"مرضت أياما..، وسافرت إلى بلدى.
وترقبت بشغف أن يزورنى إخوانى الذين أتمنى أن أراهم، وانتظرت أن يدق الهاتف "" التليفون ""، أو أن يطرق الباب أحد من الإخوة الأحباب، وأتذكر العشرات منهم، الذين أهفو إلى رؤيتهم، ولكن دون جدوى!، وافكر فى الأسباب فأقول: ربما ظنوا أن الزيارات ممنوعة بأمر الطبيب، أو أن الزيارات كثيرة فلا يريدون أن يزيدونى إرهاقا ومشقة، فكل يحسن الظن، وبهذا التفكير الذى يضع الأحمال على حسن الظن، يقصر الإخوة فى هذا الواجب، مع أن الواجب لا يسقط بحسن الظن، فكل أخ مقصود بذاته، وليس من الضرورى أن يحضر بنفسه- إذا تعذر عليه ذلك- ولكن مجرد مكالمة، أو رسالة، أو سؤال.. فيه الكفاية.
وكم من مريض ازدادت متاعبه النفسية والمرضية لحرمانه من رؤية إخوانه!، وإذا لم تكن الرؤية بالزيارة واجبة فى مثل هذه الحالات.. فمتى إذن تكون واجبة؟.
إن زيارة المريض سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا مرض فعده)) فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى، قال: يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتنى عنده؟، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى! قال: يارب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى؟ يا آبن آدم استسقيتك فلم تسقنى! قال: يارب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدى فلان فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى "". رواه مسلم
فالزائر يسعى إلى أخيه بدافع الأخوة والمحبة، وبإدراك ذاتى نابع من القلب والشوق، فليس من المتعارف عليه أن يطلب المريض من إخوانه أن يزوروه، فإن الزيارة واجب شرعى، وعدم الزيارة يؤثر فى العلاقات الفردية، ويطفئ شعلة الحب ويفتر الحماس، ويغير من طبائع النفوس، ويتحول الحزن الشفيف إلى إحساس مفعم بالمرارة، سواء عند المريض، أو عند أهله، من خلال امتحان طارئ مفاجئ فى طريق الحياة الطويل.
إن معايشة الإخوان بعضهم لبعض متعة روحية، وحياة للقلوب، وسعادة تملا القلب وتسرى فى كيانه، تغذية، وترويه، وتبعث الأمل فيه، ولو لم يفصح عن ذلك، فإن الإفصاح لا يبلغ درجة الإشعار، ولا يمكن تصويره باللسان أو البيان، لهذا كان من وسائل التربية أن تتضح وتترسخ هذه المعانى بكل الصدق والإخلاص، لكل ذى قلب حى يقظ، حتى لا يفقد الأخ سر وجوده، ولا يضيع وقته فى عمل لا روح فيه ولا حياة.
لذا حرص الإخوان فى الأعياد على زيارة إخوانهم من أبناء الشهداء، الذين استشهدوا فى حرب فلسطين، ومذبحة طره، والسجون الحربية، والذين قضوا حياتهم فى سبيل دعوتهم الإسلامية، ولا تزال الزيارات مستمرة إلى الآن مع تقديم الهدايا، رغم أن أبناء الشهداء وغيرهم قد أصبحوا فى مراكزاجتماعية كريمة، ولكن يجب أن يستشعروا من إخوانهم الوفاء والحب مهما طال الزمن، ذلك لآن أجمل ما فى هذه الحياة ثبات القيم والتواصى بالحق والصبر."