"دخلنا السجون بظلم الظالمين، وعذبنا عذاب الهون!، وديست كرامة الإنسان بأخس الأخلاق الدنيئة، بمالم يسمع به الأولون!، وكادت أرواحنا تنطلق إلى بارئها!، وصبرنا على الجوع والعطش، وعرفنا قيمة الغذاء والماء بالحرمان الطويل منهما، حتى فهمنا قول الله تعالى: (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء و الصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف) قريش، حق الفهم، وجرينا فى الطوابير بالخطوة السريعة!، وحولنا الكلاب المفترسة، والكرابيج التى تمزق الأجساد، وذقنا الخوف والرعب!، فمنا من سقط مغشيا عليه، ومنا من سقط على وجهه، فترك بلا علاج!!، نجرى بالساعات بلا فرصة للراحة ولا يسمح لنا أن نستظل بظل سحابة عابرة!! منا من يتبول على نفسه!!!، بل أكثرمن ذلك !!.
كنا قبل أن نعيش هذه المحنة، لا نتصور على الإطلاق أن فى إمكان بشر من الشباب أن يتحمل بعضا مما يصب علينا دون أن يصاب بالشلل!، أو كثير من العلل!!، ولكن- سبحان الله- فقد اكتشفنا بعد هذه المحنة التى بلغت سنين؟ أن الإنسان يملك طاقات هائلة جدا من القدرة على الصبر والاحتمال والمجاهدة، طاقات عقدية ونفسية وروحية لم يكن قد اكتشفها أو عثر على منابعها أو مناجمها، وهى طاقات فاعلة بقدرة الله تعالى التى تهزم الجبارين وا لظالمين.
لقد كان القوم يتعجبون، بل كانوا فى ذهول مما يجدونه منا: إنهم كانوا فى غيهم سادرين!، حتى أتاهم أمر الله تعالى فتحققت المعجزة، وبدل الله حالنا من بعد الخوف أمنا، وهم من بعد الأمن خوفا!!، ورأيناهم بأعيننا: مغلقة عليهم زنازين السجن الحربى ا!!. العبرة فى الأمر: أن فى شباب الأمة الإسلامية طاقات خارقة، لو أتيحت لها فرص العمل والإنتاج؟ لتغير حال هذه الأمة إلى الحرية، وا لعدل، وا لمجد.
والذين عاشوا هذه المواقف؟ فقهوا هذه الدروس بدقة، واكتشفوا قدرة الإنسان المسلم على الإبداع يوم تتاح له هذه الحرية.
لقد اكتشفنا فى الإنسان طاقات مذخورة، لم يكتشفها الإنسان!، ضاعت فى اللهو، والعبث، والضياع!، وفقدنا قيمة هذا الجهد فى البناء، والإنتاج، وتربية الأجيال.
ألا فليعمل الأخ فى الدعوة بكل جهد حتى يلقى الله، فالإسلام دين الدنيا والآخرة.
إن فى هذه الأمة مناجم من قلوب لا يحجبهما عنكم إلا غبار الزمن، وظهور الباطل على الحق."