أوضاع المسلمين
يمر العالم الإسلامي منذ أكثر من مائة سنة بأوضاع عصيبة، قلبت الأمور، وغيرت المفاهيم، وأسقطت الأمة في أيدي أعدائها، فلم يتركوا جزءا من كيانها إلا ومسخوه وأسقطوه، وبإمكاننا بهذا الصدد أن نلاحظ مجموعة من المحطات الهامة في مسيرة هذه الأمة.
· المحطة الأولى كانت في مؤتمر بال الثاني الذي عقد في سويسرا عام 1898م والذي قرر إسقاط السلطان عبد الحميد الثاني رضي الله عنه بعد أن رفض أن يتنازل لليهود عن فلسطين ليقيموا دولتهم على أنقاض شعبها المسلم.. ونفذت دوائر الغرب والحركة الصهيونية والمحافل الماسونية المؤامرة.
ومع إسقاط السلطان عبد الحميد عام 1909م.. حكم الدولة العثمانية حزب الاتحاد والترقي التركي الطوراني المعادي للفكر الإسلامي الموالي للغرب المشبع بأفكار اليهود.. وبدأ الحزب يعمل على تتريك الشعوب المختلفة في الدولة العثمانية، مما جعل الأمة الواحدة شعوبا وقبائل يحارب بعضها البعض الآخر.
· المحطة الثانية كانت في لندن عندما عقدت الدول الاستعمارية الغربية مؤتمر كامبل عام 1909م، الذي اتخذ قرارات على غاية من الأهمية. طرح المؤتمر فكرة أن الخلافة الإسلامية على وشك السقوط.. فكيف نحول دون قيامها مرة أخرى.. ولاحظ المؤتمرون أن المنطقة العربية هي المؤهلة لصحوة إسلامية تقاوم الاستعمار وتستخلص الحقوق.. وعليه فلا بد من تشديد قبضة الاستعمار على هذه الشعوب. وكإجراء استراتيجي قرر المؤتمر إنشاء إسرائيل بين آسيا العربية وأفريقيا العربية كمحطة غربية وقاعدة عسكرية تضبط منها وبها سلوك المنطقة.
· المحطة الثالثة كانت أن فرض حزب الاتحاد والترقي على الدولة العثمانية دخول الحرب العالمية الأولى عام 1914م.
ونتيجة لهذه الحرب تحطمت الدولة العثمانية، وتمزقت دولة الإسلام، وسقطت الخلافة، وكانت معاهدة لوزان عام 1923 التي شكلت الوثيقة الرسمية لإبعاد الإسلام عن أمور الدولة.
سقوط الخلافة
كانت مرحلة عصيبة، فلأول مرة تجد الأمة المسلمة نفسها بلا خليفة.. الأمر الذي دفع بقيادات المسلمين في مصر والحجاز والهند وأفغانستان وغيرها إلى عقد المؤتمرات لانتخاب خليفة بديل عن الخليفة العثماني. ولقد سارع الشريف حسين زعيم مكة فأعلن نفسه خليفة للمسلمين.. بينما عقد علماء الأزهر المؤتمرات ورشح بعضهم الملك فؤاد ليكون الخليفة.. وقامت في الهند جمعية الخلافة التي جمعت الأموال لمساعدة الخليفة.. وتحرك الإنكليز ليتخذوا من الآغاخان (أحد عملائهم) خليفة للمسلمين.. وتحركت الأقلام بعضها تدعو إلى سرعة اختيار الخليفة، وانبرت أقلام في اتجاه آخر مثل علي عبد الرازق في مصر تشكك في الخلافة.. وشرعيتها.. وتدعي بأن الخلافة لم تجر على الأمة إلا المصائب.
في هذه الفترة العصيبة التي تلت الحرب العالمية الأولى.. وقعت جميع بلدان المسلمين تحت حكم الدول الاستعمارية الغربية. حكمت هولندا اندونيسيا، وحكمت انكلترا مصر والسودان وجزءا من الصومال والعراق والخليج العربي واليمن الجنوبي وفلسطين والأردن وماليزيا، وحكمت فرنسا الشمال الأفريقي وسوريا ولبنان وجزءا من الصومال، وحكمت إيطاليا اثيوبيا وجزءا من الصومال وليبيا. واستخدمت الدول الاستعمارية في احتلالها أعلى درجات العنف. جزّأت البلاد وزرعت الفتن، وألغت المدارس والجامعات الإسلامية، وأقنعت الكثيرين أن الدين مجرد علاقة شخصية بين المرء وربه.. وأن المساجد مفتوحة لمن أراد الصلاة.. أما العلوم والسياسة والحياة الاجتماعية والقانونية والاقتصادية فلا سبيل لها إلا عن طريق الفكر الغربي، فالغرب لم يتقدم إلا يوم نبذ الدين وأقصى الكنيسة عن ميادين الحياة.