1- البعد عن هيمنة الحكام والسياسيين: وان كان من الطبيعي أن يكون من أفرادها حكام وسياسيون... وهذه الخاصة من شأنها أن تحفظ الحركة الإسلامية بعيداً عن الاستغلال والمتاجرة وتبقي عليها صفة التجرد والصدق والاخلاص..
2- التدرج في الخطوات: لأنها تدرك أن طريقها شاق وطويل.. وان أهدافها ضخمة وكبيرة.. وان التدرج في الخطوات واعطاء كل خطوة حقها من شأنه أن يصل بالجماعة إلى ما تبتغي وتريد.. ولقد حدد الامام الشهيد للدعوة ثلاث مراحل هي: مرحلة التعريف ومرحلة التكوين ومرحلة التنفيذ.. جاء في رسالة التعاليم للامام الشهيد ما يلي:
مرحلة التعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ووسيلتها الوعظ والارشاد واقامة المنشآت النافعة وغير ذلك من الوسائل العملية..
مرحلة التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها الى بعض.. ونظام الدعوة في هذه المرحلة، صوفي بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية.. والدعوة في هذه المرحلة لا يتصل بها إلا من استعد استعداداً حقيقياً لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات. وأول بوادر هذا الاستعداد (كمال الطاعة).
مرحلة التنفيذ: والدعوة في هذه المرحلة جهاد لا هوادة معه.. وعمل متواصل في سبيل الوصول الى الغاية.. وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما الا الصادقون.. ولا يكفل النجاح في هذا الطور إلا "كمال الطاعة" كذلك...
3- ايثار العمل والانتاج على الدعاية والاعلام: ولقد دفع الحركة الإسلامية الى ذلك أمور: منها ما جاء في الإسلام خاصاً بهذه الناحية بالذات، ومخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء فتنتهي الى التلف والفساد.. ومنها نفور الطبيعة الاسلامية من اعتماد الدعايات المضخمة والتهريج الذي ليس من ورائه عمل.. ومنها عدم اضاعة الجهد والوقت الا فيما هو مثمر وبناء.. ومنها ما يفرضه أمن الحركة وأمن أفرادها مصداقا لقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان).
4- سياسة النفس الطويل: ان ضخامة العبء، وثقل التبعات، الملقاة على عاتق العاملين في الحقل الاسلامي يؤكدان أن الطريق طويل والعمل شاق والجهاد مرير، وان السائرين على هذا الدرب يجب أن يهيئوا أنفسهم لمواجهة كل عنت ومشقة ولكل بذل وتضحية {ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.
ان على المنتمين للحركة الإسلامية أن يعتمدوا سياسة (النفس الطويل) فتكون الدعوة إلى الله على بصيرة بقصد مرضاته، فلا يعتسفوا الطريق، ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها. وهذا لن يتم إلا إذا فهموا أن الحكم الإسلامي وسيلة لغاية أسمى.. فان تحقق على أيديهم حمدوا الله وان لم يتحقق فلا يأس ولا قنوط ولا تراجع ولا خوف؟ وبهذا يكونون قد أدوا الأمانة وقاموا بواجب الدعوة {وما النصر إلا من عند الله} {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}.
وقد يقول قائل: ولكن ما بال الأحزاب التافهة العميلة تصل الى الحكم وتقفز الى السلطة هنا وهناك في مدة أقصر وبطريقة أيسر؟ والجواب على ذلك أن الطريقين مختلفان وأن الحركة الإسلامية لن تصل إلا بطريق متميز نظيف، ولو رضيت أن تكون مطية لهذه القوة أو تلك، ولهذا الاستعمار أو ذاك لوصلت كما وصل الكثير؟ {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم}.
5- علانية العمل وسرية التنظيم: ثم ان العمل للاسلام لا يمكن أن يكون سراً من الأسرار، يقوم به الدعاة وراء الحجب والأستار، يخشون أن يتخطفهم الناس، ويفلسفون ذلك على أنه مصلحة وحكمة؟ فصوت الإسلام يجب أن يعلو، وكلمة الحق يجب أن تقال، والساكت عن الحق شيطان أخرس، (من رأى منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
فالداعية يجب أن يقول كلمة الحق، في مكانه حيث يعمل، وفي بيئته حيث يقطن، سواء بالكلمة التي يستطيع القاءها، أو بالمقالة التي يتمكن من نشرها (بالحكمة والموعظة الحسنة).
ولكن هذا لا يعني بحال أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الاطلاق، بل ان ذلك يعد جهلاً بالاسلام وتعريضاً للحركة ولأفرادها لمكر الأعداء وغدرهم وايذائهم؟ والقاعدة التي يجب تبنيها في هذا المجال هي (علانية العمل وسرية التنظيم) عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) وقوله (الحرب خدعة).
6- العزلة النفسية لا الحسية: ولقد كثر الكلام أخيراً عن العزلة الشعورية التي دعا إليها الشهيد سيد قطب حيث قال (انه لا بد من طليعة، تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق.. تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعاً.. تمضي وهي تزاول نوعاً من العزلة من جانب ونوعاً من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة).
ومفهوم العزلة هنا التي يشير إليها الشهيد هو عزلة الشعور من أن يدنسه رغام الجاهلية.. عزلة النفس واستعلاء ايمانها وهي تمضي في (خضم الجاهلية) تكشف الزيف، تتحدى الباطل، تكابد وتجاهد دون أن تخشى في الله لومة لائم؟
والعزلة هنا تعني التمايز.. تمايز الفئة المؤمنة عن الفئة الكافرة.. تمايزها بالفكر والتصور، وبالأخلاق والسلوك، وبالمشاعر والأحاسيس؟ وهذا ما دعا إليه الإسلام وعبر عنه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في كثير من أقواله منها (كونوا كالشامة بين الناس) (لا يكن أحدكم امعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت.. ولكن وطنوا أنفسكم، فإن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا اساءتهم).
أما العمل والحركة والاحتكاك والدعوة فلا مجال للعزلة أو للانفراد فيها والا تعطل العمل والحركة والاحتكاك والدعوة.. والعاملون للإسلام اليوم أمام أصناف من الناس لا يجوز أن يعتمدوا حكماً واحداً في معاملتهم..
فمن الناس من هم مسلمون ملتزمون التزاماً فردياً بأحكامه. وعدم قيامهم بواجب العمل الحركي للإسلام لا يجعلهم وغيرهم على حد سواء؟
ومن الناس من هم مسلمون معتزون بالإسلام مع جهلهم له وعدم التزامهم بأحكامه وهؤلاء يمثلون السواد الأكبر من المسلمين اليوم ولا يجوز اعتبارهم والكفار في منزلة واحدة؟
ومن الناس من هم أعداء للإسلام يحادون الله ورسوله سواء كانوا أفراداً أم أحزاباً أم حكاماً؟
ومواقف الدعاة من هؤلاء يجب أن تتفاوت بحسب قربهم وبعدهم، وبحسب اقبالهم وادبارهم، وبحسب ولائهم أو عدائهم.. فمنهم من يلزمه التعهد والتوجيه، ومنهم من تلزمه التوعية والتثقيف.. ومنهم من لا يُفلح معه الا السيف (وآخر الدواء الكيّ) وهذا يفرض أن يكون الدعاة على صلة دائمة ومتصلة بالمجتمع، لأنه أرضية العمل وميدان الجهاد.. ولكنها صلة متميزة.. صلة التأثير لا التأثر.. وصلة التطهير لا التنجس. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (لصبر أحدكم ساعة في موطن من مواطن الجهاد خير من عبادة أحدكم ستين عاماً).
7- الغاية لا تبرر الوسيلة: ان جرثومة فساد الاتجاهات والتنظيمات غير الإسلامية هي (ميكيافيليتها).. أو بعبارة أخرى (مصلحيتها) التي تتعدى في كثير من الأحيان حدود المبادئ والنظريات التي ترفعها وتنادي بها..
فكم من اتجاهات عقائدية (تسيست) وخرجت عن أطرها الفكرية عند أول تجربة عملية لها.. على مستوى الحكم أو حتى في التمثيل البرلماني؟
هذه الاتجاهات – في الحقيقة – لا تفترض في نفسها وفي المنتسبين اليها ذلك البعد العقيدي الذي يمكن أن يقيها غوائل الانحراف والتلون والنفاق مما هو مائل في معترك الصراع السياسي والفكري، وفيما يبدو من تصرفات السياسيين التقليديين والزعماء العقائديين على حد سواء؟
فمصلحة الشعب، تتحول الى مصلحة للحزب.. ومصلحة الحزب تغدو مصلحة (شخصية) لزعماء الحزب.. وقضايا الأمة تضحى أوراقاً رابحة في سوق المتاجرة والاستهلاك والمساومة.. وأعداء الأمس يصبحون أصدقاء اليوم.. وأصدقاء اليوم أعداء الغد.. وهكذا حتى لا يبقى من عقائدية هذه الاتجاهات سوى أسماء وشعارات كاذبة مزيفة؟
هذا ما يجري على ساحة القوى والاتجاهات الوضعية، وهذا يفسر ويكشف سر الحركة الكامنة فيها وسبب انتشارها وسرعة وصولها الى السلطة؟ ليس لديها التزامات عقائدية وأخلاقية بالمعنى الصحيح.. ليس لديها مواقف واضحة وثابتة.. انما هنالك (استراتيجيات) آخذ بعضها برقاب بعض، وتسابق لاهث لانتهاز كل فرصة واستغلال كل ظرف والمتاجرة بكل قضية مهما كان الثمن فادحاً، ولو كان التضحية بالقضية نفسها أو بالشعب كله؟
أما ما يجري في الساحة الاسلامية، أو ما يفترض أن يجري فيها، فمختلف كلياً عما يجري هناك وهنالك.. فالحركة الإسلامية لا تفرق بين الغاية والوسيلة من حيث وجوب شرعيتها وعقائديتها وأخلاقيتها.. والعاملون في الحقل الإسلامي لا يعملون لذواتهم أو وفق ما تمليه ذواتهم.. إنهم مقيدون بحدود والتزامات عقائدية وأخلاقية ليس لهم أن يحيدوا عنها أو يغيروا فيها؟
أ- فالعمل للحق لا يجوز أن يتوسل بالباطل لبلوغ غاياته وأهدافه، ولو كان هذا الباطل مجرد كلمة أو شعار {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.
ب- والحق كل لا يتجزأ.. والتنازل عن جزء من الحق تنازل عن الحق كله.. فليس بعد الحق إلا الباطل، وليس بعد الهدى إلا الضلال.. فهذه قريش تعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم عروضاً سخية مقابل بعض تنازلات عقائدية منه، فيبتدرهم بقوله تعالى {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين}.
ج- والحق ينبغي أن يعمل له بقوة.. ويضحى في سبيله بكل شيء، دون أن يساوم عليه بسبب من ترغيب أو ترهيب.. فسحرة فرعون عندما تبين لهم الحق تمردوا على كل تهديد واستعلوا بإيمانهم فوق كل مصلحة وقالوا لفرعون {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرض عليه الملك والجاه والمال مقابل أن يخفف من دعوته ينتقض قائلاً (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).
د- وأصحاب الحق يجب أن يكونوا واعين حذرين، معتصمين بحبل الله مهتدين بهداه.. فلا تستدرجهم مواقف، أو تفرض عليهم حلول غير متناسبة مع منطلقاتهم العقيدية والأخلاقية {وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فان تولوا فاعلم انما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وان كثيراً من الناس لفاسقون}.
وتحدثنا السيرة النبوية، انه عندما حاول (ملك غسان) أن يستدرج (كعب بن مالك) أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن عزوة تبوك وظلوا في المدينة ولم يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم كتب له رسالة جاء فيها "انه قد بلغني أن صاحبك جفاك – وكان رسول الله قد قاطع هؤلاء الثلاثة فلا يكلمهم أحد من المسلمين – ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا "فقال كعب عندما قرأ الرسالة: وهذا من البلاء أيضاً، قد بلغ بي ما وقعت فيه – يعني التخلف – ان طمع بي رجل من أهل الشرك، ثم عمد الى تنور فأحرق الرسالة فيه؟".
هِ- وأخيراً فان الحق هوالذي يمليه الشرع لا الناس، ولو كان مخالفاً لأهوائهم وآرائهم وتصوراتهم جميعاً.. فالإسلام يرفض تملق الجماهير فيما يخالف شرع الله مهما كان يسيراً، وهو في منطق الإسلام نفاق وتعد على حدود الله (من اشترى رضى الناس بسخط الله ما زاده الله إلا ذلاً، ومن اشترى رضى الله بسخط الناس ما زاده الله إلا عزاً) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (لا يكن أحدكم امعة يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، فإن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم).