يقول الإمام حسن البنا في رسالته التعاليم: أيها الإخوان الصادقون، أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها: (الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة).
ويتابع فيقول وأريد بالفهم: بأن توقن أن فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز..
ونحاول هنا أن نذكر بعض النقاط التي تُفصّل ما أُجمل.. وتكمّل السطور التي حذفها الإمام رغبة في المرونة والاختصار..
لماذا قُدم الفهم على بقية الأركان ..؟
والأمر في غاية الأهمية.. فكيف يستطيع محام أن يدافع عن قضيته في المحكمة دون أن يدرس القضية ويدرس مواد القانون..؟
وكيف يمكن لمدرس يحترم نفسه.. أن يشرح لتلاميذه درسا ما في الجبر أو الهندسة دون أن يكون استوعب الدرس وفهمه حق الفهم..؟
وعلى نفس المبدأ.. كيف يستطيع داعية ما.. يدعو للإسلام أو لغيره أن ينقل قضيته للآخرين ويشعرهم بأهميتها.. وينقل لهم حرارتها.. ما لم يفهم هو أولاً هذا المبدأ ويتفاعل معه ويحسّ نبضه ويؤمن بأهميته..
من هنا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع من يُقبل على الإسلام إلى إخوانه فيقول لهم: فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن.
ومن قبل اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا.. مكانا يلتقي فيه المؤمنون، يزكيهم ويفقههم في الدين ويعلمهم الكتاب والحكمة.
(والأمر كما يقول علماء النفس: عن الإدراك والانفعال والنزوع.. بمعنى أن الإنسان يعرف ويدرك، فيتأثر وينفعل رغبا أو رهبا، فينزع ويريد إيجابا أو سلبا).
وهذا الترتيب واضح في القرآن الكريم، قال تعالى: {وليعلم الذين أوتو العلمَ أنه الحق من ربّك، فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم(.
والعطف بالفاء يفيد الترتيب والتعقيب، أي أن العلم يترتب عليه الإيمان، والإيمان يترتب عليه الإخبات، فهم إذا علموا آمنوا، وإذا آمنوا أخبتوا.
قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}.. شرح البخاري رضي الله عنه هذه الآية فقال: (أراد الله عز وجل بأن يكون العلمُ شرطاً في صحة القول والعمل).
فإذا سلّمنا بهذه الحقيقة.. أدركنا كم جرّ الجهلُ بحقائق الإسلام، على المسلمين من مصائب.. ودماء.. وأوقات.. وحقوق.. وكم نحتاج في نهضتنا اليوم إلى فهم عميق لحقائق الإسلام.. وأن يشمل هذا الفهم:
· العلمَ الشرعي الذي هو الوسيلة لتمييز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ.
· وعلمَ التاريخ وحاضر العالم الإسلامي ليعرف (من يريد الإصلاح) عوامل المدّ والجزر التي أصابت الدولة الإسلامية، وأسبابَ نهضتها وقوتها، وأسبابَ تخلفها وانهيارها.. وأن يعرف أن المسيرة التاريخية إنما هي من السنن المتكررة.. التي إذا عرفنا مقدماتها عرفنا النتائج.
· وعلمَ السياسة.. الذي هو علم إدارة الحياة.. بحيث نربط هذا العلم مرة ثانية بالفقه الشرعي.. فلا تتهم السياسة بالدجل.. ولا تكون الميكيافيلية هي دينَ السياسيين.
· وعلمَ الحياة.. الذي تعلمه أسلافنا فسادوا وأشادوا حضارة تنحسر عن عظمتها العيون.. ابتكروا العلوم.. وطوروا الموروث منها.. حتى أصبحوا سادة العالم ومهندسيه.. ويوم بعث الخليفة الرشيد رضي الله عنه (الساعة) هدية إلى شارلمان إمبراطور أوروبا.. هرب منها فقد تصور أن الشيطان يحرك عقاربها!
· وعلمَ الإدارة.. فنحترم أوقاتنا.. ونخطط لأعمالنا.. ونؤمن بالحوار.. ونقيم المؤسسات.
· وعلمَ الاجتماع.
· وعلمَ الاقتصاد.
جميع هذه العلوم وغيرها.. يحتاج أن يفهم المسلم الداعية نبذة عنها، حتى يستطيع أن يفقه الحياة.. ولا يعجز.
فإذا عجز وجهل انطبقت عليه الآية: )قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا(.
قال الحسن البصري: العامل على غير علم كالسائر على غير طريق، يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم.
وقال ابن القيم: صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطى عبدñ عطاء بعد الإسلام أفضل منها.