"كان من خيرة الإخوان، وأكثرهم تواجدا بالمسجد، وحبا ومودة لأقرانه.
ومضت فترة... وغاب عنهم... وطال غيابه!، ولما ذهب أحدهم يعاتبه لغيابه الطويل، قال له فى نبرة حزن وأسى: كيف تأتينى الآن؟ وأين كنت أنت وإخوانك؟ فلم تتفقدونى طوال هذه الشهور!، وقد كنت فى حاجة ماسة وملحة أن أجدكم بجوارى حين ماتت زوجتى! وتركت لى أبناء صغارا!، وفقدت من كانوا أولى بى، وأقرب منى فى هذه اللحظات الصعبة!.
وكان درسا كبيرا للإخوة الذين لم يوفوا بعهد أخيهم فى السؤال والمتابعة، وهذا أقل الواجبات، ورسولنا صلى الله عليه و سلم يقول لنا: ((... وإذا غاب فتفقده..))
هذا مثال لمن غاب، ولم يتضح عذره إلا بعد السؤال عنه!، وهذا مثال آخر: يتعايش آخرون معا سنين، على حال ومنوال قريب، ولكن سنة الله فى خلقه أن الناس أحيانا كثيرة يتباعدون، لظروف حياتية، أو دراسية، أو وظيفية، فيظن البعض أن هذا الأخ الكريم قد تسرب متقاعسا!، أو غاب رهبة!، أو خوفا أو ضعفا! فيظن به الظنون، وقد نهينا عن ذلك ويغيب هذا الأخ الكريم عن ذاكرة إخوانه، لفرط ما قصروا فى حقه..!.
وتمضى الأيام، وتحدث أحداث شديدة، كما هو الحال فى طريق الدعوات، فإذا هم بهذا الأخ يتواجد فجأة بين صفوفهم، يقدم نفسه، ويقدم ماله فى صدق وشجاعة تذهل وتخجل الذين لم يفهموا أو يدركوا أن من ذاق طعم هذه الدعوة، وعاشت فى قلبه ووجدانه، فإنه يستحيل عليه أن يجحد فضلها، أو ينساها!.
إن الأخ الداعية لا يظن إلا خيرا، ولا يحقر أحدا، ولا يضع نفسه موضع الأعلى والأخير دونه فى الصف!، بل إن صاحب الدعوة يكون حينا فى المقدمة، وحينا فى الساحة.
إن كل من مسته روح الدعوة، لهو حى بها حتى يلقى الله تعالى..
إن الداعية يجب أن يحسن الظن بإخوانه ويستر عيوبهم حتى يثوبوا فيعودوا الداعية إلى إخوانهم وهم يحملون الحب لهم."