j مهِارة إدارة الِوقت:
قُِدْ وقتك: العملقة تتحقق بوضع خطِّة ومنهج والسّير خطِوة خطِوة نحو تحقيق الأهداف المنشِودة والمقاصد النّبيلة، مع العلم أن العمالقة ينتجِون مجتمعِا عملاقِا والأقزام ينتجون مجتمعا قزما. قضيتان مهمّتان أساسيتان فِي حياة الإنسان، لو انتبه إليهما وأعطاهمِا من العنايِة والتّركيِز والجهد لحقّق نجاحات باهرة في حياته، ألا وهما:
*معرفِة الموهبِة الخاصِّة:
التي حباك الله بها، فَضْلُ الله عليك، ماتميل إليه وترغب فيه، تخصّصك، رسالتك الخاصّة، الاتّجاه والمجال الذي بإمكانك أن تنتج فيه وتبدع وتتميز، العمل الذي تحبّ وتجد فيه نفسك قدراتك الخاصة، المواهب التي سلّحك بها القدر، وهي من أجل النعم على الإنسان بصفة عامة.
*حسِن تنظيِم الوقِت
فمن اكتسب مهارة إدارة الوقت فهِو الموفّق. وعليه لا بدّ من الإشارة إلى قيمة الوقت في ثقافتنا العربية الإسلامية. وكما نعلم الحركة مربوطة بالزّمن، فعلينا أن نَقْصد في مشينا، ونحسب للوقت حسابه ولا نترك لحظة تمرّ دون أن نستفيد منها ونستثمرها في الاتجاه الإيجابي.
*الوقِت هِو الحيِاة:
قالوا الوقت من ذهب، وذلك لأنّه من أنفس الأشياء وأغلاها. وقال آخرون: لا لقد أبخستموه حقّه فهو أكبر من ذلك فالوقت هو الحياة، فهو من أنْدر الأشياء وأثْمنها لأنّ مشكلته إذا غاب لا يعود، ومن هنا كانت له هذه الأهمية. وقد عُني به القرآن الكريم والسنّة النبوية أيُُّما عناية وعلى سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: "وسخّر لكم الليل والنّهار"(33-ابراهيم) وقولِه:"وهو الذي جعل الليل والنّهار خöلْفَة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شُكورا."(62-الفرقان) وقوله: "والليل إذا يغشى، والنّهار إذا تجلى."(1، 2-الليل) وقولِه:"والفجر، وليال عشر، والشّفع والوتر."(1، 3-الفجر) وقولِه: "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر."(1، 2-العصر) وثبت في الحديث الشريف: " لن تزولَ قدما عبد يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله ممّا اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا فعل به. "وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اغتنمْ خمسا قبل خمس، حياتُك قبِل موتك، وصحّتُك قبل مرضك، وفراغُك قبل شغلك، وشبابُك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك." وكتاب الوحي بشقيِه قرآن وسنة مليء بالإشارات التي تنبّه إلى قيمِة الوقت في حياة الإنسِان، وقد كان السّلف الصّالح رضِوان الله عليهم يسمِّون الصلوات الخمس بميزان اليوم وصلاة الجمعة بميزان الأسبوع.
ومن خصائِِص الوقِِِِت:
أ ) أنِّه أنفِس مِا يملك الإنسِِان:
ولسوف يندم في التّفريط فيه لا محالة، فهو عندما يصحو ويتأمّل دقّات قلبه التي تقول له:عمرك: لحظة سرعان ما تنتهي وتزول، وإذا كان الذي مضى من عمرك كلمح البصر، فإنّ الذي بقي منه كذلك أوأقل. فالإنسان بضعة أيّام إذا انقضى يومه ذهب بعضه، والكياسة أن تعدّ العمر تنازليِا.
ويُحسّ بالتّفريط فيه عند الاحتضار وفي الآخرة. وهذا الشّعور لاشكّ يولöّد الحرص على الاستفادة من الوقت. قِال أحد السّلف: "أدركتُ أقوامِا كانوا أشدّ حرصِا على أوقاتهم من حرصكم على دنياكم."
وقال آخر: "إنّ الليل والنّهار يعملان فيك فاعملْ فيهما."وقال آخر:"من كان يومُه مثلَ أمسه فهو مغبون." وقال آخر:"ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غَرُبتْ شمسُه نَقُص فيه أجلي ولم يزöدْ فيه عملي."
وقال آخِر: "إذا مرّ بي يومñ ولم أقتبسْ هدى، ولم أستفدْ علمِا، فما ذاك من عمري." وقِال أحد الحكماء: "من أمْضى يوما من عمره، في غير حقّ قضاه، أو فرْض أدّاه، أو مجْد أثله، أو حمد حصّله، أو خيْر أسّسه، أوعلْم اقتبسه، فقد عقّ يومه وظلم نفسه."
ب) أنِه سريِع الانقضِِاء:
قِال تعالى: "كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيّة أوضحاها."(46-النازعات) وقال:"ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النّهار..."(45-يونس) وقِال: "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، فاسأل العادّين قال إن لبثتم إلاّ قليلا لوأنّكم كنتم تعلمِون."112، 114-المؤمنون) وقِال: "يوم تقوم السّاعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعِة."(55-الروم).
ج) أن مِامضِى منِه لا يَعِود ولا يُعِوض:
ثبت في الحِديث الشريِف: "ما من يوم ينشق فجره إلاّ وينادي منادي، ياابن آدم أنا خلْق جديِد وعلى عملك شهيد فتزوّد منّي فإنّي لا أعود."والتحِدّي الأكبر كيف أُدير وقتي؟ فالوقت فرصِة وفضاء رحب أعطاه الله لجميع شعوب العالم بالتّساوي، ونحن أهل الشرق (العرب والمسلمون)عندنا قصور في النّظِرة إلى الوقت منذ أن يولد الإنسِان، فمنذ مرحلة المهد يُبرمج الطفل على عدم احترام الوقت، إذْ لا احترام لمواعيد الأكل والشّرب والنّوم، فكلّما بكى وصرخ تأتي الأم وتقدّم لِه ما يريد، فهي لا تتعاطى معه بطريقة منظّمة فيشبّ بل يشيب وهو غير حاسّ بقيمة الوقت في حياته. إذن فالاستخدام الأمثل للوقت يبدأ منذ الطّفولِة، فعندما أصنع الوقت فأنا أصنع نفسي وأصنع المجتمع. فالتربيِة الشّرقية وعلاقتهِا بالوقت منذ البداية فيها خلل. والإنسان لا يكون منظّمِا ومنتظمِا إلاّ إذا كان منطقي النّزعة. الكون كلّه منظّم من حولنا، لذا ينبغي أن تكون حياتُنا هي الأخرى منظّمة، لننسجم مع نواميسه، بدءً بمواعيِد الأكل والنّوم التي ينبغي أن تتمّ في فتِرات منتظمة فيصبح الجسم متعِوّدا على هِذه المواقيت فينتظم فما بالك لو نَظّمت بقيّة حياتك، ممّا يترتّب عليِه أشياء كثيِرة، فتعمل مواعيِدا لأكلك، ولنومك، ولعملك ولباقي شؤونك، تحدّد مهامك وفق خطّة واضحة محدّدة، ثم تجزّئ الرّحلة وتسير خطوة خطوة نحو التغيير المنشود. قِال الشيخ الغزالي: "الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته يقدرعلى فعل الكثير دون انتظار أمداد خارجية تساعده على ما يريد." وقال أيضا: "إنّنِا نتعلّم بعد فوات الأوان أن قيمة الحياة في أن نحياها، نحيا كلّ يوم منها وكلّ ساعة. أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده ولا يزال كذلك حتّى ينقضي أجله ويده صفر من أيّ خير. وهكذا يأتي الوقت في مقدّمة الأشياء التي ينبغي تنظيمها، فإذا كنت تعاني من أنّ الوقت غير كافٍ، وأنّ الوقت يتسرّب من بين يديك، فعندئذ أنت بحاجة فعلية إلى تنظيم وقتك."
kمهِِارة التخطيِِط
(رغبة + إرادة + تفكير+ تخطيط + تنفيذ +مرونة وتعديل+ صبر+ تقييم + استمرارية = نجاحات رهيبة.) فالعاقل يتعلّم من ماضيه ويعيش ويحي حاضره ويخطّط لمستقبله. وشعاره دائما: "إنجازات تحقّقت وأخرى في طريق الإنجاز"
ويحضرني ماقاله الشيخ يوسف القرضاوي-أطال الله في عمره ونفعنا بعلمه-متحدّثا بألِم وحسرة عن صورة لعرب مسلمين عزلوا أنفسهم بعدمِا أفقدهِم الكيان الصهيوني مرجعيتهم الحضارية وذكر أسباب ذلك فقال: "نحن نتكلّم فقط وهم يعملون، نحن في فوضى وهم منظّمون، نحن نختلف وهم متفقون، نحن في غيبوبة وهم واعون."
ولمّا حللتُ كلام الشيخ وتأملتُ واقع الإنسان العربي المسلم المعاصر، وجدته يعيش بالفعِل:
1) الفوضى بدل النّظام.
4) طغيان الذاتية والشخصانية فِي حواراتنا بدل الموضوعية. وقال الشيخ الغزالي–رحمه الله-: "وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات ناقدة فِي جوانبها ليتعرّف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلّص من هِذه الهنات التي تزري به."
وعن حاجة الإنسان إلى النظام في حياته قال أيضا: "والنّفس الإنسانية إذا انقطعت أواصرها، ولم يربطها نظام يُنسّöق شؤونها ويركّز قواهِا، أصبحت مشاعرها وأفكارهِا كهذه الحبّات المنفرطِة السائبة لا خير فيها ولا حركة لهِا.
ومن ثمّ نرى ضرورة العمل الدّائِم لتنظيم النفس وإöحكام الرقابة عليهِا وهكذا يستطيع كلّ امرئ أن يُجدد حياتِه وأن يُعيد بناء نفسه على أشعِّة من الأمل والتوفيق واليقظة. والعشوائية نوع من أنواع الإهمال وعدم التنظيِم الذي يُهدر طاقات الإنسان ويؤثّر بشكل سلبي على آدائه ومظهره، عندما تكون منظّما فإنّك تكون قادرا علِى أن تجمع جهودك ونشاطاتك في تناغم بديع، فالتنظيم يساعدك على الإبداع والإتيان بأفكار نيّرة، ومن صميم التنظيم التوازن بين الوقت والجهِد، فعندما يتناغم هذان المعطيان تصبح حياتك سهلة هادئة وتسير أمورك في تناغم وانسجام مثل عقارب الساعِة."
وقِال أيضِا: "التربيِة كالزراعة والصناعِة عمل يحتاج إلى جهد طويل وليس كلاما مرسلا أو خطابة حماسيِة. كيف ننشئ ناسا يحبّون الإتقان، ويعشقون الجمال والإجادة ويرفضون الخلل."
لكلّ إنسان نقاط قِوّة ونقاط ضعف، إيجابيات وسلبيات، يحاول أن يخفي سلبياته ويسعى جاهِدا لإبراز إيجابياته وإنجازاته، وهذا أمر طبيعي أمّا أن يبقى جامدا لا يبرح مكانه ولا يطوّر آداءه،
هنا يكمن الإشكِال، فالفطن يتفقد أحواله ويستثمر كلّ فرصة تتاح له لتغيير نفسه نحو الأفضل ليصبح أكثر تفاعلا وإيجابية مع نفسه ومع الأشياء والآخرين من حوله.
lمهِارة البحث والاجتهاد في طلب العلم
أكثرْ بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والقدسية التي تتحدث وتُرغّب فِي طلب العلم وتحصيله، وشدّ الرّحال إلى أهله والجلوس بين أيديهم لأخد العلم عنهم، والتخلّق بأخلاقهم الفاضلة. قِال تعالى:"واسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون."(7-الأنبياء) وقال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمِون."(9-الزمر) وقال:"إنّما يخشى اللهَ من عباده العلمِاءُ."(28-فاطر) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلِّم: "من أراد الدّنيا فعليه بالعلِم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.." وقال أيضا:"...إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولادرهما وإنّما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر."
قِِال الشاعِر الحكيِم:
فتعلّموا العلم مفتاح العلا ù لم يُبِْقَ بابا للسعِادة مُغْلقِا
ومن يطّلع على تاريخ سلفنا الصّالح يجد صفحات ناصعة مشرقة تعكس سعيهم الجادّ في الاستزادة من العلم، لتبليغه إلى النّاس وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان ، ومن ضيق الدّنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأعراف والتقاليد والعادات إلى عدل الإسلام ورحمته. قال ابن حزم كلاما جميلا أجدرُ بأن نقرأه ونتأمّله لاستخلاص العبر والدروس، وشحذ الهمم ليفتح الله علينا بنور العلم والفهم: "لذّة العاقل بتمييزه، ولذّة العالم بعلمه، ولذّة الحكيم بحكمته، ولذّة المجتهد لله عزّ وجلّ باجتهِاده، أعظم من لذّة الآكل بأكله، والشّارب بشربه، والواطئ بوطئه، والكاسب بكسبِه، واللاعب بلعبه، والآمر بأمره، فمن قوي تمييزه، واتّسع علمه، وحسن عمله، فليغتبط بذلك، فإنّه لايتقدّمه في هِذه الوجوه، إلا الملائكة وخيار الناس."
وقال أبوعلي القالي حديثا موجزا هادفا مركّزا عن قيمة العلم ومكانته: "إنّي لمّا رأيتُ العلم أنْفس بضاعة، وأيقنتُ أن طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرّواية، والتزمتُ العلماء للدّراسة، ثم عملتُ نفسي في جمعه، وشغلتُ ذهني بحفظه حتى حويتُ خطيِره، وأحرزتُ رفيعِه، ورويتُ جليله، وعرفتُ دقيقه، ثم صُنْتُه بالكتمان عمّن لا يعرف مقداره، ونزّهتُه عن الإذاعة عند من يجهل مكانه، وجعلتُ غرضي أن أُودعه من يستحقّه، وأنشره عند من يشرّفه، وأقصدُ به من يعظّمِه، فمكثتُ دهرا أطلبُ لإذاعته مكانا، وبقيتُ مدّة أبغي له مشِرفا، فخرجتُ جائدا بنفسي، أجوبُ متون القفِار، وأخوضُ لجج البحار، مؤمّلا أن أوصلَ العلَْق النّفيسَ إلى مِن يعرفه، وأنشر المتاعَ الخطيرَ ببلد من يعظمه."
mمهِارة المرونِة والقِدرة على التكيِف
الشّخص الأكثِر مرونة يستطيع أن يتحكّم في مجريات الأحداث، وأنت إذا لم تصل إلى هدفِك، غيّرْ الطريقِة أو الأسلِوب ابحثْ أولا عن مكمن الخلل بكلّ موضوعيِة واحذر من توظيف العاطفة، لأنّك كلّما انفعلتَ واندفعتَ كلّما أخطأتَ وانحرفتَ وابتعدتَ عن الجادّة والصواب. ولأنّه لا بدّ من مرونة عالية لتحقيق الهدف، فهناك أكثر من طريق وأكثر من أسلوب وأكثر من وسيلِة للوصول إلى النتيجِة. فهذا رسِول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلمنا، انظرْ كيف تعامل مع الحدث في غزوة الحديبيِة؟ وجهة نظر الصّحابة ألاّ تنازل، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان جدّ مرنا، ارجعْ إلى صيغة العقِد: "هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلِم وقريش. فقالوا لِه:امحُ رسول الله؟ لوعلمنا أنّك رسول الله لاتّبعناك.
فقِال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امْحها ياعلي، واكتب:هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله وقريش." وفي الأخيِر كانت الغزوة في صالح المسلمين، وسمّاها الله فتحا مبينا. وكذلك الحال في تعامله صلّى الله عليه وسلّم مع المخالفين والمخطئين وحتى مع الخائنين.
مثال ذلك رسالة حاطب بن أبي بلتعة التي بعث بها مع امرأة إلى أهله بمكّة، والقصّة معروفِة في السيرة. بل وحتى مع المنافقين كان صلى الله عليه وسلم يصبر عليهم ويلين لهم، أليس هو القائِل لعبد الله بن أبي بن سلول بشأن أبيه المنافق:"بل نترفّق به ونحسن عشرته مادام معنا." فالمواقف في الحياة تحتِاج منّا إلى حسن تصرّف، انظر إلى الماء على ليونتِه لا يتوقّف عند الصخرة، وإلِى النخلة عندما يهبّ عليها الرّيح فتتلوّى وتنحني ولا تنكسر. فلا بدّ أن نكون متفهّمين للقضايا متكيفين مع الأحداث مرنين كي نحقّق أهدافنا.
إذْ ليست القوّة في الحدّة والصّلابة كما يتصوّرها البعض، بل في المرونة والقدرة على إدارة الأزمات بحكمة وحنكة وتحكّم في الأعصاب وإعمال الذّكاء إلى أبعد الحِدود، وتفهّم الآخر المختلف أو المتنازع معه، والاستماع إليه، والتنازل له والاقتراب منه. لأنّ لقوّة قوّة الفكر والوعي والتحكّم في المشاعر والعواطف لا قوّة التعصّب للرّأي ولو كان خاطئا.
والمرونة مكسب يدلّ على القوّة لا الضّعف، فهي تدعوك إلى أن تستعمل فكِرك وذكاءك وتنظر إلى الوسائِل والأساليب والطرائق العديدة والبدائل والخيارات وما أكثرها وتختار الأليق والأنسب لتحقّق هدفك وتنجز خطّتك، وتأكّدْ أنّك لن تُحقّق شيئا بالصّدفة، فالحياة تدافع وصراع من أجل البقاء، والبقِاء للأقوى، فلا يكن سمك القرش أذكى منك، أما الديناصور فقِد اندثر وانقرض لعدم قدرته على التكيف مِع الظروف المحيطة به.
ولذلك قيل: "لا تكن قاسيا فتكسر، ولا طريّا فتعصر."فالمؤمن كالصّفصافة أو النّخلة حينما تهبّ الرّيح وتريد قلعهِا فإنها تطاوع وتميل وتلين تكيّفا مع الحالة الطارئة حفاظا على سلامتها دون أن تنكسر. قال الشيخ الغزالي:"والمرونة في مقابلة الشّدائد بعض آثار الإيمان والرشد.وحريّ بالرّجل الذي يدع العاصفة تمرّ أن يحسن التغلّب عليها بعد أن تكون حدّتهِا قد انكسرت. وهذه المرونة دلالِة تأدب مع الله وسكينة في ملاقاة قدره، ثمّ هي في معاملة النّاس أنجع الوسائل لكبح جماحهم بل لامتلاك أنفسهم.
وفي الأثِر: "جرّبت اللّين والسّيف، فوجدت اللّين أقطع." والمؤمن المرن يدور مع الأحِداث لا دوران ضعف ونفِاق، ولكن كما يِدور المصِارع في الحلبة حتى لا يكشف مقاتلِه لخصِم متربّص.عليك أن تختار واحدة من شيئين، إمّا أن تنحني حتى تمرّ العاصفة بسلام، وإمّا أن تتصدّى لهِا متعرضا بذلك للهلاك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمن كمثل الزّرع لا تزال الرّيح تميلِه، ولا يزال المؤمن يصيبه البِلاء، ومثل الكافر كمثل شجرة الأرز لا تهتِز حتِى تستحصد." وفي رواية: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدّلها أخرى حتّى تهيج -أي تقوى وتنضج- ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبِة على أصلهِا-لا تميل مع ريِح لصلابتها- حتى يكون انجعافها مرّة واحدة أي انكسارها."
"يقول(وليام جيمس): كن مستعدّا لتقبّل ما ليس منه بدّ، فإن هذا التقبل خطوة أولى نحو التغلّب على ما يكتنف الأمر من صعاب، هذه المرونة في ملاقاة الواقع البغيض قد تكلّفك الابتسام له، وحمْل النفس على حسن استقباله، لا لأنّك تودّ بقاءه بل تخفيفا من شدّة الضّيق به. فالرّجل إذا وقعتْ به مظلمة يملك ردّها، وأوتي القدرة على كفّها فإن صبره عليها جريمة، ورضاه بها معصية.
أمّا إذا حلّتْ به مظلمة يعجز عن دفعها أو كارثة يعلم أن التخلّص منها فوق قواه، فيجب عليه أن يتحمّل وأن يتصبر."
nمهِارة الصّبِر وقِوّة التحمِّل
حمل النّفس على ما تكره. قال الشيخ الغزالي:"وما تفتقت مواهب العظماء إلاّ وسط ركام من المشقات والجهود. والإيمان الحقّ يجعل الرّجل صلب العود، لا يميل مع كلّ ريح ولا ينحني مع كلّ خلة.وإذا أحصينا الرّجال الذين لا يأخذهم الدّهش أمام المفاجآت، عرفنا أنّ لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أيّ مفقود وما يسلّيهم عن كلّ فائت، وبهذا الشّعور يمكنهم أن يقتحموا كِلّ حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح."
وقال الشيخ الغزالي أيضا:" فالمؤمن لا تزيده الابتلاءات إلاّ صلابة وثباتا، فنحن في حاجة إلى الكثير من الصبِر والالتزام بتوجيهات الوحِي. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلِّم: "إذا جمع الله الخلائق نادى منادٍ: أين أهل الفضل؟ قِال فيقوم النّاس -وهم يسير- فينطلقون سراعا إلى الجنّة, فتتلقّاهم الملائكِة، فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولِون: كنّا إذا ظلمنا صبرنا، وإذا أُسيء إلينا حملنا، فيُقال لهم: أدخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين." ،
وقال الشيخ الغزالي أيضا: "وإنّني بعِد ما بلوتُ النِاس أَجöدُني مضطرّا لأن أقِول: مَحّصْ عملك لله، وانشدْ ثوابه وحده، ولا تنتظرْ أن يشكرك أحدñ مِن النِّاس، بل توقّعْ أن يضيق النّاس بك، وأن يحقِدوا عليك، وأن يبتغوا لك الرّيبة وينسوا الفضل، وأن يكونوا كمِا
قِال الشاعِر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ù عني وما سمعوا من صالح
دفنوا جهلا علينا، وجبنا عن عدوهم ù لبئس الخلتان: الجهل، والجبن
وإنّه ليخيّل إليّ أنّ العداوة أزلية بين الأمجاد والأوغاد. بين أصحاب المواهب والمحرومين منها، بين فاعلي الخير والعاطلين عنِه. ومن ثمّ يجب علينا أن نتوجّه بحركِات قلوبنا وأيدينا لله ربّ العالمين، لا ننتظر ثناء ولا إعجابا، ولا بروزا ولا شكورا." قال الشاعِِر:
لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى ù فما انقادت الآمال إلا لصابر.
o مهِارة الأثِر وتِرك البصمِات
أن تترك آثارا طيبة من بعدك. وقد ثبت في الحديث الشريف: "إذا مات ابن آدم انقطع عملِه إلاّ من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له." فقيمة الإنسان فيما يحسنه ويتقنه، في أعماله وإنجازاته. ومن لا إضافة له ولا عطاء فما قيمة وجوده؟ قال الشاعِر الحكيِِم:
قيمة المرء ما قد يحسنِِه ù فاطلب لنفسك ما تعلو بِه وصِل
وكما قالت الأعرابية قديمِا: "البعرة تدلّ على البعيِر، والأثر يدلّ على المسيِر. وأنت ما الدّال عليك؟ هل قمتَ بعمل ما إضافة تخلّد بها ذكرك وتنفع أمّتك والبشرية، وعلى الأقِلّ الناس الذين مِن حولك.لا تكنْ كمن يعيش على هامش الحيِاة، سلبي لا يقِدّم شيئا منفذ فقط، لا يتقِن إلا الاستهلاك ومضغ الكِلام، ليس لِه فضل على أحد. قيمة الإنسان بإنتاجه، بعطائه.أمّا التفِرّج والتغنّي بأمجاد الماضي دون إضافة شيء فضعف وقصِور.
الإنسان النّاجح غيِر عادي فعّال يبادر، يجتهد، يقترح، فثابرْ وتميّزْ واسْعَ لتحقيق إنجازات في حياتك تخلّدْ بهِا ذكرك، فكم مِن إنسِان عاش حياة روتين ومات فنُسöي، لكن هناك أناس ماتِوا منذ آلاف السنين وحينما تركِوا بصمات خالدة فلن تنساهم الأجيال على مرّ التاريخ.
ولكي تحقّق إنجازات لابدّ أن تعمل وأن تحلم وأن تنمّي مهاراتِك وتطوّر في قدراتِك، ثم حدّد المجال الذي يمكن أن تنتج فيه، التخصّص الذي تحبّه، فالإنسان لا يبدع إلا إذا عمل فيما يحبّ، أمّا الذي يريد أن يبرز في كلّ شيء لا يستطيِع. حدّدْ ما تريد فعلِه، فالشيء المحدّد الواضح يمكن تحقيقِه أمّا العموم فلا يفيِد. هناك من يعيش عمرا قصيرا ويحقّق أعمالا عظيمِة، وهناك من يقارب القرن ولا يحقّق شيئا، فشتّان بين الثّرى والثريّا! قِال أحدهِم: "أيّ عمر يمرّ من عمري بدون إنجازات لا أعتبره من عمري." بعد تحديد هدفي تصبح قراءاتي وعلاقاتي وملء فراغاتِي فِي إطار توجّهي فأنشغِل بالنافع المفيد. فكرة فعزيمة فانطلاقة جادّة. كيف أدير حياتي؟ كيف أرتّبها؟ بعد التفكير توضع الخطّة ثم يُبدأ في تنفيذهِا. فلا تكنْ مثل الذين يقضون جلّ أوقاتهم في الفراغ في اللاشيء فهم يعيشون حياة فوضى مفرغة من أيّ محتِوى. إنّي أبغض إمرءً يكون مشغولا بشيء لا ينفعه في دينه ولا في دنياه، جُهْد ضائع يقود إلى الفشل في الحياة، أو مثل من يعيش على الأحلام والأوهِام والأمانِي الفارغة ولا ينتج شيئا. لا بدّ أن تنجز قبل أن ينتهي العمر، كلّ شيء يدعِونا إلى أن نستعجل فِي الإنجاز. المثال العربي يقول: "من زرع حصد." وهل هو مثال صحيح؟ فقد يزرع الإنسان ولا يحصد، فليس كلّ من يزرع يحصد بالضرورة. يحصد من زرع ورعى، وحماه وتابعه وصبر وتجهّز بالأدوات والآلات، ولم تأتö أقدار تخرّب زرعه، هذا هو الذي يحصد. فالتراكمات ليس من السّهولة القضاء عليها.
النتائج لا تأتي فجأة بل لابِدّ من التوكّل على الله أولاّ وطلب المعونة منه، ثم تخطيط وبذل جهد وعمل وانتظِار(كمّ هائل من التراكمات) بعِدها يمكن أن نجني الثّمِار.إذن من زرع ورعى وتعهّد وتعب وصبر حصد، وليس من زرع حصد. ينبغي أن تكون عضِوا إيجابيِا في المجتمع، لك رأي وفكر ومساهمة وفضل وشخصية، ثبتَ في الحديث الشريف: "المسلم كالغيث أينما وقع نفِع." فحاربْ السلبية فِي حياتك، ولا تدع الكسل والخمول والفوضى تتسرّب إليك، فإنّها تسرق منك عمرك دون أن تشعر، فالحذر الحذر.
p مهِِارة الاتّصِِال والتواصِِل
هناك ثلاث عناصر رئيسية في عملية الاتصال:
3) رسالة (محتوى محدّد) أفهمه أياها
لن يفهم الإنسان إلا إذا حاول أن يفهم، بناء العلاقات يحتاج إلى فهم الآخرين أي الإبحار فيما هِو أمامنا، سبر أغوارهم، فهم دواخلهم، النفاذ إلى ما وراء الكلمات، قراءة ما وراء السطور، محاولة معرفة نيته من أجل الوصول إلى الحق والعدل لا من أجل الانتصار والغلبة. ولتكنْ مناقشة بدون تكفير وتجريح بدون إيِذاء إقامة الحجة بطريقة لينِة، وهنا يحضرني ما قاله الخليفة العباسِي أبو جعفر المنصور لأحد المتحاورين معه: "قد ذهب من هو خير منك إلى من هو خير مني، وقال لِه: "قولا له قولا ليّنا."(44 -طه) وقِال تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن."(125-النحل) وقِال: "ادفع بالتي هي أحسِن."(96-المؤمنون) أحاول أن أسمع حجة الآخريِن وأن أكون محايدا قدر الإمكِان لمعرفة الخطأ من الصواب والحق من الباطل، واعتقادي عن نفسي دائمِا: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". فلنحرصْ على فهم الناس بنية صادقة حتى لا تهتِز العلاقة لا ينبغي أن نتوقف عند كل كلمة، التركيز على النيات وقد قيل:"من لم يحمدك على صدق النية لن يفهمك على حسن الأفعِال". وهكذا فهم موقفي وموقف الآخريِن لا يتم إلا بمعرفِة فن لعلاقات.لذلك ينبغي أن ننمي ملكة القدرة على الفهم والاستيعاب في أنفسنا.
r مهِارة الاستمِاع والإنصِات