الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسولنا وقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين، وعلى جميع القيادات التي اقتدت بالقدوة العظمى، والتي جاءت على قدر تجدد للناس أمر دينهم.
إن التاريخ الإسلامي في كل مراحله، يبرز فيه رجال يحتاج إليهم الموقف، فيسدون الثغرة، ويلبون الحاجة، ويقومون بالواجب المطلوب لزمانهم ومكانهم في إيقاظ الأمة، وترميم ما أصابه البلى أو التصدع في بنيانها.
قد يكون الرجل المنشود إماما أعظم كعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقد يكون أميرا أو قائدا عسكريا مثل نور الدين محمود أو صلاح الدين، وقد يكون إماما فكريا ودعويا، مثل أبي حامد الغزالي، وقد يكون مربيا روحيا مثل عبد القادر الجيلاني، وقد يكون مجددا فقهيا وتربويا وإصلاحيا مثل أبي العباس ابن تيمية، فكل واحد من هؤلاء جدد فيما كان يفتقر إليه عصره وبيئته من جوانب التجديد الضرورية واللازمة.
وفي الربع الأول من القرن العشرين، وبعد سقوط الخلافة عام 1924، أصبح وضع العالم الإسلامي عامة، ووضع مصر والعالم العربي خاصة: يحتاج إلى رجل ذي فكر ثاقب، وحس مرهف، وإيمان دافق، وإرادة صلبة، يشعر بما تعانيه الأمة من أمراض وآلام، ويقدر على تشخيص الداء، ووصف الدواء، ويصبر على متابعة مريضه، حتى ينتقل به من مرحلة السقام إلى مرحلة العافية، ومنها إلى مرحلة القوة. كان هذا الرجل المنشود أو القائد المظفر، هو حسن البنا.
كان حسن البنا قد عرف غايته وتبين طريقه، وعرف أن غايته كبيرة وضخمة، وأن طريقه شاقة وطويلة.
أما الغاية فهي تجديد الإسلام في حياة الأمة، بدءا بمصر وانتهاء بالأمة الإسلامية كلها، وقيادتها به إلى الكرامة والعزة والاستقرار والحيِاة الطيبِة، سعيا إلى الوحدة المنشودة والخلافة المفقودة، وعملا على نشر الإسلام في العالم، كما أرادها الله )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(.
وأما الوسيلة، فهي تعريف الأمة بالإسلام شاملا متكاملا، كما أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
بدأت هذه الدعوة منطلقة من فكر مؤسسها وشعوره الداخلي الغامر بأن عليه فرضا لأمته يجب أن يؤديه، وأن لديه طاقة يجب ألا يدخرها في إحياء الأمة، وتجديد دينها.
بدأت الدعوة بسيطة ولكنها عميقة، محدودة ولكنها قوية، صغيرة في كمها ولكنها كبيرة في كيفها، فقيرة في مالها ولكنها غنية بما تملك من إيمان لا يتزعزع، قليلة الإمكانات ولكن لديها يقين وطموح وآمال كبار.
من الإسلام حددت أهدافها، ومن الإسلام عينت وسائلها ومناهجها، وإلى الإسلام ردت مرجعيتها.
يسأل الناس: من أنتم أيها الإخوان؟
ويجيب البنا: قولوا لهؤلاء المتسائلين: نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة: طريقة صوفية، وجمعية خيرية، ومؤسسة اجتماعية، وحزب سياسي نظيف.
نحن (الإسلام) فمن فهمه على وجهه الصحيح، فقد عرفنا.
أيها الإخوان أنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة يحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مرددا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت الدعوة بدأت بالإمام البنا ونفر قليل من إخوانه في الإسماعيلية عام 1928.. فهي اليوم في كل قطر وعلى كل لسان، مالئة الدنيا وشاغلة الناس.. لا تكاد تغرب عنها الشمس.
وأخيرا
فإن كل الذي فعلته في هذا الكتاب هو تقديم رسالة التعاليم العظيمة:
- أذكر الإخوان بمعانيها فالذكرى تنفع المؤمنين.
- وأرد عن وجهها الصبوح بعض سوء التفسير الذي ألحقه بها بعض شراحها.
- وأقدمها للمسلمين أجمعين، ليفهموا عظمة الإسلام الوسط العدل.. فهو الوحيد الذي يستطيع أن يعيد بناء الأمة على أساس سليم متين.
فإذا أحسنت فالحمد لله..
وإذا قصرت فأستغفر الله.
والحمد لله رب العالمين
المؤلف
الكويت 20/3/1423هِ
1/6/2002م