ومن فقه الإمام رحمه الله جواز استعانة الحكومة الإسلامية بغير المسلمين وقيد ذلك بقيدين هما:
حالة الضرورة.
ألا تكون في مناصب الولاية العامة.
قال رحمه الله في الحديث عن الحكومة الإسلامية: ولا بأس بأن تستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة.
ومناصب الولاية العامة كثيرة منها القضاء سواء كان قضاء حسبة أو مظالم أو خصومات، ومنها أهل العقد والحل الذين يكون من بينهم الخليفة ويختارونه، وكذلك ولاة الأقاليم وولاية الصلاة وولاية الحج وولاية الخراج وولاية الجهاد وولاية الصدقات وولاية الفيء والغنيمة، ووزارة التفويض وغيرها من مناصب الولاية العامة.
أقول: لقد قيّد الإمام رحمه الله الاستعانة بغير المسلمين بقيدين: الضرورة وألا تكون في مناصب الولاية العامة.
أما الضرورة: فتعني المصالح التي تقوم الحياة الإنسانية عليها، وتحقق مقصود الشريعة في المحافظة على الأصول الخمسة وهي المحافظة على دين الناس وأنفسهم وأموالهم ونسلهم وعقولهم، وفقدان هذه المصالح أو منعها يؤدي إلى استحالة الحياة الإنسانية التي أرادها الشارع الحكيم، ويؤدي ذلك إلى الفوضى والاضطراب والتهارج والتقاتل وإزهاق الأرواح وسفك الدماء.
فإذا كانت الدولة الإسلامية قد شغر فيها منصب هام جداً وليس في المسلمين من يملؤه وفي غيرهم من يسدُّ هذا الأمر ويصلحه فيجوز أن يستعان بغير المسلمين من قبيل الضرورة، والقاعدة العامة تقول: الضرورات تبيح المحظورات.
وهذا يعني أن الأصل في الظروف العادية حرمة ذلك وعدم جواز وعدم جوازه إلا إذا قامت الضرورة بذلك. والضرورة تبيح المحظورة وتقدر بقدرها ولهذا رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يعيّن أبو موسى الأشعري كاتباً نصرانياً وأمره بعزله، فقال له: يا أمير المؤمنين لا تقوم البصرة إلا به، فقال له عمر: مات النصراني والسلام، فقد كان عمر لا يرى ضرورة لتعيينه فأخبر أبا موسى الأشعري بذلك بقوله: مات النصراني والسلام أي ما كنت صانعه بعد موته فاصنعه الآن واستغن عنه بغيره.
انظر الكشاف للزمخشري ج1/ص619.
هذا وقد ورد في القرآن والسنة نصوصñ لا تجيز الاستعانة بالمشركين من نصارى أو يهود أو عبدة أوثان.
قال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ) [آل عمران].
وذكر ابن كثير في تفسيره أن ابن أبي حاتم روى بإسناده عن أبي الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن هاهنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتباً فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين.
تفسير ابن كثير 2/3103-104 طبعة دار الأندلس – بيروت.
قال ابن كثير بعد ذكر الآية والأثر: (ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يغشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: (لا يألونكم خبالاً).
تفسير ابن كثير 2/104.
وقد أنكر القرطبي رحمه الله على بعض الأمراء الجهلة في عصره اتخاذ بعض أهل الكتاب كتبة فقال معقباً على الخبر الذي ساقه هو وساقه ابن كثير أيضاً: (وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة والأغبياء من الولاة والأمراء).
الجامع لأحكام القرآن 4/179.
أما مناصب الولاية العامة فتشمل الوزارة بنوعيها التفويض والتنفيذ والقضاة والولاة وقد ذكر الماوردي رحمه الله أنواع الولايات العامة في كتابه الأحكام السلطانية والولايات الدينية فذكر ولاية الجهاد وولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية الأقاليم وولاية المظالم وولاية الأنساب وولاية الصدقات وولاية الجزية وولاية الخراج وغيرها من الولايات.
فهذه الولايات وما شابهها وما هو أقوى منها أو في مستواها لا يجوز تولية غير المسلمين عليها.