لقد أكد الإمام الشهيد على ركن الثبات، لأن طريق الدعوة مليء بالآفات المهلكة، والعقبات المثبطة، ولا يمكن الفكاك من هذه، والوقاية من تلك إلا بالتحلي بالثبات.
· فمن الناس من يُبتلى بآفة الاستعجال، وقد حذرنا الله من ذلك فقال لرسوله: )فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم( .
· ومن الناس من يبتلى بآفة العبادة على حرف، فيظل في طريق الدعوة ما دام الجو رخاءً لا ابتلاء فيه ولا إيذاء.
قال تعالى: )ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين( .
وقال تعالى: )ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله( .
· وقد ينجح الأخ ويثبت أمام امتحان الشدة والبلاء، ولا تلين قناته، ويواصل السير، ولكنه قد لا ينجح في الامتحان إذا تعرض لفتنة الدنيا والمال، فإذا عرض عليه منصب رفيع، أو مال وفير، تحلب فمه، وسال لعابه، وفقد توازنه، ونسي ما كان يدعو إليه من قبل، ولا عاصم من ذلك، إلا بالإلحاح في الدعاء أن يثبت الله منا الأقدام وأن يربط على القلوب.
ولقد حرص الإمام الشهيد أن يوضح لإخوانه، ولكل من يريد العمل للإسلام، طبيعة هذه العقبات حتى يكون على بينة من الأمر.
قال رحمه الله: والطريق طويلة المدى، متعددة المراحل، كثيرة العقبات.
· سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم.
· وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله.
· وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان.
· وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء.
· وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.
· وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم.
· وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان.
· وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات.
· وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم ومعتدين بأموالهم ونفوذهم )يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون( .
· وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان )أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون( .
الوقت جزء من العلاج
كلمة حكيمة، لابد أن يستوعبها كل سائر على طريق الدعوة، خصوصا في هذا الواقع الأليم، الذي تكالبت فيه أمم الكفر على المسلمين تريد سحقهم ومسخهم وردهم عن دينهم مستغلين ضعف المسلمين في كثير من المجالات الأساسية للنهوض. ولقد تأثرت بلاد المسلمين بكثير من الأمراض الفتاكة، والأدواء المعضلة. وإن علاج هذا الواقع لا يكون طفرة، ولا بلمسة سحرية، فهذا يخالف سنن الله في كونه )فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا( .
إن العلاج يحتاج إلى أمور ثلاثة هي:
- معرفة موطن الداء.
- والصبر على آلام العلاج.
- والنطاسي الذي يتولى ذلك حتى يحقق الله على يديه الغاية ويتمم الشفاء والظفر.
وهذا كله يحتاج إلى الوقت، والوقت يحتاج إلى صبر، فلا مكان للمتحمسين المتعجلين، ولا لأصحاب النفس القصير.
مواقف عملية
لقد وفق الله الإخوان إلى حمل الراية، ووفقهم للثبات على رفعها رغم ما تعرضوا له من ابتلاءات وإيذاء وإغراءات ورغم ما خاضوه من معارك شعواء. فعاشوا الثبات عمليا، ولم يكن عندهم شعارا نظريا.
من أجل هذا وقفوا في وجه الطواغيت في الداخل، ووقفوا في وجه الطواغيت في الخارج، وقاوموا أعداء الدين، مقاومتهم للغاصبين المعتدين، ولم يجدوا فارقا بين من يعتدي على أرض الإسلام. ومن يعتدي على شريعة الله. ولهذا خاضوا معركة تحرير الأرض كما خاضوا معركة تحكيم الشرع.
وكم حاولت قوى عديدة، بارزة ومستترة، في الداخل والخارج، أن تشتري الإخوان بالمال أو المناصب، وبذلك يحتوون الحركة ويسيطرون عليها، ولكن هذه القوى الماكرة الغادرة لم تجد عند الإخوان أذنا صاغية، إنما وجدت الرفض الصارم، والجواب الحاسم: )أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون( .
وكم لجأت هذه القوى إلى أسلوب الوعيد بعد أن أخفق أسلوب الوعد، ولوحت بالتهديد بعد أن خاب الإغراء، ولم يكن أسلوب الوعيد والتهديد بأنجح من أسلوب الوعد والإغراء. فكلا السهمين ارتد إلى نحر صاحبه..
إن هذا الإباء الأشم، والموقف الصلب من قضية الإسلام، وقضايا المسلمين، ورفض كل محاولِة للمساومة عليهِا أو التفريط فيهِا، طالما عرّض الحركة لتدبير المكايد لها، وحياكة المؤامرات لضربها، بل العمل على اقتلاعها من الجذور لو استطاعوا.
وبرغم هذا لم تلن قناة الإخوان للوعد والوعيد قبل المحن، ولا لانت قناتهم أثناء المحن، ولا لانت كذلك بعد المحن، لقد صبروا صبر الرجال، وثبتوا ثبات الأبطال، وإن شئت قلت: ثبات المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
أخي المسلم الداعية
الطريق طويل، والعقبات كؤود، ولا يثبت في الميدان إلا:
· من آمن بالله وعرفه حق معرفته، بحيث يرى ما يصيبه في سبيل الله مجرد زبد تافه لا قيمة له.
· وتذكر ثبات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المبدأ.. فثبت وتابع وتأسى وصابر.
· واستشعر مسؤوليته عن الإسلام والمسلمين.. وعمل على تحريرهم ونصرتهم بكل ما يملك من أسباب.. وتحمل في سبيل ذلك كل ما يصيبه من آلام..
يا مثبت القلوب
عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك) فقلت يا نبي الله: آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء) .