هناك إمامة كبرى وهي: (الخلافة، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، ومهمتها: حراسة الدين وسياسة الدنيا به) ، وطاعة هؤلاء واجبة. قال الإمام الطحاوي: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزّ وجلّ فريضة مالم يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة) .
وإمارة موقوتة أو محدودة كإمارة السفر، وإمارة الحج، وإمارة الجهاد، ولكل من هؤلاء حقوق وعليه واجبات. في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) . وفي رواية: (لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمرّوا عليهم أحدهم) .
يقول ابن تيمية (رحمه الله) تعليقا على هذا الحديث: (فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوجب الإمارة في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات، كان هذا تنبيها على وجوب ذلك، فيما هو أكثر من ذلك) .
والأمير في الجماعات الإسلامية مثل أمير السفر، تجب له الطاعة بحكم البيعة التي التزم بها العضو التابع لهذه الجماعة.. فمن قبل نظام هذه الجماعة، والتزم تجاهها ببيعة، فعليه الوفاء بجميع الأركان التي بايع عليها ومن جملتها طاعة الأمير.
يستطيع هذا الفرد أن يفارق الجماعة الإسلامية التي التزم بها، إذا رأى في ذلك صلاحا لدينه ومصلحة لدعوته. والمفارق لأية جماعة إسلامية لا ينطبق عليه الحديث النبوي: (من فارق الجماعة شبرا فمات، مات ميتة جاهلية) ، فالجماعة المقصودة في الحديث هي جماعة المسلمين.. أما الجماعات الإسلامية على اختلاف أسمائها فليست جماعة المسلمين.. ولكنها جماعات تسعى لتحقيق المنهج الرباني وفق خطة محددة ووسائل مشروعة معروفة. والمسلم تلزمه طاعة الخليفة ولا يستطيع شرعا مفارقة جماعة المسلمين.. أما في الجماعات الإسلامية أو غيرها فلا يلزمه إلا ما ألزم نفسه به.
طاعة أمير الجماعة
الإسلام يدعو إلى أن يكون أمير لأقل الجماعات وفي أقل الأغراض المباحة، فلأن يكون للجماعة المسلمة أمير أولى. وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) . والحديث هنا يدل على مشروعية اختيار أمير للجماعة بل ووجوب هذا الاختيار لأن الحديث الشريف يقول: (فليؤمروا أحدهم) والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهذا في أقل الجماعات وفي أقل الأغراض فكيف بالجماعة التي تقوم لخدمة الإسلام والدعوة إليه ويحتاج عملها إلى ضبط ونظام وتنظيم؟. وطاعة الجماعة المسلمة لأميرها هي طاعة لله ولرسوله.
ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله.، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) . وخلاصة ما جاء في شرح هذا الحديث لابن حجر العسقلاني: (أن من يتولى إمرة شيء بموجب الشرع ويقضي بموجب الشرع، فهو يعتبر أميرا من قبل الشرع، وطاعته واجبة. فمن أطاعه فقد أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر بطاعة مثل هذا الأمير. ومن أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، . ومن يعص الأمير المذكور فإنه يعص الله ورسوله) .
فالطاعة إذن، وكما يراها الإمام البنا، امتثال الجندي أمر قائده وانقياده تواً واتباعه دون تجاوز ودون إبطاء أو تراخ، وفي كل حال من دون تعلل بعسر يقعد أو يسر يلهي. وتكون الطاعة كذلك فيما ينشط له الإنسان من عمل سهل عليه ومحبب إليه، أو ما يكرهه من عمل يشق عليه ويضيق به، ولا يحب أن يعمله. ولا تكون الطاعة طاعة على وجهها الصحيح إلا إذا امتثل الطائع وأنفذ في الحالتين معا. أي سواء أكان محبا للعمل نشاطاً إليه، وكان هذا العمل يسيرا عليه. أم كان كارها للعمل صادفا عنه، وكان العمل عسيرا عليه.
ولقد أوضح هذا المفهوم الإمام أبو الأعلى المودودي (رحمه الله) إذ يقول: (من الوجهة الدينية الخالصة. فإن طاعة أفراد الجماعة لأميرهم في المعروف جزء من طاعتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الإنسان لم يقم بأمر هذه الدعوة إلا مع الاعتقاد بأنه إنما يقوم بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو لم يرض بأحد أميرا على نفسه إلا ابتغاء وجه الله وتقربا إليه، فهو بطاعته لأميره في أوامره المشروعة إنما يطيع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في حقيقة الأمر، ويكون مبادرا إلى ذلك على قدر ما يكون اتصاله بالله ورسوله. وطاعة الأخ هذه بما أنها لله فأجره عند الله عظيم) .
أركان البيعة
والبيعة تكون للرئيس العام على السمع والطاعة في غير معصية، وحسب الاستطاعة. وعليه القيام بالواجب من أجل الوصول إلى الأهداف المحددة، فإن حصلت البيعة وجب السمع والطاعة من الأفراد. والوفاء بالبيعة واجب والغدر بها حرام، والتحلل منها جائز ويكون ذلك بأن يطلب المبايع من الرئيس أو الأمير أن يحله من بيعته حتى يتحلل من لوازمها.