# ظواهر خطيرة .
# مركز التفاعل .
# كيف يتم التفاعل .
# التلقي للتنفيذ .
# العقل مركز القيادة .
إن ضعف الطبيعة الحركية لدى الجمهرة الكبرى من دعاة الإسلام ظاهر شائعة في حياة الدعوة وبالتالي خطيرة على حاضرها ومستقبلها فهي تغلق دونها أبواب الانطلاق والتمكين وتحول بينهما وبين الاستفادة من كثير من الظروف والسوانح وتطبعها بطابع الرتابة والجهود ....وتفقدها أبرز خصائصها وهي الحيوية والحركية والانقلابية .....
وإن مبادئ الإسلام الفكرية والتوجيهية تملك إمكانات التلقيح والتأثير فيما لو حملتها نفوس متوثبة ونهضت بها هم متحركة عالية .
والمجتمع _نعم هذا المجتمع -الذي كثيراً ما نتهمه بما فيه وبما ليس فيه تهرباً من تكاليف العمل والجهاد وتبريراً لتقصيرنا في المجالات البذل والعطاء إلى درجة أننا خدعنا أنفسنا إلى حد بعيد وتسرب الشك واليأس إلى نفوس الكثيرين من دعاتنا أو كاد وصدق فينا قول القائل :(كاد استماع الوهم يملأ أذني حسنة للتفاعل مع هذه الدعوة فيما لو تحركت الهمم وتحفزت وأنا مع كل هذا لا أنكر أن العمل الإسلامي يواجه في هذا العصر خصومات وتحديات فوق ما يتصور الكثيرين ....ولكني أنكر أن يؤدي هذا العمل إلى تخاذل أهل الحق والمعركة الفاصلة لم تبدأ بعد ؟كما أنني أنكر أن يكون هذا باعثاً على الفوار من الميدان في ساعة العسر حيث يلزم الكر دون الفر ومواجهة التحدي بتحد أقوى وأشد :{الذين قال لهم الناس :إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا :حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة الله وفضل لم يمسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ....}.
وأود أن أشير هنا إلى أن المحن والشدائد يجب أن تبعث في النفوس معني الإصرار على الحق والثبات ودونه ...كما ينبغي أن تدفع إلى مراجعة الأخطاء وتعبئة القوى على الضوء الاستفادة من التجارب والأحداث ....ولعل في إصرار نوح عليه السلام على دعوة قومه وحرصه على هدايتهم تسعمائة وخمسين عاماً وما لقي خلالها من أذى واضطهاد من شأنه أن يشحذ الهمم فلا تكل ويحفز النفوس فلا تمل :{حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب }.إن المعركة التي يخوضها الإسلام في هذا الزمن تتطلب عناصر ذات نمط معين ..عناصر تعيش بالإسلام وللإسلام ... عناصر ديدنها هذا الدين وحده فلنخجلن من أنفسنا ...ولنغارن على الإسلام دين الحق ودعوة الحق حين لا نكون من حملة على مستوى المسئولية في الوقت الذي نرى استماتة أهل الباطل وتضحية أهل الضلال وبذل الأفاكين في سبيل إفكهم وضلالهم :{أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }.
إن الذين لا يغلي دماءهم وتلتهب نفوسهم وتهتز مشاعرهم بالإسلام في كل لحظة من لحظات حياتهم لا يمكن أن يعقد عليهم الأمل ويناط بهم الرجاء ويتحقق على أيديهم انتصار الإسلام ولنقف هنا قليلا نستخلص بواعث العقم وضآلة الأثمار في حياة الدعاة والعاملين .....
القلب مركز التفاعل :
وفي اعتقادي أن القلب هو المركز الثقل الذي يتم فيه تفاعل الداعية مع كل ما يرده من توجيهات وتشريعات ...,حتى الأفكار فان للقلب شأن ففي استساغتها ومشاركة للعقل في تذوقها :{أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }.
والإيمان هو ثمرة هذا التفاعل وهو بالتالي وقود الحركة والحيوية والإثمار ...وما لم تستمر عملية التفاعل هذه فإن الحركة والحيوية ستنعدمان تباعاً إلى أن تصاب الطبيعة التنفيذية بالشلل والعقم نهائيا...
ولذلك كان القلب بحاجة إلى عناية فائقة ونصيب من الاهتمام كبير وأول خصائص القلب أنه ذو حساسية مرهفة فكما أنه قابل للإشراق والضياء والصفاء فهو قابل للإظلام والذبول الصدأ....من هنا كان الواجب والداعية أن يعني بقلبه فلا يهمله ..والعناية بالقلب يجب ألا تفتر ساعة من ليل أو نهار حفاظاً على إشرافه وبهائه ونقائه ومصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن للقلوب صدأ وجلاؤها الاستغفار ).
ودعاة الإسلام أولى من سواهم بالاهتمام بقلوبهم لأنهم أكثر تعرضاً لمكائد الشيطان وقلوبهم أشد حاجة إلى الإشراق وهي جهاز الإرسال ومركز الإشعاع لديهم ...وفي حديث عن عائشة رضى الله عنها قالت ..قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(الإنسان عيناه هاد ....وأذناه قمع ولسانه ترجمان ...ويداه جناحان ورجلاه بريد ...والقلب منه يملك ...فإذا طاب والملك طابت جنوده ).
والعناية بالقلب ينبغي أن تكون مستمرة دائمة استعداد لكل طارئ خبيث أو وافد مضل ...لأن الشيطان يسري من ابن آدم مسرى الدماء ...ولا يجلو القلوب كإخلاص ي العبادة وعلى الأخص ناشئة الليل ...وعمق التبصر والتدبر لآيات الله وخاصة عند الصباح (إن قرآن الفجر كان مشهوداً)والبكاء والتبتل في محراب الله ....ودوام التفكير بالموت والاستعداد له وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات ).
والقلوب كذلك عرضة للقسوة واللين......فالطاعة تكسبها ليناً وإرهاقاً والمعصية تزيدها قسوة وجفافاً: { فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة }.{بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون }......ورحم الله ابن المبارك إذ يقول :
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
ولقد بين لنا الداعية الأول صلى الله عليه وسلم كيف يتم تفاعل القلوب مع ما يفيد إليها من خيرا أو شر فقال :(تعرض الفتن على القلوب مع كالحصير عوداً وعوداً فأي قلب أشربها نكت فيها نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين :على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مرباداً لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً.......)
فعلى الداعية أن يترصد قلبه باستمرار .....يراقب حركاته ويسجل تصرفاته ....ولا يتساهل حتى مع الوسوسة الخافتة والشعور الخفي ....ولا يقولن أنها من التوافه الصغيرة فالصغير الحقير إذا اكثر واستمر أنذر بخطر كبير ....وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ) وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله :
لا تحقرن صغيرة إن الجبال الحصى
وقال آخر :
لا تحقرون صغيراً في مخاصمة إن البعوض تدمي مقلة الأسد
فقلب الداعية ينبغي أن يكون كالمرآة الصافية تنعكس عليه مبادئ الإسلام .ينفعل بها وتنفعل به .... ليسوقها بعدئذ إلى الأعضاء والجوارح مجموعة رفيعة من الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة .وبذلك لا يبقى الإسلام بالنسبة للداعية مجرد نظريات وإنما يأخذ صوره العملية الحسية في حياته وواقعه ..
وإن مما يساعد الداعية على التفاعل مع الإسلام وقوفه أمام مبادئه وأحكامه وتشريعاته موقف المقصود بالخطاب المعني بالأمر وهذا من شأنه أن يكسب التلقي فاعلية التأثير المباشر والتفاعل السريع ...وبذلك تصبح علاقة الداعية بالإسلام علاقة جندية وقيادة وأمر وتنفيذ .......
والحقيقة أن تلقي الداعية لآيات الله ومبادئ الإسلام على هذا النحو وبهذه الكيفية من شأنه أن يكسب حياته طعماً جديداًً يجد حلاوته في كل معنى من معاني الإسلام .......
العقل مركز القيادة :
وإن مما يبعث الداعية -كذلك -على التفاعل مع دعوته وانفعاله بها وبالتالي انطلاقه في شتي المجالات والميادين نضوج فكره وعمق فهمه وسعة ثقافته لأن فاقد الشيء لا يعطيه .....وكثيراً ما يحدث أن يتخاذل ضعفاء الثقافة من أهل الحق أمام المثقفين من أهل الباطل ...
وكما أن الإنسان يتفاعل مع القلب فيما يرده من خير أو شر فالقلب كذلك يتفاعل مع العقل فيما يحمله من مفاهيم وأفكار ....ولفتات القرآن العقلية إلى مشاهدة الكون والحياة تؤكد قيمة التفكير والتصور في السلوك الإنساني ...ولذلك أسقط الإسلام الحساب عن المجنون والمعتوه وفاقد العقل ..... وعناية الداعية بقلبه دون عقله ستجرده - بدون شك - من أقوى أسلحته وأبعثها على انطلاقه وانفعاله كما أن عنايته بعقله دون قلبه ستفقده أهم عوامل الاستقرار والاطمئنان والثبات ، وشخصية الداعية لا يمكن أن تبلغ درجة الكمال ما لم يتحقق صلاح القلب والعقل معاً........
وكما أن على الداعية أن يهتم (بالعبادة والمراقبة وذكر الموت والذكر سواها من الرياضيات الروحية )فإن عليه كذلك أن يهتم (بالتفقه والمطالعة والخطابة والكتابة وغيرها من النشاطات الفكرية ).
والامتلاء الفكري من شأنه أن يجعل الداعية جهاز إرسال لا يتوقف ....أما الذين يحسون بخوائهم الفكري فإنهم يتحاشون المجتمعات والناس ويتهربون من المسئوليات ...وبالتالي تموت فيهم الطبيعة الحركية وينعدم الإثمار والعطاء ....
وحاجة الداعية إلى السلاح الفكري في العصر الحديث حاجة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها أو إهمالها ...فالإسلام اليوم يعيش في وسط يموج بالاتجاهات والمذاهب الفكرية والفلسفية ... ويجدر بالدعاة أن يكونوا موضوعين ومنطقين .....وليس من مصلحة الإسلام في شئ مواجهات التحديات الفكرية بالعواطف الفارغة من الكلام والخطب .....بل إن الواجب مقارعة الحجة بالحجة ومقارنة الفكر بالفكر :(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ...)
وعل الداعية أن يرجع إلى القرآن الكريم والسيرة النبوية يتحسس فيهما الأساليب العقلية البليغة التي كان يواجه بها الإسلام خصومه الجدليين .
وصفوة القول أن الداعية يكون في إعداد وتكوينه على المستوى ما تتطلبه الحركة اليوم ...قوة في الروح ومتانة في الفكر ,...... وسموا في الخلق ... وبذلك يمكن أن يتحقق التفاعل بين الدعوة وبين الناس .
# حصنوا جبهات المقاومة
# الشخصية الإسلامية
# العقلية الإسلامية
# النفسية الإسلامية
# لا تفريط ولا إفراط
# حقيقة التجرد
دعاة الإسلام في خطر !.....
لا أعني أنهم خطر من عدوهم ...ومن مكائد خصومهم وكم مؤامرات الحاقدين عليهم وعلى الإسلام ....فهذه أخطار قد تهون -على ضراوتها وشدتها -أمام أخطار النفس وانحرافاتها ....فالداعية بخير ما برئ من عيوب نفسه وأمراضها بالغ ما بلغت قوة الأعداء والخصوم .ومن هنا نفهم وصية عمر ابن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين حيث يقول : (كونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله فلا تعملوا بمساخط الله وأنتم في سبيل الله ).أقول هذا لأنني أدرك أن درب الدعاة في هذا العصر درب محفوفة بالإغراء ....ولقد هدمت جاهلية القرن العشرين كل معني من معاني الفضيلة والخير والكرامة ....وأسفرت عن وجه كالح شاحب ترتسم فيه وتتوافر أسباب الغواية والفتنة والشذوذ ...وأزكمت مادية هذا العصر الأنوف حتى أصبح الإنسان لا يفكر إلا بها ولا يعيش إلا لها ولا يحكم على الأشياء إلا من خلالها .أعمت بصره وبصيرته وأماتت حسه وشعوره :{ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } .
هذه التركة المثقلة بالأعباء والمهمات كان على دعاة الإسلام أن يواجهوا مسئولية حملها بالعدة الكاملة من إيمانهم وأخلاقهم وأفكارهم وبكل ما يملكون من أسباب القوة والمنعة العقيدية والخلقية .
حصنوا جبهات المقاومة :
لذلك كان أخطر ما يواجه الدعاة في هذا الزمن تصدع جبهات المقاومة في نفوسهم وتسليمهم أحياناً بما يسمي (بالأمر الواقع ) والرضى بالترقيع في إسلامهم والقبول بأنصاف الحلول من مبادئهم وأهدافهم ...وكثيرا ما كانت سياسة التراخي والتساهل هذه تستدرج عن دائرة التصور والتفكير والسلوك الإسلامي .وإذا سلمنا بضخامة الأعباء وكبر المسئوليات التي تنتظر الدعاة في حاضرهم ومستقبلهم ....وما هم معرضون له من محن وفتن أصبح من أهم ما ينبغي أن يحرصوا عليه ويبادروا إليه هو توفير عوامل (الصيانة ) لنفوسهم وعقولهم ليقووا على مغالبة ما يعترض سبيلهم من عقبات .
الشخصية الإسلامية :
إن الاهتمام بتكوين الشخصية الإسلامية يجب أن يسبق أي عمل آخر ....فالشخصية الإسلامية حجر الزاوية في بناء الحركة الإسلامية ... وكما أن الحركة الإسلامية لا يمكن أن تنهض بدورها الكبير في قيادة الأمة بغير الدعاة والعاملين كذلك فإن هؤلاء الدعاة لا يمكن أن يقوموا بالدور الخطير ما لم تكتمل شخصيتهم الإسلامية اكتمالاً طبيعياً سليماً......فلنناقش إذن العناصر التي تتكون منها الشخصية الإسلامية .
1- العقلية الإسلامية :
إن العقلية الإسلامية إحدى مقومات الشخصية الإسلامية وهي بالتالي ملكة التفكير والتصور الإسلامي الصحيح للكون والإنسان والحياة فالأفكار والأحكام والمحسوسات والغيبيات يجب أن تخضع كلها لتقييم إسلامي صحيح .وبهذا تكون العقلية الإسلامية قاعدة فكرية تعكس مفاهيم الإسلام وأحكامه في كل شأن من الشئون .
فالعقلية الإسلامية هي (العقلية ) التي تنظر إلى الأشياء -كل الأشياء -من خلال الإسلام ...وتحكم على الأمور -كل الأمور -بمنظار إسلامي فيكون الإسلام بالنسبة إليها مقياس كل قضية وحل كل مشكلة وزمام كل أمر ....ولعله من الأسباب التي تؤدي بالدعاة إلى الانحراف -أحياناً- اضطراب فهمهم وتصورهم للإسلام كفكرة وللعمل الإسلامي كمنهج وأسلوب .
ولتكوين العقلية الإسلامية لابد من توفر العوامل التالية :
أولاً : الفهم الصحيح للكتاب والسنة الذي من شأنه أن يقيم في ذهن الداعية الخطوط الأساسية للحياة الإنسانية كما يريدها الإسلام ....
ثانياً: الإدراك الكامل لأهداف الفكر الإسلامي من حيث هو ضابط مسلكي وأخلاقي دافع للعمل جاعل سلوك الإنسان متقيداً ومتكلفاً بحسبه في الحياة الدنيا ونحو الآخرة وأنه ليس مجرد نظريات ومثاليات مجردة ... وهذا ما يجعل المفهوم الإسلامي واقعياً وإيجابياً وذا مفعول عميق وقوي في بناء الشخصية الإسلامية .
ثالثاً: الاستيعاب الكامل والكافي لجوانب التصور الإسلامي دونما انحصار في جانب من الجوانب ....فكثيراً ما يؤدي التفريط الجانبي إلى ظواهر وانحرافات خطيرة ....فالعقل ينمو نمواً طبيعياً ما دام يتناول من الأبحاث والثقافات ما يكفل له غذاءً وفيراً ومتنوعاً .....ويقف عن النمو والإنتاج بل قد يتأخر ويسف عن التفكير إذا أهمل أو قدم له الضحل الخفيف من القراءات والمطالعات ....
يقول الدكتور صبري القباني في كتابه الأول من سلسلة (طبيبك معك ):إن الدماغ يستطيب تنوع الأبحاث فينسجم ويستعيد استساغة الفكر ...والتفكير ذو النمط الواحد يكده ويجهده مثله في ذلك الأذن تمج النغم الواحد المتواتر ومثل عضلات القدم التي يرهقها هبوط المنحدر السحيق كما يضنيها صعود المرتقي الطويل ....لذلك يجب أن نقدم لأدمغتنا دراسات منوعة لتحفظ بجدتها ونشاطها .من هنا نلاحظ أن الذين ينصرفون إلى المطالعات (الروحية أو الأدبية) فحسب يصابون بالانعزالية والانطوائية ....كذلك الذين يعكفون على البحوث العلمية المجردة ولا يقدمون للعقل أغذيته الأخرى الضرورية وقد يقعون فريسة عوارض عصبية ونفسية جامحة .وحتى يتحقق للعقل اتزانه وعمقه ويجب أن ينفتح على كل ما في الحياة من معرفة وعلم وثقافة ....يأخذ منها بقدر ....ويدع منها بقدر وفي حدود ما يستسيغه التصور الإسلامي السليم ...والعقلية الإسلامية لا يمكن أن تكون إسلامية صافية ما لم تطل على العالم من نافذة الإسلام ....تفكر وتقدر وتستحسن وتستقبح توازن وتقارن كل ذلك على الضوء الإسلام ووفق أصوله وقواعده .
النفسية الإسلامية :
والنفسية ثاني مقومات (الشخصية الإسلامية ) بل هي الانعكاس الحسي لتفاعل الفكرة الإسلامية وأثرها في حياة الفرد ...فميول الإنسان وغرائزه مربوطة ارتباطاً وثيقاً بمفاهيمه وتصوراته الفكرية ... ومن هنا كانت النفسية الإسلامية هي الكيفية التي يمارس الداعية على ضوئها غرائزه وميوله وحاجاته العضوية .وقد يكون من أهم ما تجب العناية به ووضع المناهج له تحويل المفاهيم والأفكار الإسلامية إلى سلوك وخلق أي إلى نفسية إسلامية .وهذا ما يفرض إحكام الربط بين العقلية والنفسية أي بين التفكير والتطبيق ...ولقد ندد الإسلام بانفصال (جزئَى الشخصية )عن بعضها البعض فقال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ؟}.
وحتى تستقيم النفس على قواعد الإسلام التوجيهية والتشريعية فلا يطغيها ترخص أو يشقيها تكلف ...وينبغي أن يراعي في ترويضها العوامل التالية :
لا تفريط ولا إفراط :
حرص الإسلام من أول يوم على رد النفس البشرية إلى فطرتها وفق منهج دقيق متناسق يحفظ للروح وللعقل والبدن حقوقهم من غير تفريط ولا إفراط .وعلى هذا الأساس ينبغي أن تروض النفس ...فتنشأ طبيعية وتنمو نمواً فطرياً لا إسراف فيه ولا إسفاف ...ومثل الذين يسرفون في حقوق أبدانهم سواء بسواء ....أولئك لا يمكن أن تستقيم شخصيتهم وتتزن وفق مقاييس الإسلام وأصوله .وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار عبد الله بن عمرو بن العاص وكانت امرأته تلطف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :(كيف أنت يا أم عبد الله ؟ قالت كيف أكون وعبد الله بن عمرو قد تخلى عن الدنيا .قال لها :كيف ذلك ؟قالت :حرم لا ينام ولا يفطر ولا يطعم اللحم ولا يؤدي إلى أهله حقهم .قال :فأين هو ؟قالت :خرج ويوشك أن يرجع الساعة .قال :فإذا رجع فاحبسيه علىّ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عبد الله وأوشك رسول الله في الرجعة .فقال :يا عبد الله بن عمرو ما هذا الذي بلغني عنك أنك لا تنام ؟قال :أردت بذلك الأمن من الفزع الأكبر .وقال :بلغني أنك لا تفطر .قال أردت بذلك ما هو خير منه في الجنة .وقال بلغني أنك لا تؤدي إلى أهلك حقهن .قال أردت بذلك نساء خيراً منهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا عبد الله بن عمرو إن لك في رسول الله أسوة حسنة ورسول الله يصوم ويفطر ويأكل اللحم ويؤدي إلى أهله حقوقهم .يا عبد الله إن لله عليك حقاً وإن لبدنك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً ).فالداعية الموفق هو الذي يتابع قلبه بما يصلحه ويزكيه وينقيه ولا يغفل عن مراقبة نفسه ولا يقصر في محاسبتها عملاً بقول المصطفي صلى الله عليه وسلم :(الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمني على الله الأماني ).
إلى ذلك أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا . وزنوها قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر ). وهو إلى الجانب ذلك لا يبخل على بدنه بما أحل له من طيبات المأكل والمشرب والملبس حسبه في ذلك قول الله تعالي :{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق }.{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق }.صحيح أن النفس أمارة بالسوء ....وأنها بحاجة إلى ترويض وإحجام حتى يسلس قيادها ولكن كما أن لنا عليها واجبات فإن لها علينا حقوقاً ... ومن طالبها بواجباتها سألته حقوقها ومن حرمها حقها جمحت به وأردته ....وهذا ما ينطق به مدلول الآية الكريمة :{لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }. ويقول الأستاذ الشهيد سيد قطب في تفسير هذه الآية :(هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنساناً لا حيواناً ولا ملكا ولا شيطانا ...تعترف به كما هو بكل ما فيه من ضعف وكل ما فيه من قوة ....وتأخذه وحدة مؤلفة من جسد ذي نوازع وعقل ذي تقدير وروح ذي أشواق ... تفرض عليه من تكاليف ما يطيق .وتراعي في التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات ).
هذا وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من كل تفريط ونهي عن كل إفراط فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال :من هذه ؟قالت هذه فلانة تذكر من صلاتها ...قال : مه عليكم بما تطيقون فو الله لا يمل الله حتى تملوا ...ومه كلمة نهي وزجر .....ومعنى (لا يمل الله ) لا يقطع ثوابه عنكم حتى تملوا فتتركوا فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه وفضله عليكم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة ). ويقول الإمام النووي في تفسير هذا الحديث :(وهذه استعاره تمثيل ومعناه : استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم وفوارغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون وتبلغون مقصودكم كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل المقصود بغير تعب والله أعلم ).ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :(إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى ).
والنفس يشق عليها تقمص طبيعية ليست فيها وممارسة خصال ليست منها ....,هي إن صبرت على هذا التكليف بادئ الأمر فستعمله في النهاية والعاقل من سما بنفسه دونما ملل منها وسعى مع الأيام على تعويدها حمل المزيد من التكاليف والأعباء من غير إعياء لها ...وبذلك يبلغ بها ما يريده منها .....
حقيقة التجرد :
ونفس الداعية لا يمكن أن تستكمل خصالها الإسلامية وخصائصها الربانية ما لم تتجرد لله وتتحرر من كل ما يستبد بها أو يطغيها ...فإن كان المال فلتزهد فيه وإن كانت الشهوة فلتتحرر منها .
ليكن الغنى بالنفس لا بالفلس .....ولتكن العزة بالله لا بالجاه ...ولتكن المرأة وسيلة إحصان وطاعة لا عامل انحلال وميوعة وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل يوماً عن أزهد الناس في الدنيا فقال :( من لم ينس المقابر والبلى وآثر ما يبقى على ما يفنى وعد نفسه مع الموتى ).وقال صلى الله عليه وسلم :(الزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة ).
وورد عن ابن السماك قوله :(الزاهد الذي إن أصاب الدنيا لم يفرح .وإن أصابته الدنيا يحزن يضحك في الملأ ويبكى في الخلأ )
هذه بعض الملامح الخاطفة لمعالم الشخصية الإسلامية وخصائصها وصفاتها فد تحتاج إلى المزيد من التفصيل والتبسيط وحسبي أن يكون فيها ما يحقق بعض الرجاء ...والله ولي التوفيق .