منذ اليوم الأول الذي تفضل فيه رب العزة، فأنزل تعاليمه على قلب نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه.. وهذه الدعوة تُجابه بالتشكيك بالمنهج والقائد..
· فما أن يعلن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمر ربه )فاصدع بما تؤمر((1)، حتى تعلن قريش ومن حازبها كفرهم بما يقول )بل يريد الإنسان ليفجر أمامه((2).
· ومع استمرار النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.. انعقد مجلس شورى المشركين في مكة، يتفقون على خطة يشككون فيها بالقائد، قالوا: نقول كاهن.. وقال بعضهم: مجنون.. وقالوا: بل نقول شاعر.. أو ساحر.. المهم عندهم أن يشككوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مرسل من السماء لهداية الأرض.
· استخدموا كل الوسائل في محاربة الدعوة والداعية: السخرية منه وتحقيره، وتشويه تعاليمه، وإثارة الشبهات حوله، ومعارضة القرآن بأساطير الأولين، واستخدام بنات الهوى لصد الرجال عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فعلوا ذلك.. فكان جواب القرآن عليهم: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون((3).
· اضطهدوه فصبر، وعذبوا إخوانه عذابا لا تطيقه الجبال فاحتسبوا، وكلهم يردد قولة بلال رضي الله عنه: أحد أحد.
· بعث إخوانه إلى الحبشة في جوار ملك عادل، فأرسلوا رسلهم يؤلبون النجاشي عليهم.
· هددوا أبا طالب.. وقاطعوا بني هاشم.. وأخيرا قرروا قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
كانوا يشككون بالمنهج وبالقائد.. لا عن قناعة بأن المنهج خطأ.. ولا بأن رسول الله كذاب.. ولكنه الظلم والجهل والكبر.. لخص الأمر أبو جهل عندما قال: (تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه )فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون((4).
· وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حاسما قاطعا مثّله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعمه: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه)(5). وعبر عن ذلك القرآن الكريم فقال تعالى: )ص. والقرآن ذي الذكر. بل الذين كفروا في عزة وشقاق. كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص. وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق((6).
لقد كفر المشركون.. منعهم الكبر والجهل والغرور عن الإيمان بالمنهج وبالقائد..
وأما المؤمنون المسلمون عبر العصور فقد آمنوا بالمنهج وآمنوا بالقيادة الإسلامية المتمثلة في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل قيادة إسلامية تأتي من بعده تؤمن بهذا المنهج.. وتترسم خطاه.
كانت الثلة المؤمنة تثق بقائدها ثقة عظيمة هي جزء من إيمانهم بربهم وبعظمة دعوتهم وسمو قيادتهم..
· فيوم غلبت الفرس الروم.. فرح المشركون فقد اعتبروا هذا النصر نصرا لأصنامهم، وحزن المسلمون فالروم أهل الكتاب أقرب إليهم.. ونزل القرآن بالخبر )ألم غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين((7).
قال المشركون: يا أبا بكر إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين. قال: صدق.
· ويوم جاءه المشركون يقولون: يا أبا بكر هل لك في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة،فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه.
· وحتى في حالة الخلاف بالرأي كما حدث لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الحديبية، حيث كان يرى نصوص الصلح مجحفة بالمسلمين. ويراجع أبا بكر.. فيقول له الصديق: يا عمر إلزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.. هي الثقة بالقيادة التي تعصم المؤمن عند الخلاف القاتل.
· وحتى في حالة الخطأ القاتل يرتكبه صحابي مثل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه يوم أفشى للمشركين خبر فتح مكة.. فقد أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله، قال: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. هي الثقة بالقيادة التي عصمت حاطبا من الانحراف عن خط الإيمان والدعوة.
---------------------------
(1) الحجر - 94.
(2) القيامة- 5.
(3) الكافرون - (1-2).
(4) الأنعام- 33.
(5) ابن هشام 1: 265.
(6) ص- (1-7).
(7) الروم- (1-3).