وهذا مبدأ واضح ضروري ، فتعلم أصول الشريعة لا بد منه قبل فروعها، وأرفع الأصول: أصل العقيدة ، كمعرفة الباري تعالى وأسمائه وصفاته، والإيمان وبأنبيائه ورسله ، ودون معرفة ذلك فالعمل يصيبه الإحباط، ولذلك قال السلف: العلم قبل العلم ، وترجم الإمام البخاري لهذا المعنى فقال:
( باب : العلم قبل القول والعمل ، لقول الله تعالى: فأعلم أنه لأ إله إلا الله " فبدأ بالعلم ، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء"(9).
بينما الفقه وفروع الشريعة تبع لذلك، وكذلك في الفن الواحد، ففي الفقه مثلاً معرفة ما تصح به العبادة أولى بالمعرفة من سنن العبادات وزوائدها، وهكذا.
ولهذا نرى بعض الصحابة استشهد في المعارك ، وهم لا يعرفون بعد من جزئيات الشريعة إلا معنى ( لا إله إلا الله )، كما أن كلمة التوحيد – كما يحصل في الجهاد- تضهم دم المرء- وذلك لضرورة تقدم فهم الإيمان إجمالاً، وبعد دخول الإنسان في دين الله تعالى، يبدأ بالاستفصال عن الأحكام التي تتضمنها كلمة التوحيد.
وحتى في إطار الأداب نجد أن العملية التعليمية تتخد هذا المفهوم التربوي، فلا ينتقل المدرس إلى علم الهوامش وتعليقات العلماء، وزوائد الخلان ، ونوادر الظرف حتى يستكمل أصول العلم والمعارف، ثم لا بأس عليه من الانتقال.
ونكتفي من ذلك ببعض ما أشار إليه الجاحظ حيث يقول:
( ولا تلتمس الفروع إلا بعد إحكام الأصول، ولا تنظر في الطرف الغرائب، وتؤثر رواية الملح والنوادر ، وكل ما خف على قلوب الفراغ وراق أسماع الأغمار إلا بعد إقامة الحدود، ولبصر بما يلثم من ذلك العمود، فإن بعض من كلف برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عباس بن الأحنف .. وناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين والدين قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السنة ) (10) .
والعمود من علم الشريعة ما كان المكلف محتاجاً إليه بذاته ، ثم ما يحتاج إليه الناس ، في عقيدتهم أولاً عباداتهم ثم ما يصحح أمور معاشهم ، ثم الانتقال إلى العادات ، ثم يزيد في معرفته ما يشاء من زيادة في دليل أو تحقيق لمسألة ، أو إكثار لموارد خبر.
وما ينطبق في المجال النظري ينطبق على السلوك أيضا ، فمن الدعاة من يطيع في صغار الأمور دون كبارها ، أو ما اعتاد عليه دون ذي الكلفة ، أو ما يتناسق مع الهوى دون ما يغلبه الهوى، وقد قال أن الجوزي – رحمه الله:
( رأيت كثيرا من الناس يتحرزون من رشاش النجاسة ولا يتحاشون عن غيبه ، ويكثرون من الصداقة ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت ، في أشياء يطول عدها من حفظ فروع وتضييع أصول.. فالله الله في تضييع الأصول ، ومن إهمال سرح الهوى، فإنه من أهملت ما شيته نقشت في زروع التقى... ) (11).
وللتمييز بين قاعدتي ( الأصول قبل الفروع )، وما سلف ذكره من أحوال استثنائية : أنه في الفن الواحد ، وعند تساوي اصلوه وفروعه في الفهم: تكون الفروع قبل الأصول ، ويمكن الاستشهاد بقاعدة شرعية يسهل استقراؤها في الكثير من الشرائع والفرائض والتوجيهات القرآنية ، ذكرها الأستاذ سيد قطب رحمه الله – عند الحديث عن التدرج في تحريم الخمر- بقوله:
( عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني ، أي بمسألة اعتقاديه ، فإن الإسلام يقضي فيها قضاء حاسما منذ اللحظة الأولى.. ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة وتقليد ، أو بوضوح اجتماعي معقد ، فإن الإسلام يتريث به ، ويأخذ المسالة باليسر والرفق والتدرج، ويهيء الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة.
فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك ، أمضى أمره منذ اللحظة الأولى، في ضربه حازمة جازمة، لا تردد فيها ولا تلفت ، ولا مجاملة فيها ولا مساومة، ولا لقاء في منتصف الطريق ، لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور، لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام.. ) (12).
وتطبيقا لها المبدأ فإن تعلم العقيدة قبل الفقه لا بد منه ، وأصول الشريعة كالقرآن والحديث، قبل فروع خلاف والتوسع الفقهي، كما أن القاعدة تنطبق في الفن الواحد ، فقراءة القرآن وتلاوته قبل معرفة تفسيره، وتفسيره العام قبل الغوص بدقائقه، والغوص بدقائقه النافعة قبل الخوض بالمتشابهات، أما في الحديث فمعرفة الصحيح قبل الحسن ، والحسن قبل الخوض بمعرفة الضعيف ، ومعرفة متون الأحاديث الصحيحة والإطلاع على شروح البخاري ومسلم أولى من الانشغال بطرق الجرح والتعديل، وتخريج الاسانيد ، وتعلم الفروض في الفقه أولى من دراسة السنن، وأبواب الصلاة والزكاة مقدمة على معرفة الوكالة والشركة.
ويتبقى على الداعية معرفة أن ما تسلم به العقيدة ، وتصح به العبادة، وقواعد الدعوة إلى الله تعالى، مقدم على الثقافة العامة وحديث السياسة ، ولا بد كذلك من التذكير أن بعض هذه العلوم قد تتغير أفضليتها من شخص لآخر، أو في زمان دون غيره ، فالداعية التأجر يكون تعلم الزكاة وقواعدها أوجب عليه من غيره ، وتعلم قواعد الجهاد لداعية يمارسه مقدم على علوم أخرى، وتعلم الداعية الرد على الشيوعية في بلاد تناطح الشيوعية فيها الحركة الإسلامية مقدم على غيرها، بينما تكون دراسة الشيوعية في مكان آخر من الترف الفكري ، وهكذا.