قال الإمام حسن البنا في الأصل الثالث عشر:
(ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى. والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: )الذين آمنوا وكانوا يتقون(. والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية. مع اعتقاد أنهم (رضوان الله عليهم) لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم).
يعالج الإمام البنا في هذا الأصل قضايا مهمة يحتاجها الداعية المسلم.. غالى فيها بعض الناس وأهملها آخرون.. فترتب على ذلك من الأخطار والفرقة الشيء الكثير. من هذه القضايا:
- حب الصالحين من الحب في الله.
- احترام الصالحين والثناء عليهم.
- من هم أولياء الله؟
- الكرامة وشرائطها الشرعية.
- لا يملك الضر والنفع إلا الله.
حب الصالحين من الحب في الله
تقوم الدعوة على ركيزتين أساسيتين: قوة الإيمان وقوة الحب.
وقوة الإيمان تتحقق بصحة الاعتقاد، وإسلام الوجه لله.
وقوة الحب تتحقق بصدق الاتباع.
قال تعالى: )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم(.
وحب الله تعالى يعني: فعل المأثور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. فإذا أنعم عليك شكرت، وإذا ابتلاك صبرت، وإذا أذنبت استغفرت، فترضى بقضائه، وتقنع بعطائه، فإذا تحقق ذلك فيك نادى المولى: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، ثم ينادي جبريل ملائكة الله يا ملائكة الله إن الله يحب فلانا فأحبوه ثم يُنزل لك المولى القبول على الأرض مصداقا لقول الله تعالى: )إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا(.
حينئذ تدخل في عداد الصالحين )والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين(.
فالصالحون هم صناعة الله، وعطاء الله، وهم الذين أحبهم الله، قال تعالى: )يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم(.
بهذا الحب الذي يسود مجتمع الصالحين تتكون الجماعة المسلمة المتآلفة المتحابة، وتتوثق عرى المحبة التي لا تنفصم لأنها من الله، قال تعالى: )وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم(. فإذا بهم صفا مرصوصا بين يدي الله يقولون: )إياك نعبد وإياك نستعين( فاهدنا يا رب صراط الصالحين ) الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين(، فهم معا في الدنيا في صلاح وتقوى ومحبة، وهم في الآخرة مِع النبييِن والصديقيِن والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
محبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم
من هنا كان محبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم من العبادة التي يتقرب بها العبد لربه، ومن الإيمان الذي وقر في القلب (فليس منّا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه). وفي الحديث القدسي: (من عادى لي وليا فقذ آذنته بالحرب).
القرآن يثني على الصالحين
ويعلمنا ربنا الثناء على الصالحين لأنه سبحانه أثنى عليهم ونوه بأخلاقهم ومسالكهم فقال تعالى: )واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا(. وقال تعالى: )واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا(.
ويتابع الأنصار المنهج القرآني فيثنون على إخوانهم المهاجرين و )يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(.
ويستمر هذا الموكب الكريم المتحاب يورث بعضه بعضا هذا الحب، )يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم(.
يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: والله لو صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي غلقا غلقا في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعته ولا بغض لأهل معصيته ما نفعني ذلك شيئا.
كيف نحترم الصالحين ونثني عليهم ونتبرك بهم
· تقبيل اليد: بعض العلماء كره تقبيل يد الصالحين.. ورخّص أكثرهم كالشافعي وأحمد (رحمهما الله)، إن كان للدين لا للدنيا فلا يكره تقبيل اليد لزهد وعلم وكبر سن بل يستحب.
· التبرك بالصالحين: يكون التبرك بما عُلم شرعا أن فيه بركة، وأذن الشارع في طلبها منه، والتماسها فيه، كبيت الله الحرام، وزمزم، والمساجد الثلاثة، والأرض المقدسة، وكمجالس العلم والذكر، وقراءة القرآن، ومجالسة الصالحين، وطلب دعائهم ومرافقتهم.
ولقد ثبت أن الصحابة كانوا يتبركون بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يتبركوا بآثار غيره..
قال الشعبي: صلى زيد بن ثابت رضي الله عنه على جنازة، فقربت إليه بغلة ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه. فقال زيد: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء، فقبل زيد يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أولياء الله
أولياء الله هم أهل الإيمان والتقوى )الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا( في دنياهم، وهم الذين تبشرهم الملائكة عند موتهم )ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة(، فهم لا يخافون ولا هم يحزنون )ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون( إنهم )الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة(.
فالولي هو كل مؤمن تقي.. بنيت له قبة أم لا، جرت له كرامة أم لم تجر.. قال تعالى: )الله ولي الذين آمنوا(.
في الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم؟ فإنا نحبهم لذلك، قال: هم قوم تحابوا في الله بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ: )ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون(.
بعض الطوائف الإسلامية حصرت الولاية بفريق خاص أو بأهل بيت معين.. وادّعوا لهم العصمة.. وخوارق العادات..
وبعض المشعوذين يترك الفرائض ويقول: )واعبد ربك حتى يأتيك اليقين( ولقد آتاني الله اليقين فسقطت عني الفرائض. أين هذا الدجل من الحديث القدسي. عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن: يكره الموت وأكره إساءته).
هؤلاء هم الأولياء الذي يحافظون على الفرائض والنوافل فيرزقون الفراسة والإلهام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد كان فيما قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فهو عمر). قال تعالى: )إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون(.
الكرامات وشرائطها الشرعية
الكرامة هي ما يكرم الرب تبارك وتعالى به عباده من أنواع الإفضالات وهي عامة.. لقوله تعالى: )ولقد كرمنا بني آدم(.. وخاصة وهي ما يكرم الله تعالى به بعض عباده من هدايتهم إلى الإيمان وتوفيقهم إلى طاعته فهذه الاستقامة على الإيمان والطاعة، من أعظم الكرامات.
يقول الإمام ابن تيمية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها. وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة. وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) .
ويتابع الإمام ابن تيمية : إن لبعض الناس كرامات وأن بعضهم يجري الله على يديه خوارق العادات ولكنهم غير معصومين من الخطأ.. ولا يملكون نفعا ولا ضرا.. لا لأنفسهم ولا لغيرهم.. )قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء( .
(وبين كرامة الأولياء، وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله) .