هى وسيلة تربوية كذلك متممة للوسائل التى اتخذتها الجماعة فى تربية الأفراد ، ولكنها كالكتيبة تغلب عليها التربية الجماعية ، وفيها يتاح للمشاركين حرية فى الحركة والتريض والتدريب والصبر على بذل الجهد وتحمل الجوع والعطش ، بمقدار لا تسمح به ظروف لقاء الأسرة ولا ظروف لقاء الكتيبه .
وإذا كانت الأسرة والكتيبة ، يعنى فيهما بإنضاج الجوانب الروحية والعقلية والنفسية والاجتماعية ، بأكثر مما يعنى بالجانب البدنى الجسدى فى الفرد أو المجموعة ، فإن الرحلة هى التى يعنى فيها بهذا الجانب البدنى الجسدى بأكثر من غيرها من وسائل التربية الإخوانية ، ولذلك ، قلنا : إن الرحلة وسيلة تربوية متممة لوسائل الجماعة فى التربية .
والرحلة ضرورية لإيجاد الجو الاجتماعى الإخوانى الذى تسوده القيم الإسلامية والانضباط الجسدى البدنى طيلة يوم كامل ، يحيا فيه المشاركون فى الرحلة حياة إسلامية عملية .
وفى الغالب ، تكون الرحلة مرة كل شهر ، وأغلب ماتكون من صلاة الفجر إلى صلاة المغرب. والأصل فى الرحلة أن تكون لعدد من الأسر الإخوانية ، وقد تكون لمجموعة من المنضمين انضماما عاما أو أخويا . والمكان الملائم للرحلة ، هو المكان الخلوى صحراويا كان أو ريفيا ، بشرط أن يكون بعيدا عن المدينة وأن يرتحل إليه ، لأن الارتحال وآدابه وإعداد لوازمه مما تستهدف الرحلة - كوسيلة تربوية - أن تحققه فى المشابهين فيها .
وتتنوع الرحلة من حيث المشاركون فيها إلى أنواع :
أ - رحلة للإخوان العاملين ، أو الذين في سبيلهم إلى الانضمام بنوعيه العام والأخوى.
ب - رحلة لعائلات الإخوان ، دعما للتعارف بين هذه العائلات والتواد والتحاب فى الله ، لتستطيع العائلة أن تواكب عائلها فى مجال العمل الإسلامى ، ولا يحدث أنقطاع نفسى أوعقلى بين عائل الأسرة وأفراد أسرته ، من حيث الاهتمام والممارسة العملية للحياة الإسلامية . لكن من المحتم فى هذه الحالة مراعاة النواحى الشرعية بدقة ، بحيث لا يحدث اختلاط بين الرجال والنساء ، أو الفتيان والفتيات ، إلا ما تقضى به ضرورة شرعية كذلك .
والأصل أن يكون لهذه الرحلة العائلية مشرفان أحدهما رجل للرجال ، والثانية امرأة للنساء .
جِ - رحلة لأبناء الإخوان فى الأعمار المتقاربة بإشراف أحد الإخوان .
د - رحلة لبنات الإخوان فى الآعمار المتقاربة بإشراف إحدى الأخوات .
هِ - رحلة للدعاة من الإخوان ، حيث يقسمون إلى مجموعات ، لتغطية احتياج قطاع كبير من البلاد إلى الدعاة . وقد مارس الإمام المؤسس هذا النوع من الرحلات وحده حينا ، ومعه بعض إخوانه الدعاة حينا ، ووجه بعض الدعاة إلى ذلك حينا ثالثا - كما كان يحدث فى العطلة الصيفية للدعاة من الطلاب .
وقد واكبت الرحلة تاريخ الجماعة منذ زمن باكر ، ولجأت إليها الجماعة كوسيلة من وسائل إعداد الجسم والنفس والروح فى كل مرحلة من مراحل تاريخ الجماعة ، وعلى كل مستوى من مستويات المشابهين فى الرحلة .
وللرحلات فى الجماعة تاريخ لابد من ذكره :
تحدثت إحدى الوثائق عن الرحلات فجاء فيها : " كان مما اشتملت عليه حجر المركز العام ( فى دار شارع الناصرية ) حجرة صغيرة لفرقة الرحلات - وكان يرأس فريق الرحلات الطالب : محمد أحمد سليمان بكلية الطب - والذى أذكره أننا جميعا كنا أعضاء فى هذا الفريق ، وكنا نلبس الملابس اخاصة به فى المناسبات - وكانت هذه الملابس تشبه ملابس ركوب الخيل فهى قميص " كاكى " وبنطلون " كاكى " طويل بمنفاخ . ..
ويخيل إلى أن الأستاذ المرشد رسم فى ذهنه صورة لوسائل إبراز حقيقة الدعوة الإسلامية ، فوجد أن هذه الصورة لا تكتمل إلا بوجود مظهر للقوة البدنية ، ولم يستطع التعبير عن هذا المظهر فى ذلك الوقت كما لم تسعفه الوسائل إلا بتخصيص حجرة من حجرات المركز العام - وإن كانت أصغرها - لهذا النشاط ووضع على بابه لافتة باسم لهذا النشاط .. وإن ظلت هذه الحجرة مغلقة دائما أو مايقارب الدوام .
كما أنه أراد فى دار شارع الناصرية ، أن يعبر عن معنى الجهاد فى الفكرة الإسلامية فكلف نجارا - بإرشاد من أحد العسكريين - بصناعة أنموذج لبندقية ، وكان هذا الأخ العسكرى يدربنا فناء الدار على استعمال البندقية فى مختلف الظروف والأوضاع بهذا الأنموذج الخشبى .
فلما تم الانتقال إلى الدار الجديدة فى العتبة ، ووجدت السعة ووجد الشباب ،تطلع إلى الحركة والنشاط º رأى الأستاذ الفرصة مواتية لإبراز الصورة التى فى ذهنه إبرازا أوضح ، فطور فريق الرحلات إلى فريق الجوالة .
والصورة التى رسمها الأستاذ فى ذهنه منذ قام بدعوته فى الإسماعيلية من هذا الجانب من نشاط الدعوة لم تكن هى فريق رحلات أو فريق جوالة وإنما كانت فريقا عسكريا يحقق فكرة الجهاد فى الإسلام ، إلا أن الرجل وقد اتاه الله الحكمة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراكثيرا ) لم يكن يؤمن بالطفرة ، بل كان يؤمن بالتطور وبأنه قانون الحياة ، ولابد للدعوات أن تخضع لقوانين الحياة إذا هى أرادت أن تشق طريقها - ولم يكن الرجل يتجاهل ماحوله ولا يتعامى عما بين يديه فتدرج بالصورة التى فى خاطره تدرج الأم بمولودها " .
ولقد استمرت الرحلة فى تاريخ الجماعة حتى بعد أن أنشئ فريق الجوالة وأخذ شكله الرسمى الذى اعترفت به جمعية الكشافة المصرية . وكانت برامج الرحلات تتنوع بتنوع المشاركين فيها .