"لما كانت وسائل دعوة الناس إلى الله كثيرة متنوعة، وكان أكثرها مخاطبة: العقول والوجدان، بالحديث والكتابة، وكثيرا ما يجر الحديث إلى المناقشة والجدل، وليس كل داعية على مستوى الاستيعاب والإحاطة بالتفاسير والتفاصيل، مما يزيد الجدل سخونة، وكل يريد أن ينتصر لرأيه، وفى مثل هذه الظروف لابد من غالب ومغلوب.. (و فوق كل ذي علم عليم) يوسف: 76، والحق الواضح الجلى يكون بالآيات البينات، والواقع الحى من سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم الواقع الحى الذى لا يمارى فيه أى عاقل بصير.
والأصل فى البلاغ هو النهى عن الجدل الذى لا يأتى بخير، والقرآن الكريم يشير إلى هذا (و لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل و كان الانسان أكثر شيء جدلا) الكهف:154، (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) هود: 32، (إنك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) النمل:80. 81، فالجدل مع هؤلاء وأمثالهم عقيم، يصل بهم إلى طريق مسدود، فالله تعالى أوجب على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأوجب على المؤمنين أن يجادلوا غيرهم بالتى هى أحسن، فذلك يتلاءم مع روح الدعوة وقدسيتها، وهو حق مقرر بما يحمله المسلم من تبعة نحو معتقداته (ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين) النحل: 125
وبعض الشباب يستهويه الجدل والمراء، والاستطراد فى المناقشة المملة دون هوادة، رغبة فى الظهور والغلبة، أو لأمر يعلمه الله تعالى، وفى مثل هذه الحالات ينبغى للاخ الداعية أن يختصر الحديث بعد أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود، فإن الجدل والمراء بلا اتفاق ونهاية يشحن النفوس بالبغضاء، ويخيم عليها غيوما وضبابا يفسد مودة القلوب، لأنه استنزاف الجهود فيما لايفيد، ولا يعود على الدعوة بجديد، كما أن الدعوة ليست وقفا على هذه العقول، فإن فى هذه الأمة ملايين من قلوب مؤمنة سهلة ميسرة تنتظرمن يسعى إليها، ويدق على قلبها، أما الوقوف عند المجادلين بلا حدود فهو تعطيل وضياع للوقت- والوقت هو الحياة- ولسنا فى ظروف الترف الفكرى فنبذل الجهد فى مناقشات لا نخرج منها بطائل.
وكم هو جميل لو صادفك أحد على هذا المثال، وطال معه الجدال بعد أن يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود كوضوح الشمس، وهو لا يزال مصرا على المناقشة، فدعه حفاظا على أدب المجادلة بالتى هى أحسن، ولا يكن تصرفه هذا ليستفز العاقل المستبصر، وسيكون أدبك وصبرك وحلمك مما يكثر أنصارك عليه، ولسوف يبلغ ما تريد من الحق والعدل ولو بعد حين، ويأتى بعد ذلك راضيا مطمئنا.
وفى الوصايا العشر للإمام ""حسن البنا "":
"" لا تكثر الجدل فى أي شأن من الشئون أيا كان، فإن المراء لا يأتى بخير"" ."