد العزيز هو ذاك اليوم الفصل، فلئن لم يكن ثمة جيش عاص يتحدى تلميذه وراء أسوار دمشق، فإن هناك تحديات نفس مقبلة على إغراءات الرياسة، وبطرًا اجتماعيًا، ورخاوة خلف لسلف الهمة والجهاد.
ومع كل خطوة لعمر حين كان يرتقي المنبر ليخطب خطبته الأولى:
كانت ترتجف قلوب الذين يظنون أن عبيد الله قد أحيا فيهم فقها كاد ينحرف بالتأويل، وتزداد دقات قلوبهم مع استدارة عمر، يخافون أن تغلب شهوة تنفر الناس عن مذهبهم التربوي، وتزهدهم فيه.
إنها رجفة الحاسم، لا الشك في الفقه المسند، إذ ربما كان للخوف معنى لو كان لسان عمر يتكلم أو عقله المجرد، لكنها كانت دموعه ثم، وكان قلبه...
كان فوق المنبر خريج مدرسة يحاول أن يفي لأستاذه، ويطمئن أشكاله ويحزن متواضعا لفتيان لم يعرفوا ما عرف تفرقوا، فانطلق يعلن انتصار عبيد الله.
(ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا) ().
وهذا الشعور هو أدنى ما تحس به الأرواح المؤلفة وتتميز به عن غيرها، فحين تزول المزايا المصطعنة، والطباع المتكلفة، ويحل التواضع، وتسود الأخوة: لن يبقي من معنى الإمارة والرئاسة إلا ثقلها الثقيل.
عمر يطور مذهب التأليف
لقد أبرد عمر حقا بكلماته هذه قلوبا طال همها واشتياقها إلى رؤية واقع يظنه الضعاف خيال مثاليات، وتحليق تمنيات.
نعم، كانت كلمات عمر وعدًا لمستقبل، وإخبارًا عن شعور متوار في كامن الصدر، ولكن كفى بوعود الأحرار ضمانًا، وبأخبارهم صدقا، ولذلك أسلس له الناس القياد، وحصل منهم تجاوب سريع معه، أحسن عمر استغلاله أيما إحسان، فطور نظرية أستاذه في التأليف، فجعل ابتداء التربية ينطلق من معالجة أعقد عقدتين في الجماعات: عقدة الفراغ، وعقدة حب الرئاسة والتنازع عليها.
فالمطالع لسيرة عمر يجد بشدة اهتمامه بعلاج هذين العيبين واضحًا وظل تأثيره في ذلك ينطق الشاعر بعد الشاعر، والحكيم بعد الحكيم يستمدون من تجربته معاني الإصلاح.
عرف عمر سيئات الفراغ، فأوجد للناس شغل خير ألهاهم، إن لم يكن عملا عمرانيا وسعيا في مصالح المسلمين، فشغلا تأمليا مع النفس، وفكرا في القلب، يفيضان من بعد عزمات فنهضات.
لقد أخرجهم من الغفلة والإهمال والبرود، إلى التذكر والفحص والاستدراك، وكفى بهذا الإخراج نجاحًا عند من يعرف تربية الجماعات، وفي خطبة وكلمات كلها تسمية وإشارة إلى عيوب النفوس، وطرق إصلاحها، وترقب الموت، ورجاء رحمة الله، وخوف عقابه، ثم زاد فاستقدم الخوارج إلى دمشق، وأمرهم بإنهاء تفردهم ولزوم الجماعة، وذكرهم ضرر الفرقة، فبات جميع الناس في شغل وادكار، بمثلهما انتفع أبو العتاهية من بعد، فاتضحت له مثالب الفراغ، فقال:
ما أحسن الشغل في تدبير منفعة أهل الفراغ ذوو خوض وإرجاف
فالمشتغل جاد فيما هو فيه، يربي قلبه، ويعلي همته، والفارغ الكسول يفتش في الفتن عن لهو يؤنسه.
ثم دعا عمر ثانية إلى زهد في المناصب هو أهم من الزهد في الأموال، واستخلص من الفتن التي حدثت في الصدر الأول دروسًا، ووعظ المستشرقين للرئاسة مواعظ أماتت فيهم حبها، بمثلها انتفع أبو العتاهية مرة أخرى، فحذرك:
أخي: من عشق الرئاسة خفت أن يطغي ويحدث بدعة وضلالا
وتخوفه هذا صواب لم يبالغ فيه، فإن شرع الله وعرف المؤمنين ينفران عن طلب الرئاسة، فمن طلبها تمحل لذلك ولابد، فيزين الذميم، فتكون البدعة، ويقمع المخالفة لها ويعاديه، فتكون الضلالة، ومن نظر إلى عهد ما بعد عمر: أدرك ذلك، فإن القلوب عزفت عما قبحه وآمنت، إلا قلبا واحدًا من قلوب أقربائه، عشق الرئاسة، فسقاه السم، فمات عمر، فكان عصر الضلالة، والسنوات العجاف.
مدرسة الثوري تواصل التربية
ولما هالت المربين تلك الضلالة التي عكرت صفاء تاريخ المسلمين بعد عمر: أصفقوا على دم التنازع على الرئاسة وتحذير الأجيال اللاحقة منه، وجعلوه أصلا مستقلا من أصول التربية الإسلامية، يتجاوز أن يكون مجرد علاج واقع أرهق الذين بعد عمر.
فللثوري كلام كثير جزل في ذلك تصدر به المربين، يبذؤه بتقرير واقع الناس، فيقول:
(ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة).
ورؤياه هذه ظلت تؤرقه، حتى أمسك بقلمه يكتب رسالته المشهورة، إلى صاحبه عباد بن عباد، وإلى كل عباد من الدعاة في كل الأجيال، أن:
(إياك وحب الرياسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة فتفقد نفسك، وأعمل بنية).
ثم جسد حقيقة ينساها طلاب الرئاسة، فذكرهم أن:
(من طلب الرياسة قبل مجيئها: فرت منه).
أي: يبقى عليه وزر الشوق الآثم، وزفرة الصدر الراغم، ليس إلا، ويرجع صفر اليدين، وبخفي حنين، لم يذهب لأبعد من فضح نفسه أمام جمهور العاملين.
*وكما كانت نظرية الأشكال المؤتلفة مذهبا لعبيد الله بن عبد الله جسده في جماعة عمل متآخية استدركت التفرق: كان نداء الحذر في طلب الرئاسة مذهبا للثوري جسده في جماعة زهد محتسبة استدركت تفرقا آخر، ولانت لا نفس هارون الرشيد، فشغل الناس معه بحج أو بغزو، سنة فسنة.
*وعل الفضيل بن عياض هو أهم أركان تلك الجماعة التي عضدت الثوري في شرح مذهبه من بعده، إذ صحبه وأخذ علمه، وتأخرت وفاته عنه قرابة ثلاثين سنة، كان يكثر خلالها ذم التكلف في طلب الرياسات وعلى الأخص تركيزه على كشف النفسية المعقدة الغربية التي يحملها طالب الرياسة.
يقول الفضيل:
(ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحدًا عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تودع من صلاحه).
ومن لم يجرب الأعمال الجماعية يستغرب مثل هذا أو يستبعده، ولكن الممارس يحفظ قصصا تصدق الفضيل أيما تصديق، فإن العمل الإسلامي حين يدع الانتقاء، ويلهيه التكاثر بالأعضاء: يدخله أصحاب التخليط ويظهر في محيطه مثل هذا الذي وصفه الفضيل.
فمن لم يزهد في الرياسة صار ميؤوسا منه عند الفضيل، أي وإن زهد في الأموال وأطيب الطعام وجمال النساء، لأن (الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا)، كما يقول صاحبه وصاحب الثوري، الزاهد يوسف بن أسباط.
كلام لا يقولونه اعتباطًا، بل كانت تأملاتهم في مصائر الجيل الذي عرفوه تعمل كعمل دوائر الإحصاء الحديثة، يحصون من كمل ونقص، ومن وصل ومن خانته قدمه، والعثرة التي عثرها، إن كانت في أول الطريق، أو عند الوسط، أو لما كاد أن ينتهي ولم يبق له إلا خطوة الفوز، ثم يعطونك نتائج الإحصاء في أقوالهم هذه.
تجريب وتدرج...
وأخذ الشعر أيضًا دوره في التحذير آنذاك، ولفت الشعراء أنظار المتنازعين إلى كثرة الأعداء من حولهم، وشماتتهم بالذي يحص ل بين المؤمنين، وانتفاعهم به نفعا مباشرا في عمل جاد إيجابي يستغل فرصة انشغال المؤمنين بأنفسهم، فأرسلها شاعر ذاك العصر زفرة ألم:
إن التنازع في الرئاسة زلة لا تستقال، ودعوة لم تنصر
أو ما ترون الشامتين أمامكم ووراءكم من مضمر أو مظهر
وهذا في الحقيقة هو الوصف الدائم لظروف وآثار كل نزاع، بل إن كثرة الأعداء اليوم، وخططهم المنظمة، تجعل المحنة الحالية أعنف محنة مر بها الإسلام في تاريخه، وتستدعي أقصى درجات الوحدة الإيمانية بين العاملين.
والنجاة من فتن اليوم لن تكون إلا باللجوء إلى الشرط الذي وضعه سلفنا بالأمس وأودعوا فيه خلاصة تجربتهم في اكتشاف مسلك الوصول الصحيح إلى الرئاسة، فإنهم لم يعترفوا إلا بالطاعة طريقا إلى القيادة، وجزموا بأن من لم يكن في آخر الصفوف، تغمره عجاجة المتقدمين، فلن يستطيع أبدًا قيادتهم إن شغر المكان واحتيج إليه.
ولذاك كانوا لا يرأس منهم من لم يجرب جزمه مرؤوسا
من لم يقد فيطير في خيشومه رهج الخميس فلن يقود خميسا
قانون تدج، ومرحلة اختبار، إذا أساء خلالها العامل أدب الجندية، و استعجل، وتطاول: جوزي بالحرمان، ودعوى إلى التوبة، وأرجع إلى محل البداية يستأنف المحاولة.
لا.. يا عباد الرحمن
ليس في هذا القانون اعتداء، ولا احتكار أو تجبر، وإنما هو صياغة تجريبية لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في اختيار الأمراء، فإنه كان يقول:
(إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه)().
أي هذا الأمر من شؤون المسلمين.
وشدد في النصيحة الصريحة لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، فقال له:
(يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)().
مع أن عبد الرحمن نم صالحي صحابته وشجعانهم، ويكفيه أنه لما التزم وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه صار قائد جيش المسلمين الذي كلف بفتح كابل عاصمة الأفغان، وكان حصنها من أمنع الحصون، وسقط عنده من شهداء المسلمين ما لم يكن في معركة أخرى.
سيد يشرح...
ولا يظنن أن هذا المنع عن طلب الإمارة سيفوت فرصة الإلتفات إلى خير صاحب الكفاية الصامت، فإن العمل اليومي يكشف ولابد كل قابلية لدى الدعاة، وهي ظاهرة يؤكدها سيد قطب تأكيدًا، فيتساءل:
(لماذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم، ولا يرشحون أنفسهم للوظائف، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة)؟.
ويجيب:
(إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم، كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحدًا بالتزاحم عليه –اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى- ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم، وهؤلاء يجب أن يمنعوها.
ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضًا.
إن الحركة هي العنصر المكون لذلك المجتمع، فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية...
أولا: تجئ العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله –على عهد النبوات- أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند الله وما بلغه رسوله- على مدار الزمان بعد ذلك- فيستجيب للدعوة ناس، يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة لسائدة في أرض الدعوة، فمنهم من يفتن ويرتد، ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه، فيقضي نحبه شهيدًا، ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق.
هؤلاء يفتح الله عليهم، ويجعل منهم ستارًا لقدره، ويمكن لهم في الأرض تحقيقا لوعده بنصر من ينصره، والتمكين في الأرض له، ليقيم مملكة الله في الأرض –أي لينفذ حكم الله في الأرض- ليس له من هذا النصر والتمكين شيء، إنما هو نصر لدين الله، وتمكين لربوبية الله في العباد.
وهؤلاء لا يقفون بهذا الدين عند حدود أرض معينة، ولا عند حدود جنس معين، ولا عند حدود قوم أو لون أو لغة أو مقوم واحد من تلك المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة! إنما ينطلقون بهذه العقيدة الربانية ليحرروا الإنسان، كل الإنسان، في الأرض، كل الأرض، من العبودية لغير الله، وليرفعوه عن العبودية للطواغيت، أيًا كانت هذه الطواغيت.
وفي أثناء الحركة بهذا الدين –وقد لاحظنا أنها لا تتوقف عند إقامة الدولة المسلمة في بقعة من الأرض، ولا تقف عند حدود أرض أو جنس أو قوم –تتميز أقدار الناس، وتتحدد مقاماتهم في المجتمع، ويقوم هذا التحديد وذلك التميز على موازين وقيم إيمانية، الجميع يتعارفون عليها، من البلاء في الجهاد، والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق، والقدرة والكفاءة، وكلها قيم يحكم عليها الواقع، وتبرزها الحركة، ويعرفها المجتمع ويعرف المتسمين بها، ومن ثم لا يحتاج أصحابها أن يزكوا أنفسهم، ولا أن يطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية...
وفي المجتمع المسلم الذي نشأ هذه النشأة، وقام تركيبه العضوي على أساس التميز في أثناء الحركة بتلك القيم الإيمانية –كما حدث في المجتمع المسلم من تميز السابقين من المهاجرين، ثم الأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل- ثم ظل يتميز الناس فيه بحسن البلاء في الإسلام، في هذا المجتمع لا يبخس الناس بعضهم بعضا، ولا ينكر الناس فضائل المتميزين – مهما غلب الضعف البشري أصحابه أحيانا فغلبتهم الأطماع –وعندئذ تنتفي الحاجة- من جانب آخر – إلى أن يزكي المتميزون أنفسهم ويطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية.
ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية، ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة.. لن يوجد اليوم أو غدًا إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد، وإخراجهم من الجاهلية لتي صاروا إليها.. وهذه نقطة البدء، ثم تعقبها الفتنة والابتلاء- كما حدث أول مرة- فأما ناس فيفتنون ويرتدون، وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء، وأما ناس فيصبرون ويصابرون ويصرون على الإسلام، يكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار، حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكن لهم في الأرض –كما أمكن للمسلمين أول مرة- فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي.. ويومئذ تكن الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية... ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم.
ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى، فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟
وهذا السؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين، إن هذا الدين يتحرك دائما ولا يكف عن الحركة.
...يتحرك لتحرير الإنسان.. كل الإنسان في الأرض... كل الأرض من العبودية لغير الله، وليرفعه عن العبودية للطواغيت، بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة.
وإذن، فستظل الحركة –التي هي طبيعة هذا الدين الأصلية- تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب، ولا تقف أبدًا ليركد هذا المجتمع ويأسن- إلا أن ينحرف عن الإسلام- وسيظل الحكم الفقهي –الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أسا هذه التزكية- قائمًا وعاملا في محيطه الملائم... ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه...
ثم يقال: ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضا، ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة في إعلان عن أنفسهم وتزكيتها، وطلب العمل على أساس هذه التزكية.
وهذا القول كذلك وهم ناشيء من التأثر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة، إن المجتمع المسلم يكون أهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين- كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه والالتزام في المجتمع المسلم- ومن ثم يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم، موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين وقيم إيمانية، فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية، سواء لمجلس الشورى أو للشؤون المحلية، أما الإمارات العامة فيختار لها الإمام –الذي اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحل والعقد، أو أهل الشورى له- يختار لها من بين مجموع الرجال المختارين الذين ميزتهم الحركة، والحركة دائبة كما قلنا في المجتمع المسلم، والجهاد ماض إلى يوم القيامة)().
وهذا الكلام لسيد كلام صحيح صائب، يظهر صوابه على الأقل في الجماعة الإسلامية الحركية إن لم نوافقه على احتمال حصول هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي العام المحكومة بحكومة إسلامية.
بل إن أزمة الحركة الإسلامية الحاضرة إنما هي أزمة قلة المربين والإداريين من أصحاب القابليات الممتازة والصفات العالية، ولن يغفل قائد عن ذي علم وتقوى متحمس في وقت يمسك فيه بالعدسة المكبرة يفتش عنهم تفتيشا، ولكن تجارب القادة تكره بعث وتأمير المتكلف المستشرق المغرور، فنظن نحن أنهم قد غفلوا عنه، وما هي بالغفلة.
الاستثناء لا يقلد
أما قصة الصدائي رضي الله عنه حين طلب الإمارة وأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنما هي استثناء اقتضته المصلحة وأوجبته الظروف، وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسل بعثا إلى اليمن ليحارب بني صداء، فشفع فيهم أحدهم، وأسلم، وجاء بوفد منهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلنين إسلامهم، وكان هذا الشفيع مطاعا فيهم، فطلب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يؤمره عليهم، فأجابه إلى ما طلب ففي ذلك كما يقول ابن القيم:
(جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفؤا، ولا يكون سؤاله مانعًا من توليته، ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: إنا لن نولي على عملنا من أراده، فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعًا فيهم محببا إليهم، وكان مقصده إصلاحهم ودعاءهم إلى الإسلام، فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مصلحة قومه في توليته، فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو، فمنعه منها، فولي للمصلحة ومنع للمصلحة فكانت توليته لله، ومنعه لله)().
فها أنت ترى أنه هو الذي استتابهم، وأنهم بلاد بعيدة منزوية ليس فيهم لو رجعوا أصلح منه، فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على طلبه، ولا نحفظ في السيرة قصة أخرى مماثلة لها.
يوسف والخزائن
كذلك قول يوسف عليه السلام للعزيز:
(..اجْعَلْنöي عَلَى خَزَائöنö الأَرْضö إöنّöي حَفöيظñ عَلöيمñ).
فإنه (كان حصيفا في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أ,قات الأزمة، وليكون مسؤولا عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره، طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا شرع، فليس هذا غنما يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد أنه غنيمة، إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم) ().
وقد فهم الفقيه الأندلسي أبو بكر الطرطوشي من قول يوسف:
(أن من حصل بين يدي ملك لا يعرف قدره، أو أمة لا يعرفون، فخاف على نفسه، أو أراد إبراز فضله: جاز له أن ينبههم عن مكانه وما يحسنه، دفعا للشر عن نفسه، أو إظهارًا لفضله فيجعل في مكانه).
قال: (وفيه فائدة أخرى: وهو أنه إن رأى الأمور في يد الخونة واللصوص ومن لا يؤدى الأمانة، ويعلم من نفسه أداء الأمانة مع الكفاية: جاز له أن ينبه السلطان على أمانته وكفايته.
ولهذا قال بعض العلماء من أصحاب الشافعي: من كمل فيه الاجتهاد وشروط القضاء: جاز له أن ينبه السلطان على مكانه ويخطبه خطة القضاء.
وقال بعضهم: بل يجب ذلك عليه إذا كان الأمر في يدي من لا يقوم به)().
وما ذهب إليه ظاهر الصواب، أي في مواجهة الظالم والضعيف، وعلى ذلك يحمل قول أصحاب الشافعي، ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن يوسف كان يخاطب ملكا كافرًا، وأنه لم يطلب ما طلب إلا من بعد تعريض ظاهر بتأميره من قبل العزيز، على ما يدل عليه سياق السورة، فإن العزيز قال: (ائْتُونöي بöهö أَسْتَخْلöصْهُ لöنَفْسöي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إöنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مöكöينñ أَمöينñ).
فطريقة الإيجاز البلاغي القرآ،ي حذفت ما يفهم ضمنا، فإن رسول الملك قال ليوسف فيما يبدو: إن الملك يدعوك، وقد سمعناه يفصح عن رغبته في استعمالك وتأميرك، وتأكد ذلك ليوسف في الإشارة الواضحة في خطاب الملك له حين وصفه بالتمكين والأمانة.
وعليه: فإن تجزئة تفسير قول يوسف وجعله نسبيا واجب، بالتضييق على أناس في تقليد يوسف، والتوسعة على آخرين.
فمن كان من الدعاة مقربا من القائد، مستعملا في عمل مهم يدل على أن القائد وثقه وقواه وأمنه إلى درجة سمحت له باستعماله وجعله من أعوانه، فإنه يسعه –إذا آنس من نفسه بعدًا عن الغرور- أن يشير على القائد أن يستعمله في عمل آخر قريب في أهميته مما هو فيه، هو أكثر اتقانا له، أو يرى أن مصلحة ما توجب تلك خفيت على القائد. ويلجأ خلال ذلك إلى التعريض دون التصريح ما أمكنه وعيرض رأيه بأدب كامل ولفظ رقيق.
وأما من كان من الدعاة غير مستعمل في عمل من أعمال الدعوة، ويرويد أن يطلب نوع عمل مهما صغر، أو مستعملا في عمل صغير ويريد أن يستعمل في عمل كبير لا يقاربه، فالباب ضيق أمامه ضيقا شديدًا، وتقييده بالأحاديث الصحيحة الواردة في المنع أصوب حتى ولو وجد في نفسه قوة وكفاية، والله أعلم.
في التأني السلامة...
وخير له من ذلك أن يتأنى في تحديث نفسه بالإمارة، فإن التأني زين كله.
*يتأني أولا إلى حين اكتمال فقهه ووعيه، ينفذ وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:
(تفقهوا قبل أن تسودوا) ()
فيجب على الداعية أن يتفقه، لسيادة وقيادة من يأتي بعده من أفواج الآيبين إلى الإيمان.
*ويتأنى ثانيا إلى حين اكتمال رجولته وتجربته الحياتية، فإن الأيام لا تزال تزيد المرء تجربة وعلما كما زادت الشاعر الذي خاطبك:
أخي عندي من الأيام تجربة فيما أظن وعلم بارع شاف
فينفذ وصية الإمام الشافعي حين يقول:
(إذا تصدر الحدث: فاته علم كثير)().
*ويتأنى ثالثة فيث ذلك أيام الفتن على الأخص، ويكون متوقفا حذرا، ينفذ وصية أبي العتاهية هذه المرة:
إصبر على الحق تستعذب مغبته والصبر للحق أحيانًأ له مضض
وما استربت فكن وقافة حذرًا قد يبرم الأمر أحيانًا فينتقض
وأقل ما في الفتن أنها ريبة كلها، وقد ترى الفتنة أنها قد أبرمت أمرها وأحكمت خطتها، فينقضها وعي الدعاة المؤمنين.
نكلها إلى القادة أفضل..
والداعية المتواضع الثقة قد تعزف نفسه عن الإمارة، لكنه يقع في اختلاف مع غيره عند ترشيحه للآخرين لبعض الإمارات، فيسرع المختلفان إلى التعصيب لاجتهادهما، في فورة من الحماة، ويجزم كل منهما بتخطئة صاحبه، أو الاعتقاد بأنه يخالفه لنوع هوى ومن باب التعسف.
ومثل هذه الظاهرة خطر ولا شك، لكنها تستحيل بسرعة إلى مجرد هاجس عابر خال من الضرر إذا انتبه كل منهما إلى وجوب مراعاة الآداب الشرعية في علاقات الدعوة، كما أسرع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى مراعاتها حين:
(قدم ركب من بني تميم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو بكر: أمر القعقعاع بن معبد بن زرارة.
قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس.
قال: أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.
قال عمر: ما أردت خلافك.
فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)().
ولا شك أن تذكر الدعاة دوما لهذا الأدب، والتطلع لقول قادتهم وإنفاذ اختياراتهم: يجرد مثل هذه الخلافات من كل خطر بتاتًا.
فإن تشدد القادة، وأقصوا عن المسؤولية عن الجماعة من لان أو انحرف أو خالف: فبالحزم أخذوا، ليس في ذلك ضير.
وإن تساهلوا، وعفوا وتجاوزوا، فبسد الذريعة وقواعد لم الشمل أخذوا، ليس في ذلك ضير آخر.
كل ذلك صواب في أعراف سياسة الجماعات، تؤيد الظروف النسبية المختلفة هذا المسلك أو ذاك، ما لم يكن ثمة هوى.
ورحمة الله على من تجرد وغلب هواه، قائدًا أو جنديًا.
الكتب الخاصة بنفس الكاتب
Query Error | | |