" سافرت إلى بلد عربى فى زيارة، ودعانى أحد الإخوة على الغداء، وهناك وجدت مجموعة مدعوة مثلى، وكانت جلسة طيبة مؤنسة، وقبل أن نفترق دعانى واحد منهم على الغداء فى منزله، وذهبت فى الموعد، فوجدت نفس المجموعة الأولى تشاركنا الغداء!!، وأدركت أن كل واحد من هؤلاء سوف يكرر الدعوة، فقلت لهم: أظنكم سوف تتبادلون الدعوة حتى آخركم؟، فقالوا: نعم، هذا ما سيكون، فاتجهت إليهم وقلت لهم: هل تظنون أننى راغب فى ذلك؟، الواقع أننى كنت أظنكم قد فكرتم فى أن كل واحد منكم يدعونى على الغداء ويستحضر مجموعة جديدة من الشباب الجدد، ليجلسوا معنا ونتحدث إليهم من خلالكم وهم جلوس يستمعون فى حديث غير مباشر، ونتداول الأسئلة التى تفيد، وبذلك يكون كل واحد منكم دعانى للغداء ومعه عدد من الإخوة، بدلا من أن نتبادل الدعوة للغداء، ونكرر نفس اللقاء، وبهذه الفكرة نكون قد استفدنا بالغداء فى جذب القلوب، وجنينا ثمن العزومة خدمة للدعوة.
ولهذا.. فإن الأمر ليس طعاما، ولكن الطعام وسيلة للقاء، وفرصة لدعوة شباب جدد، يجلسون معنا، ويسمعوننا ونحن نتحدث عن الإسلام، فيسهل فهمه، ونجدد عزمه، ويسترشد بما يسمع من آيات وأحاديث، فنستفيد بالوقت قبل أن يضيع فى غير جدوى.
وهذا هو الداعية الذى يحمل هم الدعوة، وهموم المسلمين (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) المزمل: 5، الداعية الذى يعيش فى أتون معركة الإسلام مع أعدائه، الداعية الذى يستشعر عظمة الدعوة وقدسيتها، وشدة حاجة البشرية المطحونة إليها، تلك البشرية التى تمد البصر منذ قرون تترقب مطلعها، هذا الداعية الذى تعيش تلك الهموم والآمال فى ضميره وعقله، وتضطرم بها جوانحه، مهيأ- بإذن الله تعالى- أن يتحرك نحو القلوب (يهديهم ربهم بايمانهم) يونس: 9،."