أعلى الولايات العامة في الإسلام، ويسمى متقلدها خليفة، وهو رأس الدولة الإسلامية، وعليه واجبات وله حقوق، فصّل فيها الماوردي رحمه الله، وغيره من فقهاء الفقه السياسي.
وتسمى الخلافة أيضاً الإمامة الكبرى، ويسمى متقلدها الإمام، وهو يقوم بحراسة الدين من الأعداء والمبتدعين ويسوس الدنيا به.
وفي فقه الإمام البنا رحمه الله أن الخلافة شعيرةñ إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها وإعادتها، ولكن إعادتها يحتاج إلى جهاد طويل وممهدات كثيرة.
ونستخلص مما كتبه الأستاذ البنا في هذا الأمر أن الخلافة الإسلامية يسبقها قيام حكومات إسلامية في البلاد الإسلامية، بحيث يقوم كل شعب بإفراز الحكومة الإسلامية التي تحكمه بالإسلام، ثم تتوثق الصلاة بين هذه الحكومات الإسلامية وتندمج في دولة إسلامية عالمية، وقد سمى ذلك: الكيان الدولي للأمة الإسلامية.
فقد ورد في ركن العمل من أركان البيعة مراتب العمل يبدأ بإصلاح الفرد ثم تكوين الأسرة المسلمة، ثم تكوين الشعب المسلم، ثم بتحرير الوطن من أي سلطان أجنبي، ثم العمل على إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، ثم إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة.
انظر رسالة التعاليم من مجموعة الرسائل ص12-14.
وقد ورد في رسالة المؤتمر الخامس تحت منهاج الإخوان المسلمين عنوان: الإخوان المسلمون والخلافة، قول الأستاذ الإمام رحمه الله: إن الإخوان المسلمين يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر ارتباط بين أمم الإسلام .. والخليفة مناط كثيرٍ من الأحكام في دين الله ..
والأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام وبيان أحكام الإمامة لا تدع مجالاً للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حوّöرت عن مناهجها ثم ألغيت بتاتاً إلى الآن.
والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات، لابد من تعاون تام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات، وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد.. ثم يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين كان عنه الاجتماع على الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة.
مجموعة الرسائل ص284-285.
وأكد هذا المعنى الذي استخلصناه في رسالة (الإخوان المسلمون تحت راية القرآن) حين قال:
نحن نريد:
الفرد المسلم...
والبيت المسلم...
والشعب المسلم...
والحكومة المسلمة...
والدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين، وتستعيد مجدهم وترد عليهم أرضهم المفقودة، وأوطانهم المسلوبة، وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام.
مجموعة الرسائل ص311.
أقول: إن الإسلام يوجب على الأمة الإسلامية أن تتوحد تحت قيادة إمام واحد أو رئيس واحد هو رئيس الدولة الإسلامية. ويحرم عليها أن تنقسم إلى دول، كل دولة لها خليفة أو إمام، وهذه الدول تتنازع فيما بينها، والله قد حرم التنازع لأنه يؤدي إلى الفشل فقال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم (46) ) [الأنفال].
ففي الحديث الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه قول رسول الله (: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما، صحيح مسلم متن شرح النووي 12/242.
فهذا الحديث ينص صراحة على تحريم تنصيب أكثر من إمام على الأمة الإسلامية، وينص أيضاً أنه يجب على الأمة الإسلامية أن تقاتل الخليفة المتأخر وتقتله إن أصرَّ على موقفه، حفاظاً على وحدة الأمة ومحاربة التنازع والشقاق الذي يترتب على تعدد الأئمة.
النظام السياسي في الإسلام169.
وقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيñ خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم".
صحيح مسلم متن شرح النووي 12/231.
والواقع التاريخي قديماً وحديثاً يؤكد أنه مرت فترات على المسلمين أكثر سوءاً من تلك الفترات التي كان العالم الإسلامي يتمزق إلى دول وإمارات عديدة، والتاريخ ينئنا عن العلاقة السيئة بين دولة الأمويين في الأندلس ودولة العباسيين في المشرق، وما تُكنُّه كل واحدة للأخرى من حسد وحقد وشحناء وتباغض.
انظر النظام السياسي في الإسلام ص168.