يقول الإمام حسن البنا في الجهاد (الركن الرابع) من رسالة التعاليم: وأريد بالجهاد: الفريضةَ الماضية إلى يوم القيامة، والمقصودَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية). وأول مراتبه إنكار القلب، وأعلاها القتال في سبيل الله، وبين ذلك: جهاد اللسان والقلم واليد، وكلمة الحق عند السلطان الجائر.
ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها، وجزالة الثواب للعاملين فيها )وجاهدوا في الله حق جهاده( ، وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم: الجهاد سبيلنا.
كلمة بين يدي الموضوع
والحديث عن موضوع الجهاد مهم وشائك في الوقت نفسه.
أما أهميته فتنبع من كونه الفريضة اللازمة الجازمة الماضية إلى يوم القيامة، فرضه الله تعالى على كل مسلم، ورغّب فيه أعظم ترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، وتوعّد المخَلفين القاعدين بأفظع العقوبات.
قال النبيصلى الله عليه وسلم : (من مات ولم يغز، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من النفاق) .
وأما صعوبة الحديث عن الجهاد.. فتكمن في الهجوم السافر الذي شنه المستشرقون والمستغربون، القدامى منهم والمحدثون على الجهاد، فكرته وأهدافه. فالإسلام في رأيهم انتشر بالسيف، وأنه شريعة العدوان، وتفننوا في رسم صورة للمجاهد المسلم كلها رعب وفزع، فهو إنسان متوحش سلّ سيفه وتطاير الشرر من عينيه، وانحصر كل تفكيره في القتل والنهب، فبمجرد أن يرى كافرا، ينقض عليه، ويمسك بخناقه، فإما أن يقول: لا إله إلا الله، فينجو، وإمِا أن يضِرب عنقِه. يقِول كرومر، وهو المبشر والمستعمر الحاقد على الإسلام: (أما الجهاد فهو فكرة العدوان ذاتها، أعطاها الإسلام صبغة شرعية، كي يدفع بها المسلم لمهاجمة غير المسلم، في وقت أمن على نفسه، وماله وعرضه، إنها فكرة الغدر وتشجيع العدوان) .
لقد تفنن الإعلام الغربي في إبراز كلمة (الجهاد)، ووضعها في إطار مقزز منفر ليصرف المسلمين عنها أولا، وليشوه صورة المسلمين وتاريخهم وأفكارهم عند الأمم الأخرى من ناحية ثانية.
هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) أنتجت فيلما عرضته بكل اللغات عن الجهاد، اقتطعت منظر دماء من هنا، ومنظر خطيب مسجد ينادي ويقول: الدم الدم.. فقرة من هنا، ومنظر من هناك، ومتحدث هنا، وخطيب هناك، يتحدث فقط عن الدم.. أنتجته وعرضته لتشويه فكرة الجهاد عند المسلمين.
والإعلام اليوم هو الحرب الحقيقية التي تدخل كل بيت، وتغير مفاهيم الناس. وفي عرف هذا الإعلام أن كل مسلم متطرف وإرهابي، على الجميع أن يكونوا على حذر منه.. فإذا جاء اليهود من أنحاء العالم لينتزعوا فلسطين من أهلها فهم ديمقراطيون مسالمون.. أما إذا سُحق المسلمون وقتلوا وشردوا وطردوا من بيوتهم، وتاهوا في كل أرض، وعملوا على استرجاع أرضهم ومقدساتهم، فهم مجاهدون مجرمون متطرفون..
ولقد تأثر المسلمون (سلبا) بهذا الهجوم الغربي الشرس، وذهبوا في فهمهم للجهاد مذاهب شتى:
· فريق منهم، يعتقد كفر من ارتكب المعصية، ومن هؤلاء العصاة الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ويمتد هذا الحكم ليشمل أعوان الحاكم من شرطة وجنود وعمال ومستخدمين.. وقد يُقتل في أتون هذه الفتنة بعض البرءاء الآمنين.. ويرى هؤلاء أن الكفار (أي الحكام) تترسوا بهم.. فلا بأس من اقتحام هذا الترس.
في أيام الإسلام الأولى وجدت مثل هذه الفئة.. كانت صائمة قائمة.. ولكنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. أحلوا قتل المسلمين بمعصية توهموها.. وكانت من جرائمهم قتل الخليفة العظيم علي بن أبي طالبرضي الله عنه وهو قائم يصلي في المحراب!
وفي أيامنا هذه وجدت مثل هذه الفئات.. التي تقتل وتتحرى القتل.. يفجرون القطارات، وينسفون العمارات على من فيها.. وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعا.. وأنهم هم المجاهدون. وهذه الأفعال التي ينفذها هؤلاء جهلا بأحكام الدين.. هي المبرر الذي يستند إليه كثير من حكام السوء للبطش بالحركات الإسلامية الواعية الفاهمة.. وهي كذلك الدليل الذي يريده المكر الغربي ليشوه فكرة الجهاد ويصف جميع المسلمين بالعنف والإرهاب.
· وفريق آخر، بدافع رد الفعل، يطالب بحذف كلمة الجهاد من لغة الخطاب العام وكأنها وصمة. وكأن الشعوب المسلمة ليس لها أن ترفع راية الجهاد في وجه من يغتصب الأرض والعرض، بل ويذهبون إلى أن وضع الجهاد يتعارض ويتناقض مع السلام. وهذا بالضبط ما يسعى له العدو، وهو ما طالب به اليهودي المحتل اسحق شامير في مؤتمر مدريد بإلغاء كلمة الجهاد.
هذه الأفعال، وما اقتضته من ردود أفعال، جعلت من الضرورة البالغة وضع هذا الركن الهام من أركان الدين، وهذه الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، تحت المجهر.. والعودة به إلى الأصول وإلى الأحكام الفقهية التي قررها فقهاء الأمة وأئمة الدين.