وإذا كان الإسلام وقائياً في مجال ((الطب الجسدي)) فإنه كذلك في كل المجالات الأخرى ..
فهو وقائي في مجال العقيدة .. فاطمئنان القلوب ثمرة من ثمرات معرفة الله تعالى وذكره .. والقلوب المتصلة بالله الذاكرة لا تعرف القلق الذي تعيشه المجتمعات غير الإسلامية والذي أورثها الأمراض العصبية المختلفة ودفع بها في طريق الجريمة والانتحار إلى الدرك الأسفل .. وصدق الله تعالى حيث يقول { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله }
وهو وقائي في مجال العبادة .. إذ أن الاستقامة والبعد عن الفحشاء والمنكر ثمرة من ثمرات الصلاة والصوم وغيرها .. فالوقائية تبدو جلية في قول الله تعالى { إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر } وفي قوله { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون }
أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات )) وفي حديث آخر ((الصيام جنة (وقاية) فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم إني صائم .. الحديث )).
فالعبادة وإن كان مقصدها التوجه إلى المعبود بالطاعة التزاماً لأمره وطلباً لمرضاته وكما يقول الشاطبى ((فالصلاة مثلاً أصل مشروعيتها الخضوع لله سبحانه بإخلاص التوجه إليه والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه وتذكر النفس بالذكر له ) فإن لها مقاصد أخرى تابعة تدخل في صلب عملية التكوين الوقائي للفرد والجماعة .. روى أبو داود أن رجلاً من خزاعة قال : ليتني صليت فاسترحت فكأنهم عابوا ذلك عليه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها ..))
- وهو وقائي في مجال التشريع .. إذ أن الأحكام الشرعية التي من شأنها تنظيف المجتمع من الموبقات والعقوبات الإسلامية الزاجرة الرادعة لمن تسول لهم نفوسهم ارتكاب المنكرات من شأنها أن تحفظ المجتمع سليماً معافى .
جاء في كتاب أصول الدعوة : (والحقيقة أن الشريعة تعن إصلاح الفرد إصلاحاً جذرياً عن طريق تربيته على معاني العقيدة الإسلامية ومنها : مراقبة الله وخوفه منه وأداء ما افترضه عليه من ضروب العبادات وهذا كله سيجعل نفسه مطواعة لفعل الخير كارهة لفعل الشر بعيدة عن ارتكاب الجرائم وفي كله أكبر زاجر للنفوس . وبالإضافة إلى ذلك فإن الشريعة تهتم بطهارة المجتمع وإزالة مفاسده .. ولهذا ألزمت أفراده بإزالة المنكر ولاشك أن المجتمع الطاهر العفيف سيساعد كثيراً على منع الإجرام وقمع المجرمين وسيقوى جانب الخير في النفوس ويسد منافذ الشر التي تطل منها النفوس العفيفة وفي هذا ضمان أيضاً لتقوية النفوس وإعطائها مناعة ضد الإجرام .
ولكن مع هذا كله فقد تسول للبعض نفوسهم ارتكاب الجرائم فكان لابد من عقوبة عاجلة زاجرة تمنعهم من العودة إليها وتردع الآخرين الذين تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجريمة وفي هذا استقرار للمجتمع وإشاعة للطمأنينة فيه )) .
من خلال ما تقدم والذي سقناه على سبيل المثال يتبين لنا أن اهتمام الإسلام بالجانب الوقائي يفوق بشكل كبير اهتمامه بالجانب العلاجي وهذا ما يجعل المنهج الإسلامي متفرداً على سائر المناهج ذات المنحى العلاجي المرضى .