يقول الإمام حسن البنا (رحمه الله) في الأصل الحادي عشر:
(وكل بدعة في دين الله لا أصل لها -استحسنها الناس بأهوائهم، سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه- ضلالة تجب محاربتها، والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شرñ منها).
يعالج الإمام البنا في هذا الأصل قضية البدعة.
والبدعة لغة: الاختراع على غير مثال سابق.
والبدعة شرعا: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها، المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى).
والإسلام يرفض الابتداع في دين الله للأسباب التالية:
1- إنّ دين الله أكملُ من أن يفتقر إلى إضافة شيء له، فلقد أتمّ الله نعمته على عباده وأكمل لهم دينهم، قال تعالى: )اليومَ أكملتُ لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلامَ دينا(.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
2- إن إقرار هذه الإضافات التي صنعها الناس يعني إعطاء البشر حق التشريع في العقائد والعبادات وما إليها.. وهذا الحق انفرد به رب العالمين، قال تعالى: )أم لهم شركاءُ شرعوا لهمْ من الدين ما لم يأذنْ به الله(.
3- التعلّق بالبدع المحدثة يتم على حساب السنن الأصيلة نفسها، والذين يخترعون أشياء ليعبدوا الله بها يتحمّسون لها وتكون أقرب إلى هواهم من التعاليم الثابتة عن الله ورسوله.
وعليه فالابتداع المرفوض هو:
- ما كان في الدين، يفعله العباد على أنه من العبادات التي تقربهم إلى الله، بينما هو يخرج بهم عن دائرة الرسالة الإلهية.
- وألا يكون له أصل في الشرع.
من رغب عن سنتي فليس منّي
في الحديث الشريف أن ثلاثة جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته صلى الله عليه وسلم.. فلما أُخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا.
وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟
أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي.
ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟
عن أبي سعيد قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم، يُقسّمُ جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال:
اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال: دعه إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة.
لقد حاول هؤلاء أن يفتحوا باب الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخروج عن حد التسليم الكامل للهدي النبوي وتعاليم الدين، فكان الرد الحاسم الذي أبقى المسلمين على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
البدعة في عهد الصحابة والتابعين
ظهرت الخلافات بين المسلمين أواخر عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه وجرى ما جرى وقتل عثمان مظلوما. وفي عهد سيدنا علي رضي الله عنه ظهرت الخوارج والشيعة ثم المرجئة. وفي أواخر عصر بني أمية أظهر معبد الجهني القول بالقدر. ثم جاء تلميذه جهم بن صفوان وقال ببدعة التعطيل.
ثم جاء المعتزلة في العصر العباسي فكانت بدعة خلق القرآن.
والابتداع يكون بالزياة والنقصان وهما في الحكم سواء.
فمن أمثلة الزيادة: الطواف ببعض الأضرحة على نحو ما يفعل الحجيج بالكعبة المشرفة، والرهبنة.
ومن أمثلة النقصان: تعطيل الجهاد في سبيل الله، وتعطيل الحكم بما أنزل الله، والاكتفاء بالقرآن الكريم دون السنة النبوية عند من يعرف بالقرآنيين.
البدعة بين الدين والدنيا
والبدعة الضلالة هي ما كانت في أمور الدين.. أما ما كانت في شؤون الدنيا فهي مطلوبة يحض الإسلام عليها.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).. ولقد أهمل المسلمون (وخاصة في عصور الانحطاط) العلوم التي تطور شؤون حياتهم الصناعية والزراعية والطبية والعلمية فانحدروا.
ولن تستطيع الأمة المسلمة أن تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم حتى تأخذ بأسباب النماء الفكري والعلمي.. وأن تسبق غيرها في الاكتشافات المفيدة.. لتكون خير أمة أخرجت للناس.
فلم ينكر الله سبحانه وتعالى على سبأ (مثلا) أن تكون لهم جنتان عن يمين وشمال، ولم ينكر على قارون أن كان له من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وأمتنّ على داوود عليه السلام بإلانة الحديد له، ورضي عن دعوة سليمان )ربّ اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي(. فالإنكار إذن على الذين بدلوا عقائدهم الصحيحة، وغيّروا في عباداتهم المشروعة، وحرّموا ما أحل الله، )وقالوا هذه أنعامñ وحرثñ حöجْرñ لا يطعمُها إلا من نشاء(.
لقد وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي في حفر الخندق، وما مشروعات عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تنظيم الدولة، وإنفاذ الجيوش، وترتيب الخراج، وحبس ما أفاء الله على المؤمنين، وتعيين الولاة وتغييرهم، إلا أثرا من آثار هذه الانطلاقة الكبرى في علوم الدنيا وشؤون الحياة.
ولقد وجدت مجموعات من المسلمين لا يفرقون بين بدعة في الدين وبدعة في الدنيا.. فتراهم يتشددون في بدعة الدين.. ويفعلون الأمر ذاته في بدع الدنيا.. ابتداء من اللباس والوسائل المختلفة التي يسّرها الله لعباده.. وهذا الأمر من أسباب تخلف المسلمين وتراجع مكانتهم بين الأمم.
بالحكمة وبالتي هي أحسن
وإذا كان من واجب المسلمين إنكار البدعة في دين الله ومحاربتها والقضاء عليها، فهم مطالبون عند إنكار البدعة باتخاذ أفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى شر منها.
فالذي أمرنا بالإنكار، هو الذي أمرنا بإحسان الوسائل ولا يصح شرعا أن نحارب بدعة بجلب شر أكبر منها.
يقول ابن القيم:
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي. فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.