شروط العضوية الحالية تجعلنا الجماعة الوحيدة على ظهر الأرض التي لا تمنح الفرد درجة عضو ( منتسب ) إلا بعد مدة تصل إلى خمس سنوات من الجلوس في حلقات المحب فالمؤيد ، وبعد مدارسة المناهج وبعد أعمال التمحيص وكتابة تقارير الكفاءة والتي يشارك فيها نقيب الأسرة ومسئول الشعبة ومسئول التربية بالمنطقة... ويظل طيلة تلك الفترة محروماً من المشاركة الفعالة في أي لجنة، ومحروماً من دفع الاشتراك أو المشاركة بالرأي أو معرفة أية معلومات عن سير الدعوة في شعبته أو عن مسئوليها .. الخ ثم وفي النهاية وبعد مضي تلك السنوات الطوال يمنح الفرد العضوية الكاملة بعد أن يكون قد فقد وهج وحماس البدايات واعتاد على (الرحرحة) وعلى القدر اليسير من الأعمال، ويكون قد غلبته مشاغل الحياة.
والأهم أن الأمر لا يقف حتى عند عدم توظيف العضو طيلة تلك السنوات ، بل الأدهى أنه خلالها لم يقدم له ما يؤكد ولو نظرياً إلى أن هناك أعمال تنتظره أكبر من ذلك الذي يقوم به . أو أن التعامل مع الواقع شيء له أهمية في منهج جماعته . فلم تقدم له مثلاً الدراسات التي تتحدث عن حجم وطبيعة أزمة الأمة وتبين له الدور الذي ينتظره للمساهمة في العلاج . كما لم تقدم له دراسة واحدة ولا كتيب واحد يتناول الواقع من حوله ويساعده على فهم ما يجري من أحداث . فكل المعارف التي تقدم له هي معارف وبرامج دينية تدور في نطاق تأصيل الهوية الإيمانية وإعداد الواعظ الجيد . لذلك فمن الطبيعي أن نحصل بعد هذه السنوات من العزلة عن هموم الواقع ومتابعة المتغيرات ودراسة أسباب الأزمات مقابل الغوص حتى الأذن في الدراسات الشرعية والدينية . من الطبيعي أن نحصل على عضو كل همه النجاة بالنفس من النار ولا يشعر بأية مسئولية عما يجري من حوله .
ثم أننا للأسف نختار هذه البداية البليدة جداً للداخلين في الدعوة دون مراعاة لحقيقتين هامتين :
أولاً : حالة الغليان التي يعيشها المواطن حالياً والتي تجعل أغلبية المسلمين ترغب في الانتماء لتنظيم يوظفهم لعمل شيء مباشر في نطاق الأزمة الحياتية الرهيبة التي يعيشونها .
ثانياً: حقيقة أن أغلب المنتمين للدعوة هم من الشباب الذي يعيش فترة التوقد الذهني ورهافة الحس التي تجعله في حاجة إلى الارتباط بدعوة ( شابة ) حيوية تستوعب طاقاته الهائلة وتوجهها بقوة وعناية في المناسب والحيوي من مواطن الصالحات من الأعمال .
لذلك تجد أن أغلب السباب المنتمي للدعوة حالياً هم من الشباب الذي يغلب عليه الطبيعة الريفية الهادئة جداً ، في مقابل ندرة في الشباب المتوقد الحركي . وربما هذا يفسر أيضاً انتشار الدعوة حالياً في الريف وفي المحافظات الزراعية مقارنة بسكان المدن والمحافظات الحضرية .
والغريب هو أنه وبعد كل هذه الاحتياطات الأمنية ، وبعد كل هذا التمحيص ، وبعد أن اجتاز العضو بنجاح مرحلة المحب فالمؤيد وأصبح عضواً في الجماعة فأنه لا يكلف إلا بما يكلف به باقي الأعضاء من أعمال في غاية البساطة كتوزيع شريط إسلامي أو الجلوس في حلقة مسجدية مع مجموعة محبين أو طلاب أو ممارسة الدعوة الفردية مع جاره أو زميله في العمل أو القيام برحلة بالأشبال.. الخ . أليس هذا هو ما نقوم به في الغالب ؟. فلماذا المبالغة الطويلة في الإعداد ؟ ولماذا إحاطة الدعوة بهالات من الغموض والسرية التي تجهض عزيمة الداخل إليها.
وقد يقول البعض أن ذلك ضروري لتأمين الدعوة وحفظ أسرارها . وقد يقول هذا البعض أيضاً أن هناك جماعات قد انفرط عقدها لأن الأمن قد عرف بمعظم تكويناتها وأسرارها ممن سقط في أيديه من المحدثين من أعضائها.. وهذا قياس خاطئ جملة وتفصيلاً لأن هناك فارق بين إجراءات التحقيق والرصد الأمني لجماعات تخطط للقتل والتفجير ولجماعة تعمل في نطاق الدعوة بالحسنى .
كما أننا جميعاً نعلم أن الأمن لا يجهل أعضاءنا ولا يستهدف كل جماهير الإخوان بل هو يستهدف أعداداً رمزية كل فترة لتأكيد عدم شرعية الجماعة. فما لا يقل عن 90% من الأعضاء معروفون تماماً . وأنه لو أراد معرفة الشجرة الإخوانية بكل فروعها فإنه ورغم إجراءات السرية وتعقيدات منح العضوية فسيعرف ذلك في خلال أيام ومن أقدم الأعضاء قبل أحدثهم . وقد تم ذلك من قبل في اعتقالات الخمسينات والستينات، فلديهم من الوسائل الرخيصة ما يمكن به فعل ذلك في لحظات !! فلماذا هذه التعقيدات الهائلة في منح العضوية.
فهل يوجد شخص يقبل أن ينضم لجماعة إذا قيل له أنك لن تُقبل بها كعضو سوى بعد سنوات طويلة ؟ وهل نتحايل على تلك المكاشفة بأن نظل على أسلوبنا الحالي من التعمية على المستجد وإشعاره بأنه فرد كامل العضوية بينما هو لا زال فعلياً خارج التنظيم ؟ وهل هذا حلال من الوجهة الشرعية أم يمكن أن يعتبر تدليساً ؟
الحِِِِل :
لكل ما سبق نرى اعتبار المحب أو المؤيد هو الفرد الذي لا يريد الانضمام تنظيمياً للجماعة ولكنه يحب أهلها ومستعد للتعاون معهم في الأعمال العامة . أما من ارتضى الانضمام تنظيمياً وجلس في أسرة وبذل من وقته، وقبل العمل تحت مظلة الاسم وارتضى الدعوة منهجاً فلابد من احترام كل هذا وفتح أبواب العمل أمامه . فالفيصل لقبول العضو الجديد هو أن يطلب شخصياً الانضمام ثم يزكي من أحد إخوان الصف القدامى ممن يعرفونه عن قرب . ولا مانع من أن يلتقي به أيضاً مسئول التربية في الشعبة وفي المنطقة ويتعرفا عليه ويناقشانه في أهداف الجماعة ووسائل العمل فيها بكل صراحة واحترام لرغبته تلك. ثم بعد ذلك وفيما لا يستغرق أسابيع قليلة يؤيدا رأي الأخ الذي زكاه أو يؤجلا انضمامه قليلاً.
ولا مانع من تقديم كتيب للتعريف بالدعوة وأهدافها ولجانها وشروط العضوية وطبيعة الأقسام . وكذلك إطلاعه على لائحة الجماعة الداخلية إلى غير ذلك مما يقلل من مساحة التيه التي يشعر بها الراغب في الانضمام إلينا . فالإنسان عدو ما يجهل . كما أن هذه الحقائق ليست شديدة السرية بل هي منشورة ومعروفة وهناك مواقع وكتب للدعوة توضح ذلك لمن يريد. ثم يتم إتاحة عدد من اللجان الدعوية للعضو منذ اليوم الأول لكي يعمل وينتج ويتعلم من إخوانه ويشعر بمتعة الانتماء الدعوي . مع اعتباره عضواً في مرحلة ( المنتسب ) بشكلها الحالي . وتؤجل مشاركته في اللجان ذات الطبيعة الخاصة كاللجنة السياسية وكذلك التربية والمناصب الإدارية وغيرها مما لا يناسب المبتدئين لمدة عام أو عامين على الأكثر حتى ترسخ أقدامه .
ولا شك أن هذا العرض المنظم للدعوة والذي يحترم حق الفرد في الاختيار ويعطيه صورة كاملة عن الدعوة وأعمالها وهياكلها، يشعر الفرد باحترام الدعوة له وجديتها في التعامل مع رغبته الكريمة في الانضمام إليها . ثم بعد ذلك يتم توظيفه فوراً للاستفادة منه ولتجنب كارثة إبقائه بغير عمل لعدة أعوام.