الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: العوائق
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: سياسي
 

دماء على المصحف

الاتعاظ بالتاريخ - الإعراض عن الجاهلين - كتبت الإشاعة - خوف تنكر الأرض والمؤمنين للخوالف

يرينا استقراء واقع العمل الإسلامي وتاريخه القريب، في كثير من البلاد، أن أي قوة من قوى الحركة الإسلامية وتجمعاتها، حين تنطلق انطلاقا مبدؤه النية الخالصة لنيل رضا الله سبحانه، فإن (شمولية الإسلام) تسهم مفاهيم الحركة بسماتها، مقرونة باتجاه عملي لانتشال أكبر عدد ممكن من الشباب من براثن الضياع. وتظهر هذه الشمولية ورغبة الانتشال واضحة في مفاهيم الجماعة وشروطها، فترى جناسا بديعا بين أحكام الإسلام كلها بارزة في تصرفات دعاتها وسلوكهم، لا تخطئ عين المعامل لهم رؤية ما فيه من بيان وبلاغة تطبيقية، كما ترى خطابها للناس بسيط بعيدًا عن التكلف والاجتهاد الغريب يجعله مفهوما لدى الجميع، مع شرط متشدد في التجميع والتأمير يمنع احتمال الانحراف.

فالجماعة الصحيحة الاتجاه لا تعرف (القصورية)، ولا يفضح مستوى أعضائها التربوي قولها وادعاءها، بل هم يعظون ويبشرون بحكمة، ويجعلون بينهم وبين البدعة سترًا، ويربأون بأنفسهم عن تجزئ يحصر قضية الإسلام في ثانويات يطغي الاهتمام بها على أصول العقيدة وعلى ما تعم بإهماله البلوي على الأمة من الأحكام، مثلما يربأون بها عن الاصطلاح المبهم، والجدل في الفروع، إذ ليس عمل الدعوة محاورات فلاسفة أبدًا.

ولذلك كان لابد أن ترفع مثل هذه الجماعة أثناء مراحلها الأولى من خططها احتمال قبول من يخالف سمتها هذا بين صفوفها، وأن تلغي بتاتًا رغبة التكاثر بالأعضاء، إذ أن الهدف الذي من أجله وجدت الحركة الإسلامية أرفع من مجرد التكاثر وأسمى، ولا تحل أزمة المسلمين الحاضرة بكثرة المتجادلين في الجزئيات، فإن الناس تلفهم ظلمات متراكبة، من البدع، أو الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض. كما أن دعاة الإسلام أنفسهم ربما لفتهم ظلمات الرياء والهوى ومحبة الرياسة، والحاجة ماسة إلى إيقاد أنوار إيمانية تجلي الظلام الذي سجى.

فليس دبيب الذر فوق الضفاة في      الظلام بأخفى من رياء ولا شرك

فهما يتسربان بأخفى من مشية النمل فوق صخرة ملساء في ليلة ظلماء.

فأما الشرك الخفي فهو ما يقع فيه الناس اليوم من الاحتكام إلى غير ما أنزل الله تعالى جحودًا وتكبرًا.

وأما الرياء فهو ما يقع بسببه الخلاف بين دعاة الإسلام أحيانًا، فترتفع معه الأخوة ولا ينتهي حتى يقوم شاعرهم يعاتب ويوبخ:

أبعد الصفاء ومحض الأخاء

بقيم الجفاء بنا يخطب؟

وقد كان مشربنا صافيا

زمانًا، فهل كدر المشرب؟

وكل أحد يعلم أنه زلال لم يكدر، ولم تغيره الشوائب، فإسلامنا هو إسلامنا.

ودعوتنا هي دعوتنا.

وأساليبنا تزيد تجارب الأيام صفاء.

ولكن النفوس هي التي تتكدر، فيتغير المذاق، ويصبح الحلو مرًا.

والظلام يلف هذا الشارب المتكدر، مثلما يلف ذاك الكافر المتعثر، وإن اختلف أسوداده.

فمن أحسن قولا، وأوقد نورًا، فهو للصواب قد فعل، ومن خالف وسار عكس الاتجاه: ناديناه أن:

*خل الطريق لمن يبني المنار به*

لا لأننا نحتكره، أو نرى ضيقه، بل هو طريق فسيح عريض، ولم تجد الأثرة لها فيه ثغرة لتدلف منها فتسده، ولا يقف التعنت خلف أبوابه ليمنع ولوج مخطئ قد استبد به الحنين، وملك عليه التحذير من الصفقة الغابنة جوانب قلبه، فأطلق منه لسان الاعتذار، وعزم على الأوبة إلى مباهج الفطنة، ولكن لأن الشرع أعطانا حق إزالة أسباب الضرر التي توضع عبر طريقنا، وإنما نحن بناة منارات هدى، ليس لذي معاكسة أن يزاحمنا في طريق مهنتنا التي شغفناها حبا في هذه الحياة، وما من مخلص إلا ومتاعب الأمة تخاطبه أن يساعدنا ويشد أزرنا، أو يدعنا نوقد الأنوار، ونواصل رفع القواعد من:

 

المنار السابع بعد العشرين، الناشر لإشعاع"

الاتعاظ بالتاريخ

فإن التاريخ يكشف لنا عن دور اليهود في تجريح القيادات المسلمة كلما رأوا نجاحها وفشل أساليبهم الأخرى في محاربة الإسلام، بل أصبح النيل من القادة، ومحاولة تحطيم مكانتهم المعنوية في نفوس المسلمين، هو الأسلوب المفضل عندهم.

إنه (التماسك حول العقيدة القومية والقيادة الأمينة هو الذي يتعب اليهود وأعداء الجماعة المسلمة –في كل زمان- وهو الذي يكلفهم الجهد والمشقة، ومن ثم تتجه جهودهم أولا لتحطيمه)([1]).

وتوضح الفتنة التي حدثت زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا الدور والتخطيط اليهودي جليا، ودورانه حول محور واحد هو: إفساد طاعة الجنود لأمرائهم.

فقد كانت لعثمان رضي الله عنه اجتهادات في أمور بسيطة استغلها المغرضون في التشنيع عليه وإلباسها لبوس الإحداث في الدين، مثل إتمامه الصلاة في منى أيام موسم الحج، وحرق المصاحف التي تخالف مصحفه الذي دونه كبار قراء الصحابة بإشرافه، وإنهائه نفي الحكم بن أبي العاص ورده إلى المدينة بعد أن أبعده النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها. وله خطبة أثبتها ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم) بين فيها صواب اجتهاداته هذه .

ولكن اليهود رصدوا هذا الاختلاف البسيط في الصف المسلم، فدسوا رجلا منهم تظاهر بالإسلام، اسمه عبد الله بن سبأ، ليطور الخلاف إلى فتنة عارمة.

يقول الطبري في تاريخ:

(كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عنه أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر).

لكنه كان يتسقط خلال رحلته هذه كل سارق وقاطع طريق ومفسد نالته عقوبة من أحد الولاة فتوترت نفسه، ويواعدهم أن يكونوا بالمدينة أيام يكون الناس حجاجًا بمكة، لينقلبوا على عثمان والناس غافلون.

ووضع لهم خطة أوجزها بقوله لهم:

(انهضوا في هذا الأمر، فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تستميلوا الناس، وأدعوهم إلى هذا الأمر)([2]).

هكذا، باسم الأمر بالمعروف يكون الهدم.

إنها الخطة الدائمة لكل ذي هوى.

وباسم مصلحة الدعوة تتطور الخلافات اليوم إلى فتن.

ثم كان من ابن سبأ أن:

(بث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء)([3]).

وبهذا فسدت النفوس، وحان يوم انقلابهم، فإذا بهم حول دار عثمان يحاصرونها، ثم دخلوا عليه وانفردوا به ليأتوا بالعجائب!!

(فضربه الغافقي بحديدة معه، وضربه المصحف برجله، فاستدار المصحف واستقر بين يديه، وسألت عليه الدماء) ([4]).

(فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله، وكان كبيرًا، وغشى عليه، ودخل آخرون، فلما رأوه مغشيا عليه جروا برجله، فصاحت نائلة وبناته، وجاء التجيبي مخترطًا سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة، فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره، وقتل عثمان رضي الله عنه)([5]).

(وأما عمرو بن الحمق فوثب على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات قال: فأما ثلاث منها فإني طعنتهن إياه لله تعالى: وأما ست فلما كان في صدري عليه.

وأرادوا قطع رأسه، فوقعت نائلة عليه وأم البنين، فصاحتا وضربتا الوجوه، فقال ابن عديس: اتركوه، وأقبل عمير بن ضابئ فوثب عليه، فكسر ضلعًا من أضلاعه)([6]).

فبربك: أهذا خلاف بين مسلمين أم مجزرة شيوعية كمجزرة الموصل؟

هكذا أعداء هذا الإسلام دومًا.

يريدون قطع رأس الجماعة، وكسر أضلاع تنظيماتها، والمبرر: (لله) كما قال ابن الحمق!!

وبصيحة (لله) هذه ضاع ألوف من شباب الدعوة بالأمس القريب، وثبطت جموع، وكشفت أسرار، وملئت سجون.

ولو صدقوا لقالوا مثل ما قال ابن الحمق مستدركا: (ست لما في الصدر)!!

وأراد أهل عثمان دفنه.

(فلما سمعوا بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله وهم يديرون به حائطًا بالمدينة يقال له: حش كوكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما خرج به على الناس رجموا سريره، وهموا بطرحه).

ذلك أنهم منعوا دفعنه بالبقيع وقالوا:

(والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبدًا)([7]).

وقتل مع عثمان عبدان دافعا عنه، (فجر بأرجلهما، فرمي بهما على البلادط، فأكلتهما الكلاب)([8]).

فانظر كيف تطور الاعتراض على الاجتهادات إلى قتل، وكسر ضلوع، وتمثيل وطعنات ودفن في مقابر اليهود، وتقديم جثث أعزها الله وكرمها طعامًا للكلاب!!

فهل يأمن المخلصون إذا لم يسلكوا سبيل الاعتراض الصحيح اليوم ومالوا إلى تشهير وافتتان أن تنتهي اعتراضاتهم إلى أضرار كبيرة؟

لا والله، فإن من شأن الفتن دوما أنها تتطور وتفلت السيطرة عليها، والفطن من وعظه التاريخ، وسارع إلى تناوش قبس من:

النور الثامن بعد العشرين، المتوقد بجمال:

الإعراض عن الجاهلين

فإن الخارجين يديمون الاحتكاك بأفراد الجماعة كي يبقوا مادة لتماسكهم، ولابد من تفويت مقصدهم بالسكوت وعدم الالتفات إلى تحرشهم، مع نظرة رأفة ورحمة لهم تقود لسان أحدنا إلى أن يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

فمن أخلافه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لا يغضب لنفسه قط، وهذا يوجب على الداعية إن سمع كلمة تعريض به أن لا ينفعل، إن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، وقد قال الله تعالى عن نفسه (وهو يتولى الصالحين)، والإعراض عن الجاهلين معنى من معاني الصلاح قطعًا.

وليعلم الداعية أن مدافعة الخصوم لا تكون أشد من مدافعة الأعداء في ساحات القتال، والمدافعة في ساحة القتال لا تكون بالالتحام دائمًا وإنما هناك الاختفاء والسكوت أيضًا، ولما نادى أبو سفيان المسلمين في معركة أحد بأعلى صوته: هل فيكم محمد؟ هل فيكم أبو بكر؟ هل فيكم عمر؟ لم يجبه أحد، مع أن الجواب كان أبعث للغيظ في قلب أبي سفيان من السكوت، ولكن الموقف كان يستلزم السكوت.

فإذا حصل مثل هذا في سوح القتال فحصوله في الحياة اليومية أولى.

إننا أصحاب دعوة أيها الأخوة، ولا يجوز أن ننزل عن مستوى دعوتنا الرفيع إلى حضيض التراشق بردئ الكلام، ولا يعذرنا الله إذا تركنا هذا المستوى العالي الذي أكرمنا الله به بحجة أن غيرنا جرنا إليه، إذ المؤمن لا يترك درجة من درجات إيمانه باستغواء من شيطان أو بجهالة من جاهل، بل من الواجب أن نقول: الله اغفر لنا وله، واهدنا وإياه، ولا تجعل غضبنا لأنفسنا، ولا في عملنا شيئا من أهوائنا.

فإذا قلنا ذلك فإن سكينة غامرة ستتنزل على قلوبنا تزيد متعتنا بأضواء:

 

النور التاسع بعد العشرين، حين يكشف لنا سبيل:

كتبت الإشاعة

بعدما عاب الله إذاعتها في قوله:

(إöذَا جَاءَهُمْ أَمْرñ مّöنَ الأمْنö أَوö الْخَوْفö أَذَاعُوا بöهö وَلَوْ رَدُّوهُ إöلَى الرَّسُولö وَإöلَى أُولöي الأمْرö مöنْهُمْ لَعَلöمَهُ الَّذöينَ يَسْتَنْبöطُونَهُ مöنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهö عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إöلاَّ قَلöيلاً).

(والصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجر من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال؟ أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر.

وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها، حين يتلقاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف، فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة، فإن إشاعة أمر الأمن مثلا في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو... إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعا من التراخي مهما تكن الأوامر باليقظة، لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر، وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية.

كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، قد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكًا، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف، وقد تكون كذلك القضية.

وعلى أية حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو هما معًا، ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك، باحتوائه طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء، وهذه الخلخة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني.

والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح:

(وَلَوْ رَدُّوهُ إöلَى الرَّسُولö وَإöلَى أُولöي الأمْرö مöنْهُمْ لَعَلöمَهُ الَّذöينَ يَسْتَنْبöطُونَهُ مöنْهُمْ).

فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن –بشرط الإيمان ذاك وحده- حين يبلغ إلى أذنيه خبر، أن يسارع فيخبر به نبيه أو أميره، لا أن ينقله ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شانه لهم به، لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر –حتى بعد ثبوته- أو عدم إذاعته) ([9]).

فمن أرته هذه الأنوار طريقة فهو الموفق، وإلا أوقدنا له:

 

النور الثلاثين كمحاولة أخيرة:

وهو نور تحذيري أحمر اللون ينذر بالخطر البالغ، ويشير إلى وجوب:

خوف تنكر الأرض والمؤمنين للخوالف

فكل امرئ لاقى الذي كان قدما، وكل امرئ يجزى بما كان ساعيا، وجل حصاد المرء من حيث يزرع.

فمن خالف الجماعة فإنه لن يجد إلا وحشة، حتى قال كعب التائب رضي الله عنه: (تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف).

(فتتنكر له نفسه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهله وأصحابه ومن يشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سر من الله لا يخفى إلا على من هو ميت القلب) ([10]).

(والخوف والهم: مع الريبة، والأمن والسرور: مع البراءة من الذنب.

فما في الأرض أشجع من بري ولا في الأرض أخوف من مريب وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتلي به ثم راجع)([11]).

وإنه لمما يحرص عليه المؤمن العاقل أن يكثر من يحبه من المؤمنين، ويديم محبتهم له حتى ساعة موتة، ليصلوا على جنازته فيقولوا: اللهم اغفر لحينا وميتنا، اللهم اغفر لنا وله.

وهذا كما حرص عليه كعب بن مالك التائب رضي الله عنه، فإنه وصف نفسيته أيام المقاطعة فقال:

(ما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي -صلى الله عليه وسلم- ، أو يموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي علي) ([12]).

فالذي لم تعجبه قواعدنا وموازيننا وأنوارنا السابقة، ويتأول لخلافه مع ذلك بعض التأويل، مدعو إلى أن يرهب مقاطعتنا له، ألا يموت من غير مستغفر له من الدعاة.

ذلك أن الفقهاء أجازوا لنا ترك السلام على مقارف الذنب، وترك رد السلام عليه، تأديبا له، وخلع البيعة، ونكث العهد، من أكبر الذنوب.

نعم، يجب أن نوقع هذه العقوبة بحذر بالغ، وبأمر الأمير لا بمبادرة من الأتباع، ولكن الفقه أجازها استثناء من الأمر بإفشاء السلام، لتعلقها بمعنى الردع والتأديب.

قال أبو داود:

(إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا شيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل).

قال: (وابن عمر هجر ابنا له إلى أن مات)([13]).

وقد خصص البخاري أكثر من باب في صحيحه لبيان جواز ذلك فقال:

(باب: هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيادة ونحوه؟)([14]).

ثم أورد حديث الثلاثة الذين خلفوا كجواب على سؤاله، تدليلا على الجواز:

وقال أيضًا:

(باب ما يجوز من الهجران لمن عصى) ([15]).

وأورد حديث الثلاثة أيضًا:

وعلى ذلك مضى فعل العلماء، وعلى الأخص هجرهم لمن يبتدع.

بل كانوا يهجرون أشقاءهم، كما حدث للمحدث الصدوق الثقة أحمد بن حرب الموصلي، إذ:

(هجرة أخوه على المسألة اللفظ)([16]).

أي لقوله: لفظي بالقرآن مخلوق، مع أن قوله هذا تحتمله مذاهب أهل السنة، ولكن جهره به في وقت شاعت فيه بدعة خلق القرآن أجفل أخاه فانكر عليه، وهجره.

وكان إبراهيم بن المنذر الحزامي المدني من ثقات العلماء، ومن شيوخ البخاري وغيره، ولكنه أثناء محنة خلق القرآن لأن وخلط، فذمه أحمد، ولم يرد عليه السلام([17]).

ومن مثل هذا استل ابن تيمية مشروعية الجر للمخطئ وإن كان من أهل الفضل في جوانب أخرى([18]).

وكل هذا مما فصله الحافظ ابن حجر بتفصيل جيد، فقال: (ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع).

قال: (وقال المهلب –أحد شراح البخاري-: ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية، وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، وخالف في ذلك جماعة).

(وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطي خوارم المروءة، ككثرة المزاج واللهو وفحش القول والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء، ونحن ذلك. وحكى ابن رشد قال: قال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، قال ابن دقيقة العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم، والتبري منهم).

ثم قال: (وقال النووي: وأما المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه فلا يسلم عليهم ولا يرد عليهم السلام، كما قال جماعة من أهل العلم، واحتج البخاري لذلك بقصة كعب بن مالك).

قال (وهو مما يخص به عموم الأمر بإفشاء السلام عند الجمهور)([19]).

وليس ترك الجماعة والنزاع معها وعصيان أوامرها بأقل من هذه الذنوب التي ذكرها جمهور الفقهاء، والتحلل من الوفاء ببيعة واجبة من أكبر خوارم المروءة فوق كونه حرامًا.
فانظر لنفسك أيها المخالف.

إن كنت تتأول لنفسك وتأبى التغافر والإلتفات إلى عيب النفس، و تلزم النجوى، والجل، ولا تقيس حالك على التعرب بعد الهجرة، ولا تريد الاتعاظ بالتاريخ، ولا تتقى طبائع آخر الزمان، فهلا ترفق بحالك إزاء مؤمنين سوف لا يسلمون عليك ولا يستغفرون على جنازتك يوم موتك؟

فاحفظ مصلحتك، وتواضع، وامش مع القافلة، نحفظ لك حقك ما دمت حيا، ونوصلك إلى قبرك باستغفار، ولا ندع النائحة المستأجرة تنفرد بنعيك!



([1]) في ظلال القرآن 4/222.

([2]) تاريخ الطبري، الطبعة الأولى، القسم 6/2946/3018/3020.

([3]) تاريخ الطبري، الطبعة الأولي، القسم الأول 6/2943/3018/3020.

([4]) تاريخ الطبري، الطبعة الأولي، القسم الأول 6/2943/3018/3020.

([5]) تاريخ الطبري، الطبعة الأولي، القسم الأول 6/2943/3018/3020.

([6]) الكامل لابن الأثير 3/179.

([7])

([8])

([9]) في ظلال القرآن 5/171.

([10]) زاد المعاد 3/20.

([11]) المصدر السابق.

([12]) صحيح البخاري 6/88.

([13]) سنن أبي داود 2/577.

([14]) صحيح البخاري 9/102.

([15]) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/277.

([16]) صحيح البخاري 8/26.

([17]) تهذيب التهذيب 1/23/167.

([18]) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/277.

|السابق| [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

المسار 

العوائق 

معاً نحمي العراق 

المُنطلق 

صناعة الحياة 

نحو المعالي 

معاً نتطور 

فضائح الفتن 

تقرير ميداني 

الرقائق 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca