والمقصود بهذا ما ورد في كتب الفقه من مسائل يطالب المكلف بفعلها أو تركها ، إيجابيا أو استحبابا ، وقد أوردت الشريعة أدلة تلك المسائل ، ثم جاء العلماء ، بعد ذلك ، واستنبطوا من هذه الجزئيات مجموعة قواعد كلية قد تتخلف آحاد الجزئيات عنه، وصارت عرفة هذه الكليات طريقا لضبط الجزئيات ، ولكنها تظل غير صالحة لقيام التكليف عليها ، فالمسلم مكلف بفروع الشريعة، وهي التي سيحاسب عليها في الآخرة، ومعرفتها – أذن – لا فهم الجزئيات التي قادت إلى التقعيد كي يمكن له التدرب على الاستنباط ، والقياس ، ثم الاجتهاد في الفروع المستحدثة.
وكذلك فأن الشريعة لها مقدمات لا بد للمكلف من معرفتها والعمل بها، ثم يحاسب بمقتضاها ، ولكن خلال الاستقراء لمقدمات الشريعة يتبين أن لها مقاصد وحكمها وعللا ، وأن الله تعالى يشرع لحكمه وعلة ، والشريعة تحفظ العقل والمال والنفس وغير ذلك من مصالح العباد في المعاش والمعاد، ولكن المكلف يبقى محاسبا على المقدمات دون المقاصد، ويبقى التكليف مبنيا عليه حتى دون معرفة المقاصد ، بينما تظل معرفة المقاصد ، ويبقى التكليف مبنيا عليه حتى دون معرفة المقاصد ، بينما تظل معرفة المقاصد جزءاً من علم المجتهد لبناء عليه ، والقياس وفقه ، ثم يكون الاجتهاد وفق مقصاد الشريعة ، وكذلك يمكن للمكلف معرفة المقاصد والعلل زيادة له في يقينه، وتعميقا في إدراكه.
وتضرب مثلا على هذا المنهج أيضا بأصول الفقه الذي دون كعلم تال للفقه، فالفقه الحنفي على وجه الخصوص بني جملة وتفصيلا على فروع الفقه، فأصبح رغم أصوليته تابعاً للفقه، وأصول المذاهب الثلاثة الأخرى رغم توسعها وفقا لمناهج علم الكلام لا أنها لم تنضج إلا بواسطة تطبيق الفروع الفقيهة المستندة على الأدلة ، وبقى الأصول علما لا بد منه للمجتهدين بينما الفقه علم سائر المكلفين ، وقواعد الفقه ما هي إلا مثل آخر إذ أنه لم يتبلور إلا في القرن السابع، واستفاد منه العلماء، ولكن معرفة الفروع تظل سابقة عليه في ضرورة تعلمها كما كانت سابقة عليه زماناً، رغم أنها تجمع العديد من الفروع ، وتسهل حفظها وإدراكها.
ولهذا فإن المقدمات قبل المقاصد، والجزئيات قبل الكليات في أمور الشريعة عموماً، وفي مسائل الفقه خصوصاً، وكلا الأمرين داخلان في قاعدة الفروع قبل الأصول، أما فيما سوى ذلك فيما لو كان الأصل صلب العلم والفرع من هوامشه، أو أن الأصل يبني عليه الثواب والعقاب، والفرع تبع له، فإن القاعدة الأصلية تظل ( الأصول قبل الفروع)، كما ستبينه القاعدة التالية...