وهي المرحلة الثالثة التي يطّلع بها الإنسان المسلم الملتزم بعد إصلاح نفسه وأسرته.. ولقد كان الإمام البنا دقيقا موفقا في اختيار الموقف الصحيح في عملية التغيير..
ولم يتأثر الإمام بضغط الأحداث التي غلبت على عصره، والتي تمثلت بالثورات والانقلابات والاغتيالات.. ولم ير في هذه الوسائل فائدة ترجى، فهي كما تأتي بغتة تذهب كذلك، أما التغيير الإسلامي فيحتاج إلى نفوس أشربت حب دعوة الإسلام، واستقامت معه، وإلى أسر قامت على هدي الإسلام، وعلى مجتمعات غلبت عليها الصبغة الإسلامية.. وسنحاول فيما يلي، ومن خلال الخطوات التي ذكرها الإمام تلمس الطريقة التي اعتمدها في التغيير الإسلامي:
1- نشر دعوة الخير في المجتمع
والخير هو كل ما يحتاجه الناس في مجتمعهم.. في تأمين معاشهم، وسمو أخلاقهم، واستقامة سلوكهم.. وإقامة العدل بينهم.. والمساواة بين طبقاتهم.. فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب... لا فضل لأحمر على أبيض.. ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
حرية العقيدة مكفولة للجميع فلا إكراه في الدين..
وحرية التملك لا يعتدي عليها أحد..
وحرية التجمع مصانة لا تحدها إلا مصلحة المجتمع نفسه..
هذا الخير الذي وضع بذرته الإسلام.. يتعهده المسلم الفرد بالرعاية والعناية..
وتدافع عنه الجماعة المسلمة ما وسعها الدفاع..
بعض الأفكار السقيمة تنظر للأمور نظرة معكوسة..
فإذا تكلم خطيب جمعة في مكان ما.. بحديث جريء بيّن فيه الخير، ودعا للمعروف، وحذر من شرور المنكر، قالوا: إنه يفرّغ عواطف الجماهير.. والأصل (في رأيهم) تراكم العواطف الثائرة حتى تنفجر دفعة واحدة في وجه الحاكم..
ومن هذا السقم فكرة تعدد الجماعات الإصلاحية.. (ففي رأيهم) أن ذلك يخدّر الجماهير ويفرغها من طاقاتها.. والأصل (في رأيهم) أن توجد جماعة وحيدة.. ولكن من طراز مبدع وقيادة مبدعة تقوم بعملية التغيير!
إن المجتمعات لا تتحول إلى الإسلام.. إلا باستنبات الخير في كل جوانبها..
فالكاتب الذي يعمل على نشر الخير وتصحيح المسار الفكري في المجتمع، والصحيفة أو المجلة التي تبتعد عن الإسفاف وتهتم بمعالي الأمور وتسهم في تكوين الرأي العام،
وجمعيات النفع العام التي تساعد الفقراء، وتستر المتعففين، وتساعد طالب العلم، وتنشر المكارم في المجتمع،
والأحزاب السياسية التي تحافظ على وحدة الأمة وكرامتها وتدافع عن حرية الوطن بالمال والنفس والجهد،
والجماعات الإسلامية المتنوعة التي تعمل على صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية..
والوزير الصالح الذي يصلح أمور وزارته،
والفرد المسلم الذي ينافح ويبذر الخير في كل جوانب المجتمع...
المسرح الإسلامي هو البديل عن المنكرات التي تعج بها السينما والمسرح السيء وبرامج التلفزيون،..
والبنوك الإسلامية هي التي توقظ في حسّ المسلم خطورة الربا بعد أن كاد يستسلم لشرور الاقتصاد الربوي..
والنائب الذي يدافع عن القيم والأخلاق في البرلمان،
والمرأة التي تصرّ على لباسها الساتر في الجامعة،
والمدارس التي تقوم على أساس الإسلام فتربي النشء على مبادئه ومثله..
كل هؤلاء وغيرهم يعمل على صناعة الخير وإبعاد الشر وأسلمة المجتمع.
2- محاربة الرذائل والمنكرات
والرذائل والمنكرات هي كل ما حرّمه الشرع أو قبّحه أو كرّه فيه، أو ما حكم عليه العقل السليم بالقبح.. فلا تناقض بين حكم الشرع وحكم العقل السليم.
وإشاعة المنكرات اليوم من أهم وسائل المكر العالمي في إفساد الأفراد والمجتمعات.. وما هذا الجنس المتعري المكشوف.. وممارسة العهر علنا على شاشات التلفزيون.. والمخدرات والخمور التي تغيب العقول.. والاختلاط الآثم الذي تسقط فيه كل القيود والحدود..
وهذه المؤتمرات التي تطالب بإضفاء الصفة القانونية على الخنا والرذيلة واللواط والزواج المتماثل... هذه الوسائل الشاذة هي اليوم من أهم أسباب الفساد والإفساد.. إذا قلنا أن الصحوة الإسلامية اليوم تعمّ تركيا ومصر وإندونيسيا وبقية بلدان المسلمين.. فكيف يحاربها أعداء الإسلام..؟ يحاربونها بعشرات القنوات التلفزيونية التي تبث هذا الهبوط الفاحش.. وإذا منعت دولة ما استخدام المستقبلات.. هددوا بأن جميع القنوات في تلفزيونات المستقبل سيستقبلها كل بيت بدون جهاز استقبال..
ودور المسلم الملتزم أن يشيع الخير ويحارب الرذيلة بكل وسيلة ممكنة. فيحسن اختيار الزوجة الصالحة.. التي تحسن تنشئة الأبناء على الفضيلة.. ويختار لأبنائه الصحبة الجيدة، والمدرسة الجيدة، ويصاحبهم إلى المسجد.. في هذه البيئات والمحاضن الصالحة يعيش الفتى والفتاة حياة شريفة نظيفة تستنكر المنكر وتحاربه. ومهما بلغت درجة التزام الإنسان فلن يستطيع وحده مقاومة التيار.. ولهذا فلابد له من صحبة تعينه ومجتمع نظيف يؤويه ومعلم صالح يرشده وقدوة في الدعوة يتأسى بها.
وعندها لن يكتفي المسلم الملتزم بالإقلاع عن الرذائل والمنكرات بل لابد له من أن يحاربها في كل مجال يستطيع أن يحاربها فيه، بادئا بأهله ومن يليهم، ثم في أقاربه وجيرانه وأصدقائه، ثم في العمل ثم في الشارع..
فالسكوت عن الرذائل والمنكرات إثم ومعصية.. قال تعالى: )لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) .
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض. ثم قال: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم.. ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم) .
الأسلوب
في بلد من بلدان المسلمين.. خرجت مجموعة من الناس تحطم الحوانيت التي تضم بعض المنكرات.. فأطلقت عليهم الحكومة النار فأردت بعضهم قتيلا.. وسجنت البقية.. ليس هكذا تحارب المنكرات.. إنما بالأسلوب الشرعي وهو أن لا يؤدي إلى منكر أشد منه.. والعاقل من وسّع دائرة الرفض حتى تختفي هذه المظاهر الفاسدة من الرذائل والمنكرات.
3- تشجيع الفضائل
والفضائل ضد الرذائل.. وإذا انشغل المسلم والمجتمع بمحاربة الرذائل والمنكرات واقتلاعها.. فلابد أن يزرع مكانها الفضائل.. فالناس إن لم يجدوا الخير انشغلوا بغيره.
يصوّر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الفضائل فيقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. فمهمة الرسالات السماوية منذ كانت وحتى ختامها برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .. هي الأخلاق والفضائل.. ومن يتابع مكوّنات الشخصية الفاضلة الفردية عند المسلم والجماعية في المجتمع يجدها مجموعة من الفضائل مثل: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدل، والاستقامة، والصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد والوعد، والمروءة، والكرم، والعفو، والتسامح، وأداء الواجب، وتحمل المسؤولية، والحلم، والصبر، وحب الخير للناس، وغيرها كثير..
ولكن كيف نشجع على الفضائل..؟
· بلفت النظر إلى أن الفضائل تبني المجتمعات العزيزة.. وبالرذائل تنهدم المجتمعات العامرة.. وفي قصص الأقوام الغابرة.. والمجتمعات الحاضرة.. عبرة لمن أراد الاعتبار.
· بأن يكون الداعية المسلم قدوة خيّرة للآخرين.. يقابل الإساءة بالإحسان.. ويحارب المنكرات بزراعة الفضائل..
· بإبراز سيرة الفضلاء الدعاة.. كيف آمنوا بفكرتهم.. وضحوا في سبيلها.. وكيف انتصرت الفضيلة على لسانهم وفي سلوكهم.. فالأمم الأخلاق.. فإذا انهارت الأخلاق انهارت الأمم.
4- الأمر بالمعروف
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .
يتناول هذا الحديث الصحيح قضية من أهم القضايا الإسلامية التي يكثر حولها الجدل.. قضية واجب المسلم، وضرورة العمل الجماعي، وفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمجاهدة باليد أو اللسان، ومعنى المجاهدة بالقلب.. وكلها أمور تستحق أن نقف عندها لتوضيح ما استشكل فهمه، وتبسيط ما حاول البعض تهويله أو التهوين من شأنه.
قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله عز وجل: )ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون( .
(فالمهمة التي شاء الله عز وجل أن يلقي أعباء القيام بها على عاتق الأمة المسلمة عبّرت عنها الآية الكريمة بمصطلحين: أحدهما الدعوة إلى الخير، والآخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .
أما الدعوة إلى الخير
فقد روى أبو جعفر الباقر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية الكريمة {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} فقال: الخير اتباع القرآن وسنتي.
وبذلك يصبح معنى الآية: إنه لا بد من وجود أمة (أي جماعة) تعمل على نشر الإسلام وتطبيقه، واتباع تعاليم القرآن الكريم وسنة الرسول الأمين فيما يخص أمور الدنيا والدين.
أما المصطلح الآخر فهو مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو موضوع البحث:
ذكر الإمام الغزالي في كتابه القيّم (إحياء علوم الدين) وهو يتحدث عن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال:
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي ابتعث الله لها النبيّين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد) .
· فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مهمة الأنبياء. قال الله تعالى يصف رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: )يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر( .
· ومهمة الأمة المسلمة من بعد النبي، قال تعالى: )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله( .
· وهو عبادة واجبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهلك، فمن انتقص شيئا منهن فهو سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره) .
وهو واجب فرض على المسلم وليس نافلة يؤديها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر) .
وعن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوحى الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها. فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين. قال، فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعّر فيّ ساعة قط) .
· الإمام محمد عبده يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين، بينما يراه الإمام ابن تيمية أنه فرض على الكفاية.
يقول الشوكاني:
(وجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها) .
· فإذا كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل هذه الأهمية في دين الله، فما جوهر هذا الأمر أو النهي؟
يقول المفكر المسلم عبد القادر عوده: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بكل ما أوجبت الشريعة عمله، أو حبّبت للناس فعله من صلاة وصيام وحج وتوحيد وغير ذلك. والنهي عن كل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد) .
· فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجمع - في الأصل - بين عملين: عمل الدعوة وعمل التربية والتنظيم، ويتم هذان العملان بترتيب طبيعي. فيدعو الداعية الناس أولا إلى دين الله ثم يُعنى بتربية الذين يؤمنون به وتنظيمهم. وعلى هذه التربية وهذا التنظيم يتوقف نجاح الدعوة أو إخفاقها.
فإن كان التنظيم محكما موطدا، والتربية سليمة قوية أفلحت الدعوة، وإلا كان الإخفاق مصيرها المحتوم.
ولذلك كان بين الدعوة والإرشاد وبين التنظيم والتربية صلة قوية وارتباط وثيق. فلا توجد التربية والتنظيم بدون الدعوة، كما أن من المستحيل بلوغ الدعوة إلى غايتها المنشودة من غير تربية وتنظيم. ولا شك أن من توجه إليه الدعوة والإرشاد غير من يجري عليه عمل التربية والتنظيم، لأن الدعوة توجه إلى الذين لم يؤمنوا بها، أما عمل التربية فيجري على من آمن بها. ويتحتم على الأمة الإسلامية أن تنهض بالعملين معا أي أن تقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخلها وخارجها جميعا.
أما العمل الذي تقوم به في خارجها فيسمى الدعوة والإرشاد، وأما الذي تقوم به في داخلها فيقال له التربية والتنظيم.
قال الله تعالى: )كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله( .
أي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل دعوي.. تقوم به الأمة المسلمة بين الناس وفي نفسها، فهي إذا لم تلزم نفسها بالمعروف ولم تنته هي عن المنكر فكيف يصح لها أن تأمر غيرها وتنهاه؟ قال تعالى:
)وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا( .
والشهادة على الناس تعني أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. قد يظن البعض أن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مهمة سياسية فقط يقوم بها الحاكم المسلم فيوطّد شؤون الأمة والناس على المعروف مستخدما سلطانه في قمع المنكر.. وهذا ظن في غير محله فالرسول صلى الله عليه وسلم أمره ربه فقال: )خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين( .
والعرف في لغة العرب هو المعروف والآية من سورة الأعراف التي نزلت في مكة عندما لم يكن للمسلمين دولة ولا سلطان.. ولقد جاهد النبي قومه ودعاهم إلى عبادة الإله الواحد وتحمّل منهم كل صنوف الأذى والاضطهاد.. حتى أذن الله له بالهجرة.. وأقام في المدينة دولة الإسلام.. وجاهد في سبيل الله الكفار والمشركين.. بهذا يمكن تقسيم فعل النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعثته وحتى أكمل دعوته إلى ثلاثة أقسام:
1- الدعوة والتبليغ لجميع الناس وفي كل مكان،
2- وإقامِة الدولِة الإسلامية وتطبيق شِرع الله،
3- والجهاد في سبيل الله.. وكل ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم.. وطالب أمته والمسلمين من بعده أن يستمروا في أداء هذه المهمة الماضية إلى يوم القيامة.
الجانب السياسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله تعالى: )الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور( .
ومعنى ذلك أنه كما أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جانبا دعويا تربويا، فكذلك له جانب سياسي. أي أن الأمة المسلمة وأولي الأمر فيها مطالبون بتطبيق شرع الله فريضة من الله. وأداء هذه الفريضة من أهم مسؤولياتها وأكبر واجباتها لا يجوز لها شيء من التهاون فيها، فضلاً عن إهمالها، ولأنها هي التي تضفي عليها الطابع الإسلامي والصبغة الإسلامية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .
فإذا جاء هؤلاء الخلوف وانحرفوا بالمجتمع المسلم عن هدي الرحمن وسنة نبيه ولم ينفع معهم النصح والتذكير فقد وقع واجب التغيير على أبناء الأمة كل حسب قدرته.
ولكن لماذا تتحمل الأمة هذا الواجب؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لم يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) .
وقال تعالى: )فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين( .
فالطائفة التي عصت وطغت أصابها عذاب الله. والطائفة التي وعظت وذكّرت أنجاها الله.
أما الطائفة الثالثة التي لم تعص ولكنها لم تنه الذين اقترفوا المعاصي.. أصيبت بما أصاب الطائفة الأولى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم قال: (لُِعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم) .
والواضح من هذه الآيات البينات، والأحاديث الصحيحة أن الأمة تراقب الحاكم في وظيفته الأصلية وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا قصّر نصحته وإذا تمادى قوّمته.. فإن البيئة الفاسدة تفسد الناس وخلائق السفهاء تعدي الآخرين.
ولكن كيف تكون مقاومة المنكر؟
· فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن
وحول هذا الموضوع قال العلماء كلاما كثيرا.. منه أنه ينبغي على العصبة المؤمنة المقتدرة ماديا أن تجاهد المنكر وتزيله بيدها، وقد اشترط الفقهاء أن لا يؤدي الأمر بالمعروف إلى منكر، و ألا يؤدي النهي عن المنكر إلى منكر أشد..
· ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن
والإصلاح باللسان متقدم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد. ولقد نعى الإسلام على الأمة أن تهاب الظالم وتخشاه فلا تردعه عن ظلمه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
(سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
· ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن
والمجاهدة بالقلب تعني أن الإنسان إذا لم يستطع أن يجاهد بيده ولا بلسانه لظروف خاصة به مثل شدة بطش الحاكم أو الخوف منه.. فتكون مجاهدة بالقلب. وهي ليست مجرد الإنكار القلبي والاستكانة بعد ذلك، بل تعني أن يتحول هذا الإنكار إلى فكرة يبثها المنكر بقلبه بين أقرانه يجمّع عليها جميع المنكرين بقلوبهم، حتى يتكون منهم تيار غالب يقوّى أفراده بعضهم بعضا، بحيث تصبح لهم قوة مادية يستطيعون بها أن ينكروا بألسنتهم أو بأيديهم. وهؤلاء هم الذين يكوّنون الجماعة المسلمة في كل وقت وحين.. غايتها تجميع القوى المختلفة التي تؤمن بالتغيير ولكنها لا تستطيع منفردة القيام به.. فتجمع قواها لتصبح تيارا غالبا وقوة مادية تتغلب على المنكر والمنكرين.
· وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان
فالقوي الذي لا ينكر بيده، والعالم الذي لا ينكر بلسانه، والآخرون الذين لا ينكرون بقلوبهم.. ليس عندهم حبة خردل من إيمان.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
(ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لم يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) .
وفي الحديث: (إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه. فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة) .
الأمر بالمعروف وإرشاد المجتمع
هذا الأمر على أهميته البالغة أسيء فهمه كما أسيء تطبيقه. ولقد انحرفت جماعات بسبب هذه المفاهيم الخاطئة.. فالأصل في الأمر بالمعروف أن لا يؤدي إلى منكر، وألا يؤدي النهي عن المنكر إلى منكر أشد.
5- المبادرة إلى فعل الخير
والمبادرة تعني المسارعة،
والمبادرة قضية تربوية على درجة عالية من الأهمية.
فهناك إنسان ينظر في الأمور.. ويستمر في النظر إلى ما شاء الله.. وهناك إنسان آخر.. ينظر في الأمور ويبادر على الفور إلى العلاج.
الإنسان الأول يتحول نظره إلى معرفة ذهنية لا قيمة لها.. والإنسان الثاني يتحول نظره إلى فعل إيجابي يساهم في إصلاح المجتمع..
هب أن حريقا شب في بيتك أو في بيت جارك.. فهل تكتفي بالتفكير في أسباب الحريق.. وأضرار الحريق.. أم تبادر من فورك إلى استدعاء الإطفاء، وتساهم مع إخوانك وجيرانك في إطفائه ما وسعك الأمر..؟
الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. منذ اللحظة التي نطق فيها بالشهادتين.. بادر النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ألسنا على الحق.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى.. قال عمر: فلنخرج إذن.. وكانت مبادرة مثلت تحولا في مسار الدعوة..
والصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه .. يستمع إلى التوجيهات النبوية بالتجهز لغزوة تبوك.. كان يغدو ويروح إلى السوق.. ومع ذلك يسوف الأمر.. ويقنع نفسه أنه قادر على الجهاز في أي وقت شاء.. أقعده تسويفه مع المخلفين.. وفرق كبير بين من يسوف الأمور ومن يبادر إلى إصلاحها..
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة الواجبة على كل مسلم.. ماذا تعني إن لم يبادر المؤمن إلى القيام بها..؟
فهل إذا رأى مسلم منكرا.. يسوف وينتظر.. أم يبادر إلى فعل المعروف وإنكار المنكر..؟
القرآن الكريم يحث المؤمنين على المبادرة إلى فعل الخير..
قال تعالى: )فاستبقوا الخيرات( .
وقال تعالى: )وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين( .
وقال تعالى: ) ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير( .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم المربي الأول والقدوة العظمى للمؤمنين.. علّمنا بفعله وقوله أن نبادر إلى فعل الخيرات.. فليس في الوقت متسع..
روي أبو مسروعة رضي الله عنه قال: (صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر، فسلّم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرت شيئا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) .
وكيف لا يبادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فعل الخير، وهو القائل: (بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض الدنيا) .
يحب المؤمن أن يبادر إلى فعل الخيرات ولكنه لا يستطيع لسبب من الأسباب.. فيدل أخاه على الخير.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله) .
ولكن كيف تكون المبادرة..؟
· تكون بمحاسبة النفس.. فيبادر المؤمن إلى إصلاحها.
· وتكون بمبادرة المؤمن الداعية إلى تفقد إخوانه.. فيساعد المحتاج.. ويصلح بين المتخاصمين.. ويستر العاني.. ويغيث الملهوف.. ويزور المريض.. ويعين على نوائب الحق..
· وتكون بتشكيل فريق عمل من إخوانه في الحي.. فقد لا يستطيع وحده القيام بذلك.. ويد الله مع الجماعة.
6- كسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية
هذا الموضوع على درجة عالية من الأهمية.. فمن يتمعن في واقع البلاد الإسلامية والعربية على وجه الخصوص يجد الإعلام - وهو من أهم وسائل كسب الرأي العام - يسير في الاتجاه الخطأ.. ويجد بالمقابل صوت الإسلام خافتا لايكاد يملك القدرة على رد الشبهات المثارة ضده وضد مبادئه.
ولقد أوقع هذا الأمر، المواطن العادي في أزمة تناقضات، وبلبلة في المشاعر والأفكار والمواقف.
· ففي المجال السياسي أصبحت التجزئة التي هي إحدى مخلفات الاستعمار هدفا يدافع عنه الجميع.. وأصبحت العنصرية التي هي من أنواع الجاهلية التي حاربها الإسلام وحذّر منها عقيدة تنافح الأمة عن وجودها.. وأصبح الاستسلام للعدوان الغاصب وعيا سياسيا وموقفا حضاريا ينبغي الدفاع عنه.. أصبحت الوحدة حلما لا يفكر فيه أحد.. وأخوة الإسلام فكرة قديمة لا تصلح لعالم اليوم.. والتطبيع مطلب دولي يهرع الجميع إلى تنفيذه.
· وفي المجال الاقتصادي.. تسير مواقفنا مع التيار الغالب..
كنّا نتسابق لمحاربة الشيوعية يوم كانت فكرة يقاومها الغرب لأسباب تتعلق فيه، واليوم نتسابق للسير في إطار العولمة دون أن نعرف -في كثير من الأحيان- معناها أو إلى أين تتجه بنا.. قالوا لنا أن أسعار النفط تدنت بسبب الأزمة الاقتصادية في جنوب شرق آسيا.. وأن تدفق النفط إلى الأسواق العالمية بوفرة كبيرة لا يؤثر في الأسعار.. صدقناهم في هذه، وصدقناهم أيضا في تفسيرهم لأسباب أزمة جنوب شرق آسيا.. كل دول العالم التي تحترم نفسها لها إطار اقتصادي تنتسب إليه، وأسواق مشتركة تعمل معها.. إلا العالم العربي والعالم الإسلامي، ويوم فكّر البروفيسور نجم الدين أربكان رئيس وزراء تركيا (السابق) بمثل هذا التفكير اتهموه في فهمه ثم أسقطوه..
· وفي المجال العلمي.. الأمة المسلمة في المؤخرة. يوم قامت إسرائيل على أرضنا كانت جامعتها التخنيوم في حيفا، تزيد نسبة أبحاثها عن النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية..
· وخلاصة الأمر.. أن الإعلام الذي يتحكم بالرأي العام يسير في الاتجاه المعاكس فلا يخدم وطنا ولا دينا ولا كرامة ولا حقوقا للإنسان أو للأوطان..
فكيف يستطيع الحركة الإسلامية وأبناؤها.. (وهم في أغلب الأحيان مضطهدون مغلوبون على أمرهم) التغلب على هذا التضليل الإعلامي.. الذي يشوه الحقائق.. ويؤكد الأباطيل.. ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف...؟
كيف يستطيع الحركة الإسلامية وأبناؤها.. الخروج من الدائرة الضيقة التي وجدوا أنفسهم بها..؟.
نذكر هنا بعض الوسائل في كسب الرأي العام
· الإعلاميون في معظم البلاد الإسلامية هم من أبناء اليسار أو اليمين.. ومن النادر أن تجد إعلاميين أكفاء من أبناء الحركة الإسلامية في وسائل الإعلام الرسمي أو الشعبي.. مع أن هذا الأمر ميسور ولا يحتاج إلا إلى اهتمام ودراسة متخصصة..
فإذا كان الإعلام اليوم من أهم أسلحة المعركة.. فما بالنا متخلفين في هذا الميدان؟
· وحتى عندما تتاح بعض الفرص لأبناء الحركة الإسلامية للظهور والتحدث في بعض القنوات التلفزيونية.. تراهم يتحدثون بنفس اللغة لا فرق عندهم بين السياسة والإعلام وخطبة الجمعة..
فأين منطق التخصص؟
وأين الإسلاميون من تعاليم دينهم الذي أوضح لهم أن كل إنسان ميسر لما خلق له؟
· لماذا يصدر الإسلاميون مئات النشرات في كل بلاد الإسلام.. ومعظمها لا يصلح لشيء.. أين هم من الإعلام الراقي المتخصص الذي يتمكن بالصورة والمقال من إقناع الجمهور؟
· لماذا يصر الإعلاميون الإسلاميون على كتابة ما يتمنون.. فيحسّنوا صورتهم ويشوهوا الآخرين.. مع أن الحقيقة المجردة هي التي تستحق الإبراز. وعند الحقيقة يظهر التصرف، إذا كان صوابا تابعناه وإذا كان خطأ قومناه.
· أين الإعلام اليوم في أولوياتنا؟
هل هو في الدرجة الأولى..
أم من نافلة القول والعمل؟
· ولنفترض أن أبواب الإعلام سدّت في وجوهنا.. وضاقت الساحة أمامنا..
فأين الشارع الذي نستطيع عن طريق لجان الحي.. أو الجمعيات المحلية.. أن ننقل إليه أفكار الإسلام ومواقف المسلمين الصحيحة؟
أين المسجد الذي يلتقي فيه المسلم مع ثلة من أبناء حيه خمس مرات كل يوم.. هل يتحدث معهم وينقل إليهم ما ينبغي التحدث عنه؟
· حزب الرفاه في تركيا كان عنده مسؤول لكل شارع.. وكان هذا المسؤول يعرف كل شيء عن شارعه.. يزور السكان.. يبارك لهم أفراحهم ويحزن معهم في مصائبهم.. وعن هذا الطريق يبث أفكاره ومواقفه؟
· هل يتحدث المسلم مع جيرانه في البناية التي يسكنها.. وفي كل بناية عدد لا يقل عن خمسين شخصا بين رجل وامرأة وشاب وشابة وطفل وطفلة..
الأمر ميسور لمن أراد التيسير.. كل ما يحتاجه هو تصحيح الفكرة التي ينطلق منها..
· فإذا كنّا نعتقد أن دعوة الإسلام هي حركة صفوية تهم فريقا مختارا من الناس.. عندها ينبغي أن نهتم بالدعوة الفردية ونحاول أن لا نقول شيئا، ولا يعرف أحد عنّا شيئا. مناهجنا سرية.. وأحسن الأشخاص عندنا أكثرهم تكتما وسرية..
· أما إذا كنّا نعتقد أن الدعوة الإسلامية هي خطاب الله لجميع الناس.. من يقصّر في إيصال الخطاب فقد أهمل وأثم.. وأن الحركة الإسلامية الحقيقية هي الدعوة والبلاغ.. عندها سننطلق في كسب الرأي العام بكل الوسائل.. وعندها فقط سينصبغ المجتمع بصبغة الإسلام وهي خطوة رئيسة في التغيير الإسلامي المنشود.
· مناهج التغيير التي ابتكرها البعض.. فأسماها بعضهم ثورة شعبية.. وبعضهم انقلابا عسكريا.. وبعضهم قتلا على الهوية..
ما هي إلا استعجال للمراحل قبل الأوان..
أما سبيل الحركة الإسلامية الواعية في التغيير فهو الفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة، حلقات يأخذ بعضها بيد بعض.. ويفضي بعضها إلى البعض الآخر.. حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
7- صبغ مظاهر الحياة العامة بالفكرة الإسلامية
وهذا الجزء هو النهاية التي تسبق عملية التغيير الإسلامي..
· فإذا كان الفرد المسلم نموذجا حيا لما يريده الإسلام.. في كلامه وعمله، في مطعمه ومشربه، في سلوكه وتربيته، في اهتمامه بالآخرين، في عفة لسانه وصدق مقاله، في حله وترحاله، في خلوته مع نفسه وتعاونه مع الآخرين.. إذا كان يعمل ما يعمل أو يقول ما يقول لوجه الله وحده، عندها سيكون هذا الفرد المسلم لبنة أولى في بناء المجتمع الإسلامي.
كم من أفراد قلائل.. ضربوا في الأرض.. وعن طريق تعاملهم مع الآخرين.. نشروا الإسلام في أصقاع تضم حاليا عشرات ملايين المسلمين..
إن الحروب العادلة قد ترد كيدا، ولكنها لا تعمق مفهوما.. فالذي نشر الإسلام في البلاد التي فتحها المسلمون.. لم تكن الحروب.. بل سلوك وأخلاق الفاتحين..
وكما يكون المسلم السوي المعتدل عاملا إيجابيا في صبغ الحياة بالصبغة الإسلامية، كذلك يكون المسلم الذي يهتم بالقشور في ملبس أو مطعم.. ويتقعر في الكلام.. ويتفاخر على الآخرين.. عاملا سلبيا.. في بناء الحياة الإسلامية السليمة.
· وكذلك الأسرة المسلمة.. التي تطبق الإسلام في فعلها وقولها.. وفي حقوقها وواجباتها.. الأدوار فيها واضحة.. دور الأم في التربية.. ودور الأب في القيادة.. ودور الأبناء في التعلّم والطاعة..
هذه الأسرة التي تبني أعمالها على القناعات.. فيكون التزام الرجل صادرا من أخلاقه وعلمه.. والتزام المرأة ناتجا من فهمها لحقوقها وواجباتها.. هي لبنة أخرى في صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية.. وهي حلقة تالية من حلقات التغيير الإسلامي المنشود.
· وإذا صلحت الأسرة فقد صلحت الأمة، وإنما الأمة مجموعة هذه الأسر وإنما الأسرة أمة مصغرة والأمة أسرة مكبرة، وقد وضع الإسلام للأمة قواعد الحياة الاجتماعية السعيدة، فعقد بينها آصرة الأخوة وجعلها قرينة الإيمان، ورفع مستوى هذه الصلة إلى المحبة بل إلى الإيثار، وقضى على كل ما من شأنه أن يمزق هذه الروابط أو يضعف هذه الوشائج، وحدد الحقوق والواجبات والصلات، فللأبوة حقها وعليها واجبها وللبنوة مثال ذلك، ولذي القربى حقوقها وعليهم واجباتهم، وفصّل مهمة الحاكم والمحكوم، وبيّن للمعاملات بين الناس أحكامها بأفصح بيان، ولم يجعل لأحد على أحد فضلا إلا بالتقوى، وكذلك حدد صلات الأمم بعضها ببعض، ولم يدع من ذلك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ووضع في كل ذلك قواعد كلية وترك الفرعيات والجزئيات لتغير الزمان والمكان.
نحن نريد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والشعب المسلم، ولكنا نريد قبل ذلك أن تسود الفكرة الإسلامية حتى تؤثر في كل هذه الأوضاع وتصبغها بصبغة الإسلام وبدون ذلك فلن نصل إلى شيء، نريد أن نفكر تفكيرا استقلاليا يعتمد على أساس الإسلام الحنيف لا على أساس الأفكار المستوردة من الشرق أو الغرب.. نريد أن نتميز بمقوماتنا ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخر والمجد.