وبعد هذا نتناول تساؤلاً قريب الصلة بالتساؤل السابق وهو :
* هل سيظل الإخوان يتلقون الضربات ويتجرعون المحن أو يتذوقونها دون رد أو مقاومة ؟
ولعله من المفيد أيضاً قبل الرد على هذا التساؤل أن نرجع الى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنجد فيها الإجابة الواضحة ، فقد تعرض عليه الصلاة و السلام هو و المسلمون معه الى الإيذاء و التعذيب الشديدين من المشركين فى مكة ، وكان يمر على آل ياسر وهم يعذبون ويقول لهم :( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) ، وقد صبروا حتى استشهد ياسر وزوجته سمية رضى الله عنهما تحت التعذيب .
ولم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحداً من المسلمين برد العدوان الإيذاء بالقوة فى ذلك الوقت لأن أى محاولة من ذلك القبيل لم تكن لمتوقف العدوان بل من شأنها أن تصعده وتصل به الى البطش الشديد الذى يقضى على المسلمين وهم لا زالوا قلة .
وتروى لنا السيرة أنه لما اشتد الإيذاء على بعض المسلمين قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تستنصر لنا ؟ فظهر الغضب فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( مايفيد ) : أن من كان قبلكم كانت تحفر لهم الحفر ويشقون بالمناشير ويفصل ما بين اللحم و العظم دون أن يصرفهم ذلك عن دينهم ، ثم بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمام هذا الأمر وقال :( ولكنكم تستعجلون ) كان فى إماكنه صلى الله عليه وسلم أن يأمر بعض المسلمين بقتل أئمة الكفر كأبى جهل أو أبى لهب أو بتحطيم الأصنام أو بعضها ولكنه لم يفعل لما سبق أن ذكرنا ، ولم يعتبر ذلك موقفاً سلبياً منه ، لكنه الحكمة و المصلحة الدعوة اقتضت ذلك ، فليس الهم و القصد إيقاف الإيذاء الذى يقع على المسلمين ولكن القصد هو تبليغ دعوة الله وتكوين القواعد و الدعائم التى سيقوم عليها صرح الدعوة و الدولة الإسلامية ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الإيذاء والابتلاء ليس أمراً طارئاً غريباً على طريق الدعوة يلزم التخلص منه وإيقافه فى الحال ولكنه سنة الله فى الدعوات لحكمة سامية هى التمحيص و الصقل و الزيادة الإيمان ، لأن أمانات النصر ثقيلة ولا يقوى على تحملها وحسن أدائها إلا هذه النوعيات الممحصة بحيث لاتفتنها دنيا ولا تثنيها شدة .
ثم إننا نجد بمتابعتنا للسيرة بعد الهجرة ، وعند بدء تكون قاعدة انطلاق المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفكر فى مواجهة المشركين بالقوة فعند خروجه الى بدر خرج لقافلة التجارة وليس للحرب ، ولكن الله تعالى أراد أن تكون ذات الشوكة بعلمه وتقديره ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقف تحت العريش يدعو ربه ملحاً فى الدعاء حتى سقط البرد من على كتفيه ويقول :( اللهم إن تهلك هذه العصبة فلن تعبد فى الأرض ) ومعنى ذلك أنه لا زال بتقديره البشرى مشفقاً على مجموعة المؤمنين أن يقضى عليهم فى تلك الحرب وهم قلة فتتوقف مسيرة الدعوة .
لكن كان فى تقدير الله النصر للمؤمنين و الهزيمة النكراء لأعداء الله ، وكانت بدر فاصلة بين فترة الإيذاء والاستضعاف وفترة النصر و التمكين .
هكذا نرى أن البدء فى رد عدوان أعداء الله لابد له من توفر ظروف وملابسات تجعله مناسباً ، وأن أى محاولة قبل ذلك لا تؤمن عواقبها ، وتكون فى غير صالح الدعوة التى هى القصد وليس أشخاص المعتدى عليهم .
ونقول أيضاً لعل فى موقف الإخوان فى بعض أجزاء العالم الإسلامى رد واضح لهذا التساؤل ، وأنه لا يمكن أن يظلوا هكذا يتلقون الضربات دون رد أو مقاومة فليطمئن المتحمسون ولا يتسرع المتعجلون فالأمور تجرى بالمقادير :{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .