هناك ظاهرة شاذة تستحق منا الدرس والتحليل.. وهي أن كثيراً من الدعاة الإسلاميين غير ناجحين في بيوتهم.. وفي تربية أبنائهم.. ولا أريد أن أذكر الناس بأسمائهم.. ولكنها ظاهرة تلفت النظر وهي صحيحة في أكثر الأحيان عند أكثر الدعاة. وهذه الظاهرة تسبب للأخ الداعية - بعد فترة من الزمن- الحرج أمام نفسه وأمام أبنائه وفي مجتمعه.. فيتراجع قليلا قليلا حتى ينكمش أو ينقلب على أعقابه.
كنت في حديث مع أحد هؤلاء، وجرى بيننا الحوار التالي:
· ليس عندي وقت لمثل هذه الأمور.. وذكرت له أن لأهله عليه حقا، وأن لأولاده عليه حقوقا، وأنه لا يصح أن يهتم بأبناء الآخرين ويترك أولاده في مدرسة الشارع لا يعرف عنهم شيئا. فقال:
· الأبناء يتبعون الآباء بعد أن يكبروا ويتجاوزوا سن الطفولة.. قلت: والزيارات الاجتماعية التي تهذب سلوك الزوجة والبنات وتعرف الأسر على بعضها بعضا.. وتعمق المحبة بين المتزاورين.. قال:
· هذه علاقات تأخذ الوقت. ولا وقت عند الداعية يضيعه! في مثل هذه التوافه! فماذا كانت النتيجة؟
فساد في كل شيء.. في سلوك الأبناء انعكس على سلوك البيت.. انعكس شقاء عند الجميع..! نعم.. (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).
ولكن هل معنى هذه القاعدة أن نجلس في بيوتنا بانتظار أن تهبط الهداية؟ أم أن عمل الدعاة هو الدعوة للأقربين قبل الأبعدين..؟ لهذا السبب.. فإني أرى أن نعود للصواب، وأن نخصص وقتا كافيا لأبنائنا ولأهلنا، وأن نمارس إلى جانب عملنا الدعوي عملا اجتماعيا.. نعود المرضى.. ونزور الأسر.. ونمسح على رؤوس البائسين.. ونقضي حوائج المحتاجين. وهذا السلوك الاجتماعي سينعكس عاطفة كريمة في نفوسنا.. فقد خلت هذه النفوس من العواطف أو تكاد. وسينعكس كذلك معرفة بالواقع.. فمعظم دعاتنا يحلقون بالخيال ويحدثونك حديثا لا يمت للواقع في أكثر الأحيان.. وما ذلك إلا لأنهم بعيدون عن الناس وعن مشاكلهم..
لي صديق منذ عشرين سنة، حرصت على معرفته وزيارته في بيته. ثم انقطعت بيننا بعد ذلك الأسباب. استمر في عمله، وتركت عملي الذي كان يجمعني به.. ورأيته يبتعد عني كلما قابلته صدفة.. زرته وكلمته.. فقال إنكم أنتم الحزبيون لا تحبون سوى إخوانكم الحزبيين ولا تطمئنون لسواهم.. فقلت: بل الإسلام أعلى وأجلّ.. قال: حديث جميل ولكنكم لا تطبقونه..
نعم.. كلام هذا الصديق صحيح. لقد تقطعت صلاتنا بغيرنا.. وبدأنا لا نوثق غير إخواننا الحزبيين.. الحق معنا بدون سؤال، والباطل مع غيرنا بدون سؤال كذلك.. ولقد كتبت في ذلك تعليمات وقرئت بيانات تؤكد مثل هذا المعنى الخاطئ.
ولم تعد العلاقات جيدة بين جميع العاملين للإسلام.. بل صارت كل فرقة تعادي الفرقة الأخرى.. تتهمها وتتهم نوايا أفرادها.. قد تلقي عليهم السلام وقد لا تلقي! وتعد ذلك في سبيل الله..!
من الذي يكسر الطوق؟
لنكسر جميعا هذا الطوق الذي صنعناه بأنفسنا وتحجرنا في إطاره.. إننا عندما نبذل الأخوة والمحبة للآخرين.. فسنجدهم من أجود الناس وأكرمهم أخلاقا، وسنجد أن التفاهم معهم شبه كامل، وأن نقاط الخلاف معهم جزئية، وأن الحوار يذيب الرواسب والخلاف.. وتسود بعد ذلك المحبة والأخوة جميع المسلمين عامة والإسلاميين خاصة..
لا أريد أن أستطرد في هذا الموضوع.. ولكني أعود وأؤكد أنه لابد للداعية من أن يخصص وقتا كافيا لعلاقاته الاجتماعية.. وأن هذه العلاقات هي التي تصحح مساره وتضبط طريقه.. وليس أمرا ثانويا أو لا لزوم له كما يتصور البعض..
هل جربت أن تلاطف وتلاعب أبناءك الصغار..؟ وهل ترى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد فيطيل السجود حتى لا ينزعج الحسن أو الحسين فينزلا عن ظهره برغبتهم الكاملة.. يطيل السجود ليس في صلاة النافلة.. بل وفي جماعة ليعلم المسلمين درسا في التربية..
ألم تسمع لذلك الصحابي ينكر على النبي صلى الله عليه وسلم تعلق أبنائه به وملاطفته وتقبيله لهم فيقول: لي عشرة أبناء لا أقبل أحدا منهم.. فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم إن مداعبة الصغار فيها أنس للكبار وتربية للأسرة وربطها بوشيجة الحب التي لا تنفصم..
بل هل حاولت أن تعامل أبناءك إذا كبروا معاملة الصحبة..؟
تشاورهم في أمورك وأمورهم، وتطمئن إليهم ويطمئنون إليك، وتزول من بينكم الجفوة المصطنعة.. وينمو الحب مكان الأوامر.. إن لهم حقوقا كما عليهم واجبات.. وكما تحب أن يؤدوا واجباتهم تحب أن ينالوا حقوقهم.
وهل حاولت أن تهتم بقضية الفتاة..؟
فتنزع من عقلها أنها إنسان متخلف.. وجزء من العار.. وأنها لا تخرج إلا يوم ولدت ويوم زفافها وإلى القبر في آخر المطاف.. لا تشارك في عمل أو في رأي أو في نشاط.. هل تدرك أنك معني قبل غيرك في تصحيح هذه الصورة الجاهلية.. وأن تساهم -فعلا لا قولا- في هدم هذا الحاجز النفسي ضمن حدود الأدب الإسلامي الرفيع، والصيانة الكاملة للذوق السليم والعرف المستقيم؟
وهل ترى الزوجة.. خير متاع الدنيا، تتفنن بالتمتع بها جسدا وصحبة وشيئا جميلا مبهجا في حياتك وخادمة لبيتك وأولادك؟ أم تعاملها معاملة كريمة تليق بالشريك الكامل لك ولبيتك. تشاورها كما شاورها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأخذ رأيها إذا كان سديدا، وتبعد عن ذهنها القول المأثور الخاطئ (شاوروهن وخالفوهن). وتأوي إليها في ساعة العسرة كما أوى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخائف إلى حجر خديجة تؤنسه وتشير عليه، وتبادر إلى الرأي السديد..؟
هل خطر ببالك أن تجعل لها نشاطا دعويا واجتماعيا، وأن ذلك من حقها كما هو من حقك..؟ وهل كلفت نفسك العناية بأطفالك لتهيئ لها جوا مناسبا في أثناء ذلك.. كما تهيئ لك هي جميع الأوقات الأخرى..؟
إن التربية الخاطئة التي نمارسها في بيوتنا انعكست على زوجاتنا وبناتنا.. وأستطيع أن أقول إن الخمار الذي ترتديه الفتاة على رأسها رغماً عنها، ليس بالضرورة عنوان إسلاميتها.. بل قد يكون عنوان تخلفها..!
ألم تسمع بتلك الفتاة التي عقد لها أبوها على ابن عمها فرفضت وناقشت واحتكمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففسخ العقد احتراما لكرامتها..؟ وعندما قبلت قالت: أريد أن أُعلم أخواتي المسلمات أنهن صاحبات رأي في هذه القضية.. وأن الشرع يخدم رأيهن..!
وألم تسمع وترى المسلمات الخالدات كيف يعشن؟ وماذا قلن؟ وكيف شاركن؟ وكيف ربين..؟ نريد مثل هذا الجيل.. ونريد أن يبذل الدعاة جهدا في ذلك، ويخصصوا لذلك وقتا كافيا..
هل تعرف شيئا عن والديك.. الأم والأب.. وعن أقاربك.. والأقربون أولى بالمعروف (من أحب أن يُبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه) .. وعن جيرانك.. وإكرام الجار جزء من الإيمان..؟
هل تشارك في المناسبات. أفراحهم وأحزانهم..؟ تكون معهم في الأفراح وتشاركهم في الأتراح.. فتكسبهم بقلبك وعملك قبل أن تكسبهم بقولك ولسانك..
يا أخي الداعية..
هذه هي الدعوة الربانية.. وليست تلك الصورة الحزبية الهزيلة التي يحبس بعضنا نفسه في إطارها.. وهي صورة مشوهة عن الدعوة العظيمة التي نادى بها المرسلون والمصلحون..
خصص وقتِاً كِافياً: لزوجتك – لأبنائك – لوالديك – لأقاربِك – لجيرانك – لزملائِك .