)قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاؤُ منكم، ومما تعبدون من دون الله( .
لقد مرّ إبراهيم والذين امنوا معه بالتجربة التي يعانيها المسلمون المهاجرون اليوم.. فأعلن براءته من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم.. لقد كان بعض المسلمين يجد في استغفار إبراهيم لأبيه (وهو مشرك) ثغرة تنفذ منها عواطفهم الحبيسة ومشاعرهم الموصولة بذوي قرباهم من المشركين. فجاء القرآن ليشرح لهم حقيقة موقف إبراهيم في قوله لأبيه: )لأستغفرن لك( .. قال هذا قبل أن يستيقن من إصرار أبيه على الشرك )فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه( .
فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم.. وهو الكفر بهم والإيمان بالله. وهي المفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تستبقي شيئا من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان.
لقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس عُلقة.. أمرñ شاق، ومحاولة عسيرة.. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغَ الاستيلاء المطلق، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته، فيصله به ويهديه إليه، )وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله( ..
فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات، وأن تنفض عنها تلك الرواسب، وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع، حيث وجهها الله تتجه، وحيثما قادها رسول الله تنقاد.
هذا هو منهج صهر النفوس بالأحداث وتربيتها وتجردها من كل هوى شخصي أو منفعة مادية.. أو انجذاب لآصرة جاهلية.
الناس أصناف
ومن علامات التجرد الحق أن يعيد الداعية (عندما يتجرد لله) تقييمه للأشخاص والهيئات وأن يزن كل شيء بميزان الدعوة:
فهناك المسلمون المجاهدون: الذين نحبهم ونواليهم، ونحسن الصلة بهم.
وهناك المسلمون القاعدون: فهؤلاء نحرك هممهم ونوالي نصحهم مع التماس الأعذار لهم.
وهناك المسلمون الآثمون: هؤلاء نذكّرهم ونعظهم، وندعوهم إلى العودة إلى الله.
وهناك ذميون: لم ينقضوا عهدا، ولم يظهروا العداوة فهؤلاء لهم التسامح منا والإنصاف، لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
علامات التجرد
ومن علامات التجرد:
· أن يبتعد الداعية عن كل سبب جاهلي.. وينحاز لكل سبب رباني إنساني.
· وأن يتهم نفسه باستمرار.. ويعرضها في كل حادثة على الموازين السليمة.. مخافة أن تضعف نفسه وتنحرف عن الخط الصحيح.
· وأن يكون مستعدا لتقديم النفس وما يملك رخيصا في سبيل الله.
قال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه. فقال: أهاجر معك؟ فأوصى به أصحابه فلما كان غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقسمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم (أي الإبل) فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله؟
قال: قسم قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى ها هنا -وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل. فقال: أهو هو؟ قالوا نعم، قال: (صدق الله فصدقه) .
هذا مجرد نموذج من النماذج الربانية الذين تجردوا لله في أمرهم كله.. والنماذج كثيرة.. وهي تتكرر في كل حين عندما يتخلص الداعية من نزعات النفس وهواجسها، وحب الدنيا وشهواتها، وحب الجاه ومقتضياته، وحب الأسرة والعشيرة وتعلق قلبه بها.. يفرّ من كل ذلك إلى الله، ولسان حاله يقول: )وعجلت إليك ربي لترضى( .
وعلى من يقتنع بعظمة الإسلام، وشهدت نفسه أن هذا هو الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال، لزمه أن يتجرد لله وأن يستسلم وينقاد لأمر الله، وأن يلزم نفسه بأن يدير أمره وحياته كلها وفق أحكام الله وأوامره.
إن الذين يريدون أن يقيموا هذا الحق في الأرض، يجب أن يقيموه أولا في أنفسهم وضمائرهم وحياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. ولقد قالها الإمام الهضيبي (رحمه الله) وهو يوصي نفسه وإخوانه: أن أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم.