يقول الإمام حسن البنا في الإخلاص (الركن الثاني بعد الفهم):
وأريد بالإخلاص: أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته، من غير نظر إلى مغنم أو جاه أو لقب أو تقدم، أو تأخر، وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة، لا جندي غرض ومنفعة. )قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت( .
معنى الإخلاص
والإخلاص هو إرادة وجه الله تعالى بالعمل، وتصفيته من كل شوب دنيوي. فلا يمازج عمله ما يشوبه من الرغبات العاجلة للنفس، من إرادة مغنم، أو منصب، أو مال، أو شهرة أو منزلة في قلوب الخلق، أو طلب مدحهم، أوالهرب من ذمهم أو اتباع هوى خفي، أو غير ذلك من العلل والشوائب.
والإخلاص بهذا المعنى ثمرة من ثمار التوحيد الكامل الذي هو إفراد الله بالعبادة. ولهذا عُدّ الرياء - وهو ضد الإخلاص- من الشرك، قال شداد بن أوس رضي الله عنه: (كنا نعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر) .
العمل المقبول
وإن لكل عمل صالح ركنين لا يُقبل عند الله إلا بهما:
أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.
وثانيهما: موافقة السنة والشرع.
وبالركن الأول تتحقق صحة الباطن، وبالثاني تتحقق صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) فهذا هو ميزان الباطن.
وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود على صاحبه وهذا ميزان الظاهر.
وقد جمع الله الركنين معاً في أكثر من آية في كتابه، فقال تعالى: )ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى( .
فإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له.. والإحسان فيه.. ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.
قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: )ليبلوكم أيكم أحسن عملا( :
أحسن العمل أخلصه وأصوبه.. قيل له يا أبا علي، ما أخلصه وما أصوبه؟ قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ الفضيل قوله تعالى: )فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا( .
نعلم مما تقدم أن إخلاص النية لا يكفي وحده لقبول العمل، ما لم يكن موافقا لما جاء به الشرع وصحت به السنة. كما أن ورود الشرع بالعمل لا يرقى به إلى درجة القبول ما لم يتحقق فيه الإخلاص وتجريد النية لله عز وجل.
ميزان الإخلاص
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) .
فالعمل مرتبط بالنية: إذا صحّت صحّ العمل، وإذا فسدت ضاع العمل وباء الجهد بالخسران. فالنية قصد الشيء مقترنا بفعله. والإنسان يقوم بالعمل كالآخرين، والنية وحدها تجعله عملا للبناء أو عملا للتخريب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما يبعث الناس على نياتهم) .