# الأسلوب الحسن
# بين الشدة واللين
# ماذا نريد
هناك عوامل تساعد على إنجاح الداعية إلى حد كبير في مجالات الدعوة وتحقق له الخصب والإثمار وتمنحه القدرة على التأثير والتفاعل والإيغال بأفكاره في كل وسط وعلى كل صعيد والأسلوب الحسن هو أحد العوامل الحساسة الهامة التي توفر على الداعية الوقت والجهد وتصل به إلى الغاية المطلوبة بأقل التكاليف وأيسرها فالداعية في كل مجال من مجالات الدعوة والتبليغ في نطاق الكتابة والخطابة والتحدث والنقاش في العمل الشعبي والنقابي والسياسي والطلابي بحاجة إلى الأسلوب الحسن الذي يصيب الهدف ويبلغ القصد وقد يكون من أبرز الأمور التي ينبغي توفرها لدى الداعية ليتمتع بالأسلوب الحسن تعرفه على الوسط الذي يكون ميداناً لنشاطه وعمله يدرس أوضاعه ومشكلاته واتجاهاته وميوله ثم يشخص أسبابه وبواعثه على علم ومعرفة ، علم بخصائص الداء ومعرفة بأسلوب الشفاء والداعية الناضج كالطبيب الناجح يعرف من أين يبدأ وكيف يبدأ ثم هو لا يبدأ قبل أن تتوفر لديه إمكانيات التمحيص والتشخيص والمعالجة حتى لا يكون عمله سلسلة تجارب فاشلة ومحاولات مرتجلة والمجتمع اليوم يموج بعديد المذاهب والاتجاهات .... وكلها تتجاذب الناس بما تطلع عليهم من من دعايات منمقة وأساليب مزوقة .
تخاطبهم من حيث يصغون ويسمعون .... وتأتيهم من حيث يحسون ويشعرون .... تلامس جروحاتهم وتتحسس أمراضهم وتتبنى مشكلاتهم ودعاة الإسلام يجب أن لا يكونوا أقل عناية واهتماماً بأساليب دعوتهم من سواهم فلا يخاطبون ( العمال الكادحين بلغة القبوريين ) ولا يناقشون ( الملاحدة الماديين بلسان العاطفيين ) وإنما يجمعون لكل مقام مقالاً مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( أمرت لأخاطب الناس على قدر عقولهم ) إن الإسلام في هذا الزمن بحاجة إلى دعاة يحسنون عرض أفكاره ومبادئه بأسلوب شيق جذاب يحببون بالإسلام فلا ينفرون منه ويوضحون أفكاره فلا يعقدونها وكم من أدعياء شوهوا الإسلام بسوء دعوتهم وأساءوا إليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ومن هنا كانت وظيفة الدعاة دقيقة وحساسة وتتطلب كثيراً من اللباقة والحكمة .
# بين الشدة واللين :
فالنفوس جبلت على حب من أحسن إليها وقد تدفعها القسوة والشدة أحياناً إلى لمكابرة والإصرار ولنفور فتأخذها العزة بالإثم وليس معنى اللين المداهنة والرياء والنفاق وإنما بذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب دمث مؤثر يفتح القلوب ويشرح الصدور وبخاصة إذا كانت الدعوة ( لجماعة المسلمين ) فإنه لا ينبغي بحال مخاطبتهم بالتوبيخ والتقريع والعنف ألم تر إلى القرآن الكريم في معرض التوجيه الرباني للأسلوب الحسن الطيب يخاطب ( موسى وهارون ) ويوصيهم بمبادأة الطاغية ( فرعون ) باللين والحسنى { إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى } بل إن اللفتات القرآنية والإشارات النبوية إلى الرفق ومجانبة الغلظة والشدة تؤكد بما لا يحتمل الشك ( فاعلية ) هذا الأسلوب وقيمته التأثيرية يقول الله تعالى في آخر سورة (النحل ) آمراً نبيه بالتزام الحكمة في دعوة الناس{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } وفسرها ابن كثير بقوله ( أي من احتاج إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن وبرفق ولين وحسن خطاب ) وفي سورة ( آل عمران ) يشير القرآن الكريم إلى فوائد الرفق واللين في كسب الأنصار والمؤيدين وبالتالي انطلاق الدعوة والتفاف القلوب حولها فيقول { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا انفضوا من حولك } وقد ورد في تفسير هذه الآية قول لعبد الله بن عمر جاء فيه ( إني أرى صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ) وفي السيرة النبوية نماذج مختلفة للأسلوب الأخاذ النافذ الذي كان يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم غايته بلباقة وحكمة فقد روى أبو أمامة أن غلاماً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنا ؟ فصاح الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم :أدن فدنا حتى جلس بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتحبه لأمك ؟ قال : لا جعلني الله فداك قال : كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم أتحبه لابنتك ؟ قال : لا جعلني الله فداك . قال : كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم .. أتحبه لأختك ؟ وزاد ابن عوف أنه ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحدة :لا جعلني الله فداك فوضع رسول الله يده على صدره وقال ( اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه فلم يكن شئ أبغض إليه منه يعنى الزنا ..
وأسلوب الداعية ينبغي أن يكون متجدداً في حدود ما يسمح به الإسلام ومرونة الإسلام تقتضي الدعوة بأسلوب العصر ولغته وبمختلف الوسائل المشروعة التي تضمن نقل الإسلام إلى الناس في أبهي صورة وأحسن وجه وهذا منطق المرونة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ) وقوله ( خذوا الحكمة من أي وعاء خرجت ).
# ماذا نريد :
وقد يكون من خير ما يحقق الأسلوب الحسن لدى الداعية إدراكه الواضح العميق لما يريد ... فتقويم التصور والتشخيص الواضحين للغايات والأهداف يملى على الداعية الأسلوب الذي ينبغي التزامه وتبنيه .
وإدراك الداعية لما يريد يوفر عليه الوقت والجهد ويجعل سيره وانطلاقه على هدى ونور فلا يخبط خبط عشواء دونما تقدير للعواقب أو تحسب للنتائج وإلى هذا المعنى يشير التوجيه الرباني الكريم فيقول { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما} فيجدر بالداعية أن يعرف ماذا يريد من كل خطوة يخطوها ومن كل عمل يقوم به سواء في مجال الخطابة والكتابة والمناقشة أو في مجال العمل الشعبي والنقابي والطلابي وصدق الحسن البصري حيث يقول ( العامل على غير علم كالسائر على غير طريق والعمل على غير ما يريد يفسد أكثر مما يصلح ) وفي الحكم :( من سلك طريقاً بغير دليل ضل ومن تمسك بغير أصل ذل ) .